1- من منطلق التجاوز: إعجاز الإنجاز
لقد كانت الغاية الكبرى للحركة المعجمية في اللغة العربية، تتمحور، غالبًا، حول “إصلاح المنطق”، علاجًا لـ “لحن العامة” الزاحف إلى السليقة العربية الأصيلة، ومحاولة تأصيل أبنيتها من منظور “العين”، ومُعْتَبَر”مقاييس اللغة”. ثم تنوعت غايات تأليف المعاجم العربية، عبر العصور، من عالِم إلى آخر؛ حيث اهتم بعضهم، متواضعًا، بتحصيل” جمهرة اللغة”، و”مجملها”، بينما ارتفعت درجة الطموح- حتى لا أقول الغرور- عند آخرين؛ فادّعوا الإحاطة المستحيلة؛ مثل: “القاموس المحيط”، و”لسان العرب”. هذا في الوقت الذي استهدف آخرون الانتقاء والاصطفاء من الكم اللغوي المجموع، عبر “الصحاح”، وحتى “مختار الصحاح”، وارتقي غيرهم من مشغل الكم إلى مشغل الكيف، عبر “تهذيب اللغة”، وادّعاء الإجادة القصوى تشبّهًا بـ”تاج العروس”، إضافة إلى المعاجم الأكثر تخصصًا في المباني الصرفية ؛ مثل: “التقفية”، و”معجم ديوان الأدب”، و”شمس العلوم وشفاء كلام العرب من الكلوم”، وكذلك الأكثر تخصصًا في ألفاظ المعاني؛ مثل: “الزاهر في معاني كلمات الناس”…
أما معجم الدوحة التاريخي، فقد بدأ من حيث انتهى الآخرون، متنكبًا عن عبثية تحصيل الحاصل، متمثلًا:
إنِّي وإنْ كنتُ الأخيرَ زمانُه لآتٍ بما لمْ تستطعْهُ الأوائلُ
حيث ولَّى وجْهَه شطْرَ تاريخية اللغة العربية، ورصد المسار التطوري لألفاظها، عبر الحقب، بانيا ذاكرتها المكتنزة بالمعاني والمباني، حسب الأقدم فالأقدم، عبر حوالي عشرين قرنًا، من أول نص عربي- في الجاهلية- ترتضيه مدونته إلى اليوم.
2- مآل التجاوز: من “مَعْجَمَةَ الألفاظ” إلى “مَعْجَمَة الأكوان”
الحقيقة أن خلاصة هذا المشروع العربي الحضاري الرائد في مجاله ليست فقط المنجز العظيم المتمثل في بناء ثلاثمائة ألف (300000) مبنى لغوي بشواهدها الشعرية أو النثرية، ووسومها الصرفية المتنوعة، وتعاريف معانيها المتنامية، وتأريخ استعمالاتها عبر العصور، (شهادات الميلاد اللغوي)، مع توثيق الشواهد من مصادرها العلمية في مدونتها الواسعة، ورصد تأثيلات الألفاظ بنظائرها في أمهات اللغات الأعجمية قديمها وحديثها، وبالرسوم، والنقوش الأثرية الشاهدة؛ بل إن خلاصته الأكثر عمقًا واتساعًا هي الانتقال من “مَعْجَمَةَ الألفاظ” تلك إلى “مَعْجَمَة الأكوان”، حيث أسفر إحكام التصور المعجمي لهذا المشروع بالتراكم الفكري الطويل، وتدقيق مَعْيَرَتِهِ المنهجية المتجددة باستمرار المتابعة الناقدة، وتطور وتطوير بنيته الحوسبية المُرَقْمَنَة، عن عملية “مَعْجَمَةٍ” كُبْرَى دمجت أبعادًا حضارية مُرَكَّبَة، ربما لم تتعايش وتتفاعل وتتكامل في مختبر لغوي عربي قبل “معجم الدوحة التاريخي”، فهنا تحركت ألفاظ اللغة العربية من جمود صفحات الكتب الورقية، وثقل كتلتها المُخْلِدَةِ بها إلى الأرض، مُقْلِعَةً- على أجنحة التكنولوجيا- إلى حيوية صفحات المنصات الإلكترونية، لتصبح “مَعَجَمْة” العالم الافتراضي، “مَعْجَمَةً” واقعية، ربما أكثر من الواقع نفسه.
وبقدر ما أسفر ذلك جميعه عن صناعة “معجم تاريخي” للمباني والمعاني العربية، غير مسبوق في كيفه، ولا في كمه، اختزنت بنية جذاذاته المختزلة التصميم معاجم لا تنتهي؛ إذ تحت كل عنصر من تلك الجذاذات ينام معجم، بمجرد ضغطة زر يثور، ملء خانته، ثورة العفريت السجين من قممه.
ــ ففي خانة التعريف يمكن استلال معجم تاريخي للمعاني يقدر عدد وحداته بمئات الآلاف.
ــ وفي خانة الأعجمي– من معجم التعاريف- يندرج معجم تاريخي للألفاظ الدخيلة المقترضة من لغاتها المختلفة.
ــ وحتى ضمن هذا الأعجمي يمكن أن تخص كل لغة بمعجمها التاريخي المستقل.
ــ وفي خانة المصطلح– من معجم التعاريف- يمكن أيضًا تجريد معجم تاريخي عام للمصطلحات في شتى الحقول المعرفية.
ــ كما يمكن إفراد كل حقل مصطلحي بمعجمه الخاص به.
ــ ومن خانة المبنى يمكن كذلك انبثاق معجم تاريخي لمباني العربية لغات وجموعًا.
ــ وضمن خانة المركب ينام معجم تاريخي للمركبات في اللغة العربية.
ــ أما خانة الشاهد فهي تكتنز نصوص المدونة الفعلية لمعجم تاريخي للشواهد الحية، يقدر عدده بثلاثمائة ألف (300000) نص، عابرة للأجناس الأدبية، وللحقول المعرفية.
ــ هذا في حين تستبطن خانة المستعمل معجمًا لرجال “المعجم التاريخي” قائلي هذه الثروة الكبيرة، من الشواهد والمعاني والمباني إنتاجا، ورواية، واستشهادًا.
ــ وفي خانة التاريخ يمكن جرد معجم لتواريخ استعمال شواهد هذا المعجم، عن طريق التأريخ بوفيات المستعلمين، أو عبر رصد قرائن تاريخ الاستعمال من خلال الوقائع والأحداث الشاهدة على ميلاد الألفاظ المنتجة للمعاني والمباني معًا.
ــ كما أن خانة مصدر الشاهد ضمن الجذاذات يمكن أن يجرّد منها معجم للبيوغرافيا التي منها انبثقت النصوص البانية لصرح هذا المعجم الكبير، معانيَّ ومبانيَّ، ومنها وثقت بتحديد الصفحات والأجزاء…
3- معجم المعاجم… ومصنع المعنى
هكذا يكون “معجم الدوحة التاريخي للغة العربية”، من خلال الومضات الخاطفة المتقدمة، جديرًا بانتزاع اسم “معجم المعاجم” من سابقه إلى هذا العنوان، باعتباره شجرة للّغة العربية تتيح للجميع أن يتفيأ بظلها الوارف. فهو مكنز للغة، وملتقى لروافد المعارف الحافة بها، والتي تشكل مرجعيات متعددة للغة نفسها؛ إذ تعايشت ضمنه المعاني، والمباني، واللغات، والنصوص، والشخوص، والعصور، والعلوم، والفنون، والمواضيع، والحقول، فكان مَثَابَة للخبراء اللغويين، وللأدباء، والمؤرخين، والعلماء، في حضنه الموسوعي يتعلم المرتاد ما لم يعلم في المدارس والجامعات، ويكتسب من المهارات العلمية والعملية ما لم يكتسب في مختبر الحياة الفسيح، ويقترح على كل الباحثين مداخل بحثية غير متناهية، ضمنها “قَدْ عَلِمَ كُلُ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ” (البقرة:60).
كما أنه ــ من جهة أخرى ــ حقيقي بأن يعتبر “مصنعًا للمعنى”، بما في الكلمة من معاني المعنى، ومعاني الصناعة معا، حيث لا يبني خبراؤه الجذاذات المعجمية فقط، بل يشيدون معامل متطورة في الصناعة المعجمية للمعاني اللغوية، والحضارية، والعرفانية، والإنسانية، مراكمين في “بنك التحرير” أرصدة تدعم في “مصنع المعنى” إنتاج ترسانة من آليات التدقيق، والتجويد، لا يتسع المقام لاستعراضها هنا، وقد سبق أن بسطت الحديث عنها في محاضرة بعنوان “بنك التحرير” الآنف الذكر، سنة 2019م.