
غسان المفلح
كاتب وسياسي
أثناء كتابتي هذه المادة، صوت مجلس الشيوخ الأمريكي على قرار إنهاء قانون قيصر نهائياً بدون شروط. مبروك للشعب السوري الذي يستحق كل الخير.
الحقيقة أنني بقيت متردداً في كتابة هذه المادة منذ أن أعلن الرئيس الشرع ووزير خارجيته، أن السلطة وقعت في الفخ في السويداء. لكن ما حرضني أكثر على كتابتها أيضاً عملية “داعش” في تدمر التي راح ضحيتها جنديان أميركيان ومترجم عراقي، وعدد من الجرحى من رجال الأمن الداخلي السوري.
من قام بالعملية كان من المنتسبين للأمن العام. لهذا، أرى من واجبنا فتح هذا الملف لاستخلاص العبر، في ظل مرحلة انتقالية حساسة وخطيرة تمر بها سورية. حيث لا يزال السلم الأهلي مهدداً حتى اللحظة.
الواقع أن هذا الفخ وقع فيه الشعب السوري كله، لسبب بسيط؛ أنه ساهم في تأجيل الكثير من الخطوات الداخلية والخارجية كان من شأنها أن تعود بالخبر على السوريين، وتخف المخاطر على السلم الأهلي. لكن ما حدث يستوجب الاعتذار من كل مدني في السويداء، درزي أو بدوي أو أي سوري آخر.
لن أدخل في تفاصيل تطور الأزمة بين السلطة ومجاميع الهجري. وانعكاسها سلباً على الشعب السوري وأمنه واستقراره. سأكتفي بعرض مختصر لجوانب هذا الفخ المركب.
الشرع تعرض لخديعة في باكو وغيرها من العواصم التي زارها. هذا طبعاً بإملاء إسرائيلي واضح. أو لنقل بمكيدة إسرائيلية واضحة للشرع ولحكمت الهجري.
السؤال: لماذا إسرائيل قامت بذلك؟ إسرائيل نتنياهو ليس من مصلحتها الآنية على الأقل، أن تجد سورية الانتقالية هدفها في الاستقرار وتجاوز هذه المرحلة. وأكد هذا الجانب من الفخ تصريح وزير الخارجية الأميركي بقوله إن ما حدث في السويداء هو “نتيجة لسوء فهم”. وبدورها إسرائيل أظهرت الشيخ الهجري بكونه ألعوبة بيدها. وافق على دخول الأمن العام، ثم تراجع بعد أن دخل. انسحبت السلطة نتيجة للقصف الإسرائيلي، وتركت خلفها عدة شباب متطوعين جدد في الأمن العام بحدود عشرين شاباً، بين مناطق اشتباك البدو وفصائل الهجري، التي قامت بتصفيتهم بعد الانسحاب.
هذا الوجه الأول للفخ. أما الوجه الثاني: والذي لا يأتي أحد على ذكره، أن الأمن العام ودخول الشرع إلى السويداء كان بطلب من قسم من الفعاليات في السويداء. لنقل إنهم يمثلون الاتجاه السوري في السويداء. هذا أيضاً أربك السلطة في دمشق. الوجه الثالث: هو القتال الذي حدث بين عناصر من البدو وعناصر من ميليشيات الهجري في السويداء.
البدو في السويداء أيضاً يريدون تدخل الأمن العام. لكن السلاح الموجود لدى الطرفين هو سلاح فلول، وسلاح له بعض حمولة عصاباتية. الانسحاب من السويداء ترك البدو أمام حملة تشبه حملة الإبادة، والاقتلاع من المدينة وبعض أحيائها وقراها. ما كان على السلطة التدخل في هذا، كما طالبت مراراً وتكراراً، بألا تتدخل السلطة في السويداء عسكرياً، لأن هذا فخ.
الوجه الرابع: هو السماح بفزعة العشائر، وما جرى يوضح أن السلطة في دمشق لا تعرف أتباعها، فارتكبوا انتهاكات بحق مدنيي السويداء. أتوا للسويداء ومعهم مقصات. هؤلاء يجب الكتابة عنهم لوحدهم. ما قام به هؤلاء المسلحون أضاف وجها آخر للفخ الذي وقعت به السلطة.
الوجه الخامس: ترافق هذا التدخل مع شحن طائفي واضح ومتبادل، بدأ مع أحداث كانت تجري في جرمانا، ثم صحنايا، ومع رفع العلم الإسرائيلي وفيديو مسرب لشخص تافه، وردة الفعل الطائفية كان يقودها ما يشبه الدواعش؛ الدواعش لدى الطرفين. هذه المعطيات كان يجب ألا تفوت السلطة. كان يجب أن تعرف أن هناك قسماً من قاعدتها، مجيش سلفاً بحكم تاريخ سوريا في الثورة.
الوجه السادس: تدخل قسد والفلول الأسدية من كل المكونات، وأجهزتهم الإعلامية في المزيد من توتير الأوضاع في البلد. لأن مصلحتهم ليس الدفاع عن الدروز بل ببساطة بقاء البلد خرابة. الوجه السابع: الأداء الهزيل لأجهزة الإعلام والموالين للسلطة. بدل أن يسحبوا فتيل الشحن الطائفي زادوا منه. إضافة أيضاً أنه بدلاً من إبقاء معركتهم مع فصائل الهجري، عمموا الامر على الطائفة الدرزية. كما عمم ناشطو الهجري على السنة بأنهم دواعش قبل حتى أن تتدخل الحكومة بشهور. فاحتل المشهد الطائفي حقل الصراع السياسي بين طرفين سياسيين.
الوجه الثامن: هو تواجد فلول الأسد من ضباط وآخرين في السويداء، وإعلان حكمت الهجري أنه لن يقوم بتسليم أحد منهم. لا بل اعتمد عليهم في الكثير من الممارسات والمواقع، منذ الشهر الأول للتحرير.
الوجه الأخير في هذه المقاربة السريعة: أداء الأصدقاء من نخب السويداء كان هزيلاً. أخص من هم خارج سوريا، أو خارج السويداء. أما من هم داخل السويداء فلا عتب عليهم.
الاعتذار يجب أن يتم من الشعب السوري عموماً على وقوع السلطة في الفخ، ولااعتذار لأهالي الضحايا من كل الأطراف، وجبر الضرر.
في نهاية هذه العجالة: كان موقفي منذ الشهور الأولى أن تسلم السويداء لفصائلها ومشايخها على المفتاح. وتركها تحدد خيارها لاحقاً. هذا يجعل التعامل بالملف سهلاً ويبعد شبح الاقتتال وتلغيم المشهد. كنت مع تعيين كل مسؤولي المحافظة من أبنائها.
افتح هذا الملف لأننا نواجه اليوم تحركاً داعشياً وراءه دول، وهذا رأيي طبعاً. هذه العمليات الداعشية من شأنها أن تهدد السلم الأهلي في البلد. لهذا، ليكن هذا آخر فخ، وعنواناً لمكافحة الفكر الداعشي في مؤسسات الدولة وخارجها.
جريدة الثورة السورية