تعكس الزيارتان المتزامنتان لوفدين سوري إلى موسكو وتركي إلى دمشق لحظة سياسية شديدة الحساسية في المشهد السوري، إذ جاءت زيارة وزيري الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف أبو قصرة، برفقة مسؤولين في الاستخبارات العامة، إلى العاصمة الروسية، بعد يوم واحد فقط من استقبال دمشق وفداً تركياً رفيعاً ضم وزير الخارجية هاكان فيدان ووزير الدفاع يشار غولر ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن.
هذا التزامن، بتوقيته وتركيبته الأمنية والسياسية، يفتح الباب أمام قراءة موحدة لمسارين متوازيين تديرهما دمشق في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، في ظل تشابك الملفات الأمنية والسياسية، ولا سيما في الشمال السوري، ومساعٍ واضحة لمنع انزلاق البلاد إلى ساحات اشتباك إقليمية مفتوحة.
وأعلنت سوريا وروسيا اليوم الأربعاء، عن دخول علاقاتهما الثنائية مرحلة جديدة، عقب مباحثات رسمية جرت في موسكو بين وزيري خارجية البلدين، أكّد خلالها الجانبان عزمهما تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والدبلوماسي بما يخدم المصالح المشتركة، مع تشديد روسي واضح على دعم وحدة الأراضي السورية وسيادتها.
وقال وزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية أسعد الشيباني إن دمشق تعمل على نقل العلاقة مع موسكو إلى مستوى استراتيجي جديد بعد تجاوز تبعات المرحلة السابقة.
تزامن محسوب ومساران متوازيان
يرى الباحث الروسي ديميتري بريجع في تصريحات لـ”963+” أن الإعلان عن وصول الوفد السوري الرسمي إلى موسكو يتقاطع دلالياً وزمنياً مع زيارة الوفد التركي الأمني ـ العسكري ـ السياسي إلى دمشق قبل يوم واحد، مؤكداً أن هذا التزامن “لا يمكن قراءته بوصفه تفضيلاً بروتوكولياً، بل هو مؤشر واضح على أن دمشق تدير حزمة مترابطة من الترتيبات الإقليمية، عنوانها الأساسي الشمال السوري، وتثبيت قواعد العلاقة مع موسكو، ومنع انزلاق سوريا إلى تعدد ساحات اشتباك متزامنة في مرحلة شديدة الحساسية”.
ويضيف بريجع أن قراءة المشهد توحي بمحاولة دمشق فرض توازن إجباري بين مسارين متوازيين؛ الأول مسار دمشق ـ أنقرة، وهو مسار أمني ميداني سريع هدفه إدارة ملف قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والحدود ومنع أي تصعيد تركي محتمل، والثاني مسار دمشق ـ موسكو، وهو مسار استراتيجي بعيد المدى يسعى إلى تثبيت قواعد العلاقة مع روسيا في مرحلة ما بعد 2024، بما يشمل إعادة تعريف الالتزامات الاقتصادية ومنع أي توظيف روسي لإرث النظام السابق على نحو قد يخلق تهديدات داخلية لسوريا سياسياً أو أمنياً، وحتى في علاقتها مع “قسد”.
في المقابل، يذهب الباحث السوري في الشأن الروسي طه عبد الواحد، في تصريحات لـ”963+” إلى أن زيارة المسؤولين السوريين إلى موسكو يمكن ربطها من حيث التوقيت باستقبال المسؤولين الأتراك في دمشق، لكنه يشدد على أنه “لا يمكن فصلها بشكل عام عن مسار التنسيق الروسي ـ التركي في الملف السوري”، موضحاً أن تركيا تدرك أهمية روسيا كشريك أساسي في هذه المرحلة، كما تدرك أن أي محاولة لدفع موسكو خارج سوريا ستكون لها تداعيات كبيرة.
“قسد” كعقدة مركزية في الترتيبات الجارية
يؤكد بريجع أن ملف “قسد” يُعد مفتاحياً في هذه المرحلة، لكنه ليس الوحيد، إذ يبرز أيضاً ملف الجنوب السوري، ولا سيما السويداء، باعتباره ملفاً استراتيجياً لا يمكن حله بمعزل عن معالجة ملف الشمال، نظراً لتداخل معادلات الشمال والجنوب في الأمن الوطني السوري.
ويرى أن دمشق لا تتوجه إلى موسكو بعد أنقرة مصادفة، بل تحمل معها “ملفاً تفاوضياً أثقل، يتعلق بتوزيع الأدوار في سوريا خلال عام 2026 وما بعده”.
ويفكك بريجع رسالة أنقرة على ثلاثة مستويات: الأولى، طبقة ضغط عبر التلويح بالعمل العسكري، بما يعني أن تركيا تريد قرارات تنفيذية لا وعوداً سياسية. والثانية، رفض الاندماج الشكلي الذي يُبقي “قسد” كتلة واحدة داخل الجيش السوري، مقابل المطالبة بتفكيك بنيتها القيادية وإعادة توزيع عناصرها. أما الثالثة، فتتعلق بإدخال إسرائيل في السردية بهدف تقليل التعاطف الدولي مع “قسد” وتقديمها كعامل يعرقل وحدة الأراضي السورية.
من جهته، يرى عبدالسلام أحمد، ممثل الإدارة الذاتية في لبنان، في تصريحات لـ”963+” أن زيارة الوفد التركي إلى دمشق حملت رسائل واضحة حول أولويات أنقرة السياسية والأمنية، وعلى رأسها الملف الكردي، مشيراً إلى أن تركيا تسعى لمنع أي شكل من أشكال الكيان السياسي أو العسكري المستقل المرتبط بـ”قسد”.
ويؤكد أن أنقرة تهدف لأن تكون الفاعل الإقليمي الأثقل وزناً في مرحلة ما بعد سقوط النظام، وصاحبة الكلمة الفصل في رسم ملامح السلطة الانتقالية، مشدداً على أن أي ترتيبات أمنية في شمال سوريا يجب أن تمر عبر التنسيق مع تركيا أو تحظى بموافقتها الصريحة.
ضغط ميداني وخطاب تفاوضي
يوضح أحمد أن الوفد التركي لا يزور سوريا “كفعل عابر وبسيط”، بل كحامل لشروط محددة تركز على أمن تركيا أولاً، وضمان نفوذها، وإعادة صياغة أي تسوية سورية بما يمنع قيام أي صيغة توافق كردي مع الحكومة المؤقتة في دمشق.
ويرى أن الوفد يحمل المقولات التركية بوضوح، لكنه يقدمها بصورة “الشأن السوري”، في حين أن جوهر الطرح يظل شأناً تركياً ـ أمنياً بامتياز، حيث تُدار سوريا باعتبارها مساحة نفوذ لا دولة ذات سيادة.
ويشير إلى أن القضايا الجوهرية، من “قسد” إلى الحدود واللاجئين والإدارة المحلية، تُقارب دائمًا من زاوية الأمن القومي التركي، وليس من منظور العقد الوطني السوري، ويُطلب من السوريين التكيف مع هذه المقولات لا العكس.
كما يؤكد أن ما يجري في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية لم يعد ساحة اشتباك محلية، بل أصبح ورقة ضغط تُستخدم لتمرير المقاربة التركية، حيث “يفاوض الوفد التركي بالكلمات، بينما يُمارس الضغط بالنار والحصار على الأرض”.
موسكو كضامن توازنات لا غنى عنه
يرى بريجع أن ما تريده دمشق من موسكو يتمثل أساساً في تثبيت الأصول الاستراتيجية الروسية وتقليل المخاطر ضمن بيئة سورية جديدة، موضحاً أن الهدف الروسي الرئيس هو تحصين المصالح والقواعد والوجود العسكري والاتفاقيات ضمن معادلة ما بعد الأسد، ومذكراً بتقارير سابقة تحدثت عن مناقشات سورية ـ روسية لمراجعة الاتفاقيات، بما فيها تلك المتعلقة بالقواعد العسكرية.
وفي السياق نفسه، يشير عبد الواحد إلى أن جميع الزيارات السورية السابقة إلى موسكو، بما فيها هذه الزيارة التي تُعد على الأرجح الثالثة لوزيري الخارجية والدفاع، كانت تتم بالتشكيلة نفسها، حيث يرافقهما دائمًا مدير الاستخبارات السورية.
ويعكس هذا التشكيل، بحسب عبد الواحد، طبيعة المباحثات التي تشمل الأبعاد السياسية والعسكرية والأمنية معاً، من خلال لقاءات سياسية بين وزيري الخارجية، ومحادثات عسكرية وتسليحية بين وزيري الدفاع، إلى جانب الشق الأمني.
ويشدد عبد الواحد على أن إدارة المحادثات بهذه التركيبة المتكاملة تسمح بوضع رؤى شاملة واتخاذ قرارات متكاملة، مؤكدًا أن أي تحرك سياسي يتطلب تنسيقاً عسكرياً وأمنياً موازياً، والعكس صحيح، ما يعكس حرص الطرفين على الجاهزية الكاملة قبل الإقدام على أي خطوة.
أفق المرحلة المقبلة
يخلص بريجع إلى أن جمع مسار أنقرة ومسار موسكو يضع سوريا أمام حزمة من الملفات المترابطة، تشمل إعادة هندسة الشمال الشرقي، وصيغة دمج مرحلي لـ”قسد”، ومنع التصعيد التركي وتحويله إلى ضغط تفاوضي مضبوط، إضافة إلى إعادة تموضع روسيا في سوريا الجديدة، ومراجعة الاتفاقيات وإعادة هيكلة الجيش، فضلاً عن ملف الجنوب والعلاقة مع إسرائيل، وملف الاقتصاد والعقوبات وعودة دمشق إلى المجتمع الدولي.
بدوره، يرى عبد الواحد أن هذه الزيارة مرتبطة على الأرجح بما كان مقرراً أن تشهده سوريا مع نهاية العام، لجهة استعادة الدولة سيطرتها على كامل الأراضي السورية، سواء في ملف “قسد” أو الوضع في محافظة السويداء، مؤكداً أن روسيا قادرة على لعب دور مهم في هذا السياق، سواء عبر الوساطة أو الضمانات، خاصة أن أطرافاً فاعلة في السويداء تنظر بإيجابية إلى الدور الروسي وقد تقبل بالتواصل معه، كما يمكن لموسكو أن تؤدي دوراً ضامناً في المحادثات مع “قسد” وملف الأكراد عموماً
.المصدر موقع963