
لم تكن ذاتية الدلالة التي تتمثلُ في الطوبونيميا التعبيرية، إلا انتفاضة نوعية تتمثلُ في جموحِ الكاتبِ والتسويغِ الحقيقي لمكامنِ التعبير، ومغايراتِ العصر التي يعيشها، وتنقيبِه في جغرافيةِ المساحاتِ الشاسعةِ بتمثيلاتِها التقليدية، وانفعالاتِها البشريةِ التي تحافظُ على النمطِ الضمني للنص والتمثيلِ الكاملِ للذاكرة.
هكذا، تخطت الكاتبة لطفية الدليمي أيديولوجياتِ المدلولَ الكوني والخاص، وأسهبت في تسويفِ لحظةِ القرارِ الأخير، في الإقرارِ بأن رحلتَها الإبداعية كانت مثل حركةِ العصي تتمايلُ في رقصةٍ مبهرة، ولكنها تتجنبُ محاكاةَ النقدِ اللاذع، بل سلكت دربَ الرحمةِ في التقييم، والتصويب والتدقيق. ففي حديقةِ الشتاء عندما شعرت بشح الإبداعِ في زمنِها، لم تتوانَ في أن تهبَ الريحَ شراعي الحكمة، لتصنعَ من الهزالِ الفلسفي ذريعةً للمعيارِ المورفولوجي التعبيري، عن العقولِ النيرةِ التي تستطلعُها في قراءاتِها العديدة.
هذا الصوتُ النسائي الذي صنعته الدليمي، لم يبتئسْ أو يذرفْ في قارورةِ الدمعِ الأسى على محيطٍ ثقافي ضيقٍ متقوقعٍ على ضآلةِ مبدعيه، بل جذبت تلك التحولاتِ التي تغص بالتناقضات، لتصنفَ بقلمِها جوانبَ العقلِ الموهوب في استفاضةٍ متينة، وحريةٍ وارفة مثل، سيمون دي بوفوار، التي صبت زمامَ عقلها في تشييد أخلاقياتِ الوجودية، وترسيخِ مضامينِ الحريةِ النسائية، فهيباتيا السكندرية مثلاً، لم تسملْ عينيها إلا عندما أبصرت المعرفة، بين قومٍ يستخفون بالحق ويجعلونه من وحيِ السحرِ والشياطين وينزلون الأساطيرَ موقعَ القداسة.
كانت مقالاتها تشبه المقطوعة اللفظية، تنتجُ تبعياتٍ بهيةً تتطورُ لتكرسَ عناصرَ من الخبرِ والسيرورة الاسترجاعية والاستدلال العميق. وهي أشبهُ بفلسفةٍ محكيةٍ تتناوبُ على موضوعِها الذي تبلورُه بتلقائية، وتدرجه في منتخباتٍ متماسكةٍ ودقيقة، لتصبحَ قابلةً للأيقنةِ والأرشفةِ التي يُرجعُ إليها في كل وقت.
وإذا كانت الحضارةُ الهندية والغاباتُ الأمازونيةُ المترفة بالأسرار، قد جذبتها إلى مسطريها ومؤرخيها ومبدعيها، فقد مارست الدليمي مبدأ تنميط الأسلوب الفلسفي الذي تعتمدُه لإغراقِ المتلقي في الواقعيةِ الرمزيةِ والتحليلِ بطريقةٍ هيراقليطيسية تنبئُ دوماً بأن الانسانَ لا يستطيعُ أن يخطو مرتين في التيار نفسه، ولهذا كان التجديد والغموضُ اللافتُ بسرياليتِه راسخين في طبعِها الكتابي، والأنساقِ الوصفيةِ التي تجيرها في مواردِها الذهنية، وكذلك توريث الأفكار المتنقلة من جيلٍ إلى آخر.
لم تعتمد الدليمي على المحسناتِ البلاغيةِ لتميزَ نصوصَها، بل على الرشاقةِ الأسلوبيةِ، التي تضمدُ رحابَ الفكرِ بانسيابِها الناعمِ بين الباثِ والمتلقي، في مساراتٍ قابلةٍ للاختزال بين النطقِ والتعبير، التي تطوفُ مثل أسجافِ الظلال، بعيدة عن أشكالِ العصابِ الفضولي، وقريبةً من التنجيمِ الأبيقوري الذي يؤمنُ بالفردوسِ اللحظي، والذي كانت تمنحُه في كتاباتِها المتفائلة بعصَبِ النور.
وقد زخرت هذه الكتابةُ بنوعين من النظامِ واللانظام، فعلى الرغمِ من تركيزِها المتأني في معالجةِ التوليفةِ النصية، فهي تستعيدُ التاريخَ بطريقةٍ مغايرة، فتعرجُ على تأثيراتٍ جانبيةٍ للحدث، وتسرفُ في تغريبِ الأبجديةِ نحو فلسفةٍ حوارية، تدرجُها في قائمةِ المضاداتِ البنيويةِ التي تمنحُ المعنى نكهةَ التأمل، بإيقاعٍ يوناني وتشفيرٍ سيمانطيقي، ففي كتابِها «أصوات الرواية: حوارات مع نخبة من الروائيات والروائيين»، الذي صدرَ في الملحقِ الثقافي لمجلةِ «دبي الثقافية»، توجهت بكل جوارحِها، وشعورِها الاستطيقي لتنبشَ في الغاياتِ والعللِ والخلفياتِ الدقيقةِ لمعاينةِ المغزى التشكيلي لرواياتِ كل كاتب، وكأنها تجولُ في نزهةٍ للألبابِ والعقولِ في سرمديةِ السرد، على طريقةِ الفيلسوف ثيودل ريبو، الذي ترجمَ النسيانَ كمفصلٍ متدرجٍ للذكرياتِ القريبة، وذاكرةٍ جياشةٍ للذكرياتِ البعيدة، وقد حاولت أن تقدحَ من كيانِ كل مبدعٍ ومضاتٍ من الذكرياتِ التي تُعلنُ عن نفسِها أكثر مع مرورِ المزيد من الزمن. ورغم دفاعِها الثائرِ عن المرأةِ وكيانِها الحر والمتحرر من الرجعيةِ العقيمة، إلا أنها لم تهملْ الجانبَ الأنثوي منها عندما قالت: «في الحروب، يكتبُ الرجالُ التاريخَ بالرصاص، وتكتبُ النساءُ التاريخَ بالدموعِ والانتظارِ خلف الأبوابِ الموصدة». فالمرأةُ مخلوقٌ حساسٌ شغوفٌ بالعواطفِ الناعمة، وهي ملغزةٌ بالتسلسلِ اللانهائي من العطاءاتِ والمشاعر، تتقوسُ مثل خصلاتِ الأشجارِ المخضوضرة، تنتظرُ الغائبَ في الحرب، خلفَ فوتوغرافيا روحيةٍ من التعبيرِ الصامتِ اللحوحِ في الصبر، والمعتكف على الترخيمِ النفسي الممض.
وقد ارتكزت فلسفةُ الدليمي على أساسيتين:
الفلسفة الوجوديةِ بكل دلالاتِها وحوافزِها متأثرةً بصاحبِ كتابِ «خوف ورعدة» الفيلسوف سورين كيركغور الذي اعتنقَ التعليق الغائي للأخلاقيات، في توليفةٍ من الغموضِ والتساؤلاتِ الواقعيةِ، حول الإمكانياتِ اللحظيةِ والانعكاسيةِ للارتقاءِ بالفكرِ الى جعلِ المرآةِ وجهاً للفعل، والفعلِ سبباً لتعميمِ الدافعِ بين الجميع.
الفلسفة الديكارتية التي تدورُ حول منهجيتِه في أن الإنسانَ يستطيعُ أن يصلَ إلى الحقيقةِ ويطمئن إلى نورِ البداهةِ فيها، ولكنه في الوقتِ نفسه يزل في أخطاء جمة لأنه – حسب وصف أب الفلسفة الحديثة ديكارت – ظاهرةٌ تتنافى مع السمو القدسي لله. فالقوةُ المنفعلة بين الروحِ والجسد تفصلُ الروحَ عن البدن لتصبحَ كالنوتي في سفينتِه، ليتحسسَ الذهنُ الذي يعملُ كالمنبهِ الفوري الجرحَ الذي قد يصيبُ الجسدَ كما الحواس تماماً، وهكذا تكر سبحةُ التفاعلِ الكياني والجوهري التي تسوقُ القوةَ والضعف.
والترجيحُ بأن الدليمي قد تبنت تلك الفلسفتين المتحاورتين بين العقلِ والوجود، هو تعاطيها مع ماهياتِ الكائناتِ والصياغاتِ الكتابية، فهي تشهرُ الحججَ في تحليلِ ما تصوبُ نحوه هدفَها النقدي والتحليلي، فماهيةُ الشمعدانِ مثلاً ليس الخيال، ولا باستخدامِ التخيلِ لتصور ِمدى ذوبانِه أو اشتعالِه، بل بتفعيلِ العقلِ والمنطق على خطى ديكارت، والتسلسلِ المنهجي للحدثِ السردي، أو العلمي، أو الفلسفي في تحليلاتِها. وكذلك في المذهبِ الوجودي، يتمثلُ ما يمكنُ وصفه بأن وجودَ الإنسان يرتبطُ في ما يفعلُه حسب توصيف ريجيس جوليفييه، وهكذا ربطت الدليمي بين واقعِ المبدعِ الذي تعاينُه، وما يدفعه بالإتيان بفعلِ الإبداع. وتولت بنفسِها أمر التوضيحِ والتسريحِ الفكري لكل ما تنطوي عليه روافدُ مخيلتِه.
وقد خلصت مسيرةُ الكاتبة لطفية الدليمي إلى دمجِ هاتين الفلسفتين وتبدأ بالفلسفةِ الحواريةِ مع نفسِها، كما حاورت غيرَها من المفكرين والأدباء، كأنها تستنبطُ تفاعلاً متوازناً بين الشرحِ والتحليل، لتفصلَه عن الخرقِ التجاوزي لأي تدخلٍ خارجي من الموانعِ الاجتماعيةِ أو السيكولوجية.
لم تبرأ الدليمي من جرحِ النكساتِ المتتاليةِ للأوطانِ الماثلةِ في حضرةِ الخيبة، فقد اقتبست أشكال الايجازِ التي اعتمرَ بها أسلوبُ لافونتين، فقد آثرت الفيزيقي على الميتافيزيقي، والواقعَ على الخيال، وصمتت والناسُ من حولِها يثرثرون، كما ذكرَ ميخائيل نعيمة في كتابِه «الأرقش» عن بطلِه المجربِ في الحياة. هذا التأملُ الحافلُ في حقلِها الزمردي الخاص، خلقَ انبهاراً خاصاً بينها وبين من يقرأ أفكارَها، فكتاباتُها لا تنتمي الى النصوصِ البورجوازية، ولكنها نصوصٌ رخامية مذهبةٌ بالفكرِ العميقِ والمتسقِ في رشاقةِ جسدٍ تعبيري هائل، حوّلها من شاهدةٍ على إبداعاتِ الغيرِ إلى مشاركةٍ فيها في الصياغةِ التعبيريةِ وتسلقِ المتنِ الوصفي الحاذق، ناهيك من كتبِها الخاصة التي برزت فيها فلسفتُها الحوارية بوضوحٍ تام، ومن دون التمسكِ بنمطيةٍ معينة.
بين المشهدِ والصوتِ والمعنى، تبرزُ أعمالُ الدليمي بتاريخٍ يشكلُ جزءاً من الصورةِ التي عملت على التكيفِ معها وابرازها للمشهدِ الثقافي، مبرهنةً أن الجوهرَ لا يمكنُ كبتَه، فهو «موجود» وملتحمٌ «بالحقيقةِ والواقع»، ومصقلٌ بالحوارِ الفكري الذي يجندُ الأدواتِ الفلسفيةِ الفنية، في فك ألغازِ الوجودِ الإبداعي لكل وجهٍ من وجوهِ المغزى مثلما فعل الرسامُ أوشيو شينوهارا في لوحةِ «الملاكمة» التي غمرَ فيها إحساسه الباطني الخاص ضمنَ إطارٍ لا يحتاجُ إلى تبريرٍ أو تحليلٍ أو تفنيد.
كاتبة لبنانية