بقلم :إبراهيم الحامد
إن الأزمة السورية المركبة والمعقدة وبعد عام من إسقاط سلطة بشارالأسد قد دخلت في مرحلةٍ أكثر تعقيداً،اجتمعت فيها ميراث الماضي الثقيل،مع الشروخ الاجتماعية العميقة للصراعات الطائفية والقومية والقبلية اليوم،حتى بات من الصعوبة على أي سلطة أحادية النظرة وهي – تضمر نية الانتقام لا التسامح والإقصاء لا قبول الآخر–أن تعالج الأزمة السورية المركبة وتنقذها من التفتيت !!
إن التركة الثقافية الثقيلة،والمجبولة بثقافة الإقصاء والقمع والاستبدادوالفساد،والتي كُرِسَت بأدوات الترهيب والترغيب في ذهنية معظم الشعب السوري،كسلوك مكتسب على يد من تداولوا السلطة بالانقلابات العسكرية في سوريا،منذ تحول الجمهورية السورية الإولى لجمهورية العربية المتحدة عام ١٩٥٨،و ثم انتقالها للجمهورية العربية السورية بعد الإنفصال عام ١٩٦٢،وختمها انقلاب ٨آذار الذي قاده ضباط حزب البعث وانقلاب العسكري داخل البعث الذي قاده وزيرالدفاع حافظ الأسد عام ١٩٧٠،ووصولاً لوريثه بشار وإسقاطه بتاريخ ٨/١٢/٢٠٢٤ .
إن ذاك الإرث–الذي تغنى به جيل وراء جيل من المرتزقة الذين“يصفقون لمن يتولى السلطة ويذمون من أُزيحَ عنها“-إضافة لذوي الفكر الشوفيني والطائفي هذا من جهة،ومن جهة أخرى الشروخ الاجتماعية العميقة للصراعات الطائفية والقومية والقبلية التي خلفها حرب الأربعة عشرعاماً في عهد “الثورة المخطوفة“،قد أحدث شروخاً عميقةً في المجتمع السوري والتراب السوري،وقد بات من الصعوبة تفاديها،وخاصة بعد أن ظهرت للعلن نية الانتقام لا التسامح،والإقصاء لا قبول الآخر،وانتشار مقولات وشعارات تحريضية غريبة عن ثقافة الديمقراطية والتعددية والتشاركية،وأجزم إن كل من يتداولها كانوا أزلام السلطة البائدة و أقلامها المنمقة،وهم اليوم أدوات لأجندات الخارجية من أجل التحريض والتأجيج الطائفي والقومي والديني المدمر لأي مجتمع بشري،ومن الملح استحداث قوانين تجرم ذلك وتعاقب مرتكبيها أسوة بالدول المتقدمة.
وأعتقد إن السلطة الانتقالية بنموذجها الحالي وبهذا الواقع ،يصعب عليها معالجة الأزمة السورية –في ظل استغلال القوى الإقليمية ذلك،والتي تجيرها لتحقيق تطلعاتها وطموحاتها في تحولات إعاد ترتيب المنطقة–ما لم تثبت هذه السلطةعملياً وعلى أرض الواقع،على إنها تحمل مشروع الدولة العادلة والمنصفة لكل مكونات المجتمع السوري المتعدد الثقافات والأديان والإثنيات العرقية .
إن ما جعل الأزمة السورية أكثر عصيةً على الحل اليوم ،هو ما حدث طيلة عام بعد إزاحة بشار الأسد واستلام هئة تحرير الشام السلطة وأهمها :
–ما حدث في الساحل السوري من مجازر وقتل جماعي وخطف وحرق بيوت،قد ترك انطباعاً لدى سكان المنطقة“العلويين“بأن هناك نية مبيتة للإنتقام منهم، ضريبة إنتمائهم لطائفة الأسد الأب والإبن،وخاصة بعد أعلان نتائج التحقيق الغير مطمأنة لهم،وشكوكهم في صدق نوايا رسائل الطمأنة التي وِجِهَت لهم على إنهم مكون أصيل في سوريا الجديدة،وهي مخاوف مشروعة،وهذا ما ساهم في سعي البطانة الفاسدة للسلطة السابقة لتوظيف احداث الساحل داخلياً وخارجياً،لأجل إعادة نفوذها في السلطة الجديدة أو الفوز بمشروع انفصالي يغري القوى المتكالبة للفوز باستثمار غاز الغزير في الساحل السوري،علماً أن معظم المكون العلوي كغيره من مكونات الشعب السوري وربما أكثر منهم قد خسر أبناءه في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل !
–أما في الجنوب ونتائج حربها الأهلية الدموية والكارثية على إثر حراك السويداء واحتجاجاتها المطلبية ضد تردي الأوضاع المعيشية والخدمية،ومن ثم تحولها لحراك سياسي برفعها شعار إسقاط الاستبداد،وبدء مواجهات دامية بين المحتجين وأمن سلطة دمشق الإنتقالية،ودخول ما سمي ب“فزعة العشائر“من منظور طائفي،تلك التي دفعت بالقوى المحلية لفرض الإدارة ذاتية في محافظة السويداء،لإستثمارها في مفاوضات مع سلطة دمشق وتحقيق نفوذ للمكون الدرزي في سوريا المستقبل !
– أما ما يخص مناطق الإدارة الذاتية في شرق الفرات ،والتي حمتها القوات المسلحة الكردية والعربية والسريانية،بعد أن تُرِكَ أرضها وعرضها عرضةً لهمجية جحافل قوى الإرهاب العالمية والأقليمية،بعد انسحاب السلطة البائدة منها عام ٢٠١٢،وقدمت عما يزيد من عشرون ألف شهيد من فلذات أكبادها دفاعاً عن الأرض والعرض،وتوحدت سلاح المنطقة تلك،تحت أسم قوات سوريا الديمقراطية “قسد“،وهو الجناح العسكري لمجلس سوريا الديمقراطية السياسي“مسد“،والذي يدير الإدارة الذاتية اليوم ،ورغم اتفاق آذار الذي وقعها كلاً من الرئيس الإنتقالي لسوريا أحمد الشرع وقائد قسد والإدارة الذاتية الجنرال مظلوم عبدي،لا زال الخوف هو هاجس شعوب تلك المنطقة أن يجتاحها الحرب التي يدعواليها قوى الإرهاب والتحريض الطائفي والقومي والمرتزقة وتجار الحروب،خدمةً للدول الأقليمبة المستفيدة من تشرذم الشعب السوري وتفتيت سوريا لكيانات ضعيفة.
وهنا يستحضرني أطروحة لينين حول حق الشعوب في تقرير مصيرها لأستنبض منها هذا السؤال:هل كان مكونات الشعب السوري ستلجيء لحق الإختيار في الإنتماء الوطني للدولة السورية من عدمه اليوم،لو كانت هذه الدولة جعلت من هذا الانتماء حقيقة ملموسة ؟؟
تلك المكونات التي تسكن كلاً منها على أرضه التاريخية أباًعن جد منذ فجر التاريخ،والتي سميت ظلماً وزوراً ب“الأقليات“بعد أن توحدت تلك الأوطان في الدولة السورية،والتي رسمت حدودها اتفاقية سايكس بيكو عام ١٩١٦،ورغم إن الاستعمار الفرنسي وبعد أن أصبح وصياً منتدباً على سوريا،قد حاول تقسيمها الى دويلات منفصلة،إلا إن الشعب السوري بكل مكوناته تلك،قد رفض التقسيم،ووحدوا ثوراتهم التي كان يقودها كلاً من إبراهيم هنانو وشيخ صالح العلي وسعيد آغا الدقوري وغيرهم تحت راية الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش حتى نالت سوريا استقلالها موحدةً أرضاً وشعباً في١٧نيسان عام ١٩٤٧.
واليوم،وبعد إسقاط سلطة الأسد،حيث باتت هذه المكونات عرضةً للقتل ومجازر إبادة وهتك أعراضها ونهب وسلب ممتلكاتها،لقد بات لجوئها للحماية الذاتية حقاً مشروعاً،لإن حق الشعوب في تقرير مصيرها،هي أهم الموضوعات التي تداولها الفكر السياسي العالمي،وأقرها المواثيق الدولية،على إثر تعرض الشعوب الضعيفة للإضطهاد والإبادة والتطهير العرقي من قبل قوة الأكثرية المستبدة والمتسلطة،وأهم ما طُرِحَ بهذا الشأن من ذوي الشأن الإنساني العادل،إن الأكثرية الحاكمة مُلزَمةً إخلاقياً وسياسياً في الدفاع عن حق الأقليات المقهورة–دفاعاً غير مشروط–إذا أرادت أن تقرر مصيرها وحتى الأنفصال.
ويفترض بالأقليات أن تسعى بإرادتها الحرة المشاركة مع الأكثرية الحاكمة في إطار وحدة البلاد إذا ضَمِنت سلامتها ونالت حقوقها المشروعة بموجب دستور وطني .
إن السبيل الوحيد للحفاظ على وحدة سوريا اليوم هو عقدٌ اجتماعي يضمن المساواة في الحقوق والواجبات لكل مكونات الشعب السوري،وأن يجمع عليه “الأقليات ” قبل الأكثرية،لإن الوحدة الاختياريةً الطوعية هي صمام الأمان للحفاظ على وحدة سوريا،أنما الوحدة القسرية،حتماً ستدفع بالأقليات لاختيار الانفصال رغم مرارتها،لا احتفاءاً بالتجزِئَة بل تأكيداً على إن قوة الاتحاد وازدهاره هو بالاختيار الحر العادل لا بلإكراه والظلم،وأن يكون المغادرة شرطاً يسبق إختيار البقاء،لأن حفاظ الأكثرية على وحدة البلاد قسراً،لن يكون بمثابة وطن لتلك المكونات،إنما هو إقامة جبرية !!
إن الانفتاح الدولي والأقليمي على سوريا بعد حصار وقطيعة طال أمده مهمٌ جداً،ولكن الأهم من ذلك،هو الانفتاح على الشعب داخلياً ،والحصول على توافق وطني سوري ،يجمع عليه جميع المكونات الاجتماعية والسياسية السورية،لأن سوريا اليوم وبعد الملايين من الضحايا والمهجرين،لم ولن تعود لما قبل أذار عام ٢٠١١.انتهى!
إن الملح اليوم والمطلوب من السلطة الإنتقالية،إذا ما أرادت أن تبقى سوريا موحدة ،فما عليها إلا السعي الجدي في وضع أسس متينة لبناء سوريا كجمهوية الثالثة،تختلف عما كانت في عهود الوحدة والبعث،وأول لبنة أساسية لهذا البناء،هي ثقافة الحوار وقبول الآخر المختلف،والإيمان بأن الحوار والتفاوض بين أبناء الوطن الواحد،مهما كان طويلاً،هو خيرٌ ألف مرة من حرب يدمرويجزأ،ويدخل الجميع تحت رحمة ووصاية القوى الخارجية والمنفلتة .
إن الحوار السوري السوري الشامل اليوم،قد بات ملحاً أكثر من أي وقت مضى،لإن الثغرات الخارجية والمنفلتة تتوسع يوماً بعد يوم،وفرص الوحدة تقل أمام التجزأة،ولن يحمي سوريا موحدة ،إلا عقد إجتماعي جديد وبثوابت تقر التعددية الثقافية والسياسية والسياسية،وصولاً لإجماع الشعب السوري على دستور الجمهورية الثالثة اللامركزية،بدلاً من السلطة المركزية المطلقة لفردٍ أو دينٍ
أوطائفةٍأوقوميةٍأوحزبٍ،وينتهيحالةالاحتماءبتقسيمات
الاجتماعيةالطائفيةتلكلصالحالاحتماءبالدولةالوطنيةودستورالمواطنةالعادلالذييتساوىجميعالشعبالسوريمكوناتوأفرادبالحقوقوالواجبات .
Wien-8/12/2025