زينة شهلا
على الطريق السريع الواصل بين دمشق والقنيطرة جنوباً، وعند الاقتراب من مفترق الطرق الذي يتفرع نحو بلدة سعسع وبلدتي بيت جن ومزرعة بيت جن، ينفتح الأفق على سلاسل ساحرة من الجبال والوديان التي تكسوها ألوان الخريف والشتاء، ويبدو الطريق خالياً تماماً من أي حضور أمني أو عسكري، بل يكاد يخلو من المارة تقريباً. وحدها بضع مواشٍ برفقة رعاتها تعبر الشارع بكل هدوء، غير آبهةٍ بأي معارك قريبة محتملة مع عدوٍ لا يفصلها عنه سوى كيلومترات قليلة إلى الغرب.
على القوس الحجري عند مدخل مزرعة بيت جن، الواقعة على مسافة قصيرة قبل بلدة بيت جن، رُفعتْ لافتةٌ قماشية كبيرة تحمل صور ضحايا الاعتداء الإسرائيلي الأخير والأكبر على المنطقة الذي وقع في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وراح ضحيته ثلاثة عشر شخصاً وجُرح آخرون. كما أسرت قوات الاحتلال عدداً من الشبان، وتعرّضت منازل وممتلكات كثيرة لدمارٍ كلي أو جزئي. حينها، تحدثت مصادر إسرائيلية عن «عمليةٍ هدفت إلى توقيف مشتبهٍ بهم من تنظيم الجماعة الإسلامية». ولا تزال الصور نفسها معلقة على جامع مزرعة بيت جن الذي يتوسط البلدة الصغيرة.
وفي داخل بيت جن، ما يزال صدى الاعتداءات الإسرائيلية حاضراً في كل اجتماع عائلي وفي أحاديث الجيران والأصدقاء وحتى في لقاءات الزوار القادمين من خارج البلدة. تتمحور حياة السكان حول الاحتمالات المفتوحة، والمواجهات المحتملة وما قد تؤول إليه، في ظل أصوات طائرات الاستطلاع والطيران الحربي الإسرائيلي التي نادراً ما تغادر سماءهم، وتنشط مع حلول ساعات المساء خاصة.
«نحن هنا خط المواجهة الأول مع الكيان الإسرائيلي» يخبرني أحد شبان القرية بصوتٍ غاضب، ويتحدث عن شعورٍ عميق بالألم والسخط. «حاسين إنّا منسيين. العالم مهمومة وعايشة بقلق. لما نكون موجوعين الحزن بيعم على الجميع ومنصير كأننا واحد، ورغم الخوف ما عنا خيار غير الصمود».
أصداء المواجهة: قتلى وأسرى وترقّب
يتذكر السكان يوم الثامن والعشرين من تشرين الثاني بكل حذافيره. لكلٍّ منهم رواية قد تختلف قليلاً في جزئياتها، لكن الروايات تُجمع على معظم التفاصيل: الاستيقاظ على أصوات آليات واشتباكات تلاها قصف عنيف، بعضهم لزموا منازلهم خوفاً وترقباً فيما اختار آخرون الخروج للمراقبة أو للمواجهة، ومن بينهم الشبان الذين لقوا حتفهم، وكان أحدهم «عريساً» يتحضّر لليلة زفافه. يتحدث جميع سكان بيت جن عن هؤلاء الشباب بقدر كبير من الفخر.
أتجوّل مع إسماعيل ظاهر، المهندس الزراعي وهو أحد أبناء البلدة، بجانب منزله. يُشير إلى طريقٍ جبلي يقابلٍ البيوت ويكشفها تماماً، ويقول إن التوغل وقع من هناك في تلك الليلة، ثم يدلُّني على المواقع التي قتل فيها الشبان الذين خرجوا وواجهوا الآليات والجنود الإسرائيليين بأسلحتهم الشخصية. أفكر، وأنا أنظر إلى ذلك الطريق وأتخيل المشهد في وحشة الليل؛ كم كانوا عُزّلاً في تلك اللحظة.
وفي داخل منزله، يحدّثني ظاهر عن الدمار الذي لحق بالبيت خلال سنوات الحرب جراء قصف نظام الأسد وكيف أعاد ترميمه، وعن سنوات النزوح وما رافقها من معاناة. أسأله إن كان متخوّفاً من أحوال البلدة إلى حد قد يدفعه لخيار المغادرة، فيجيب بحزم: «جرّبنا النزوح، وليس لدينا استعداد للخروج مرة أخرى. لدي 15 دونماً كنت أزرعها بالإجاص والمشمش والتين والزيتون، وكنا نملأ هذه الغرفة من ثمار الإجاص فقط. عدتُ لأجدها وقد يبست وقطعت، واليوم أعيد إنعاشها رغم أن الموسم الفائت كان جافاً. لا، لن أكرر تجربة النزوح ثانيةً مهما حصل، فقد ذقتُ مرارتها».
يُجمع معظم سكان البلدة على هذا الخيار: لن نغادر منازلنا، وإن عاد جنود الاحتلال فسنواجههم بما لدينا من قوة وسلاح. في الأيام الأولى التي أعقبت الهجوم الإسرائيلي، نزح عدد كبير من سكان بيت جن إلى البلدات المجاورة وإلى دمشق، خاصةً المصابين بغرض تلقي العلاج، كما اختارت بعض العائلات إخراجَ النساء والأطفال ليلاً والعودة نهاراً خوفاً من أي اعتداء جديد، أمّا اليوم فقد عاد معظم السكان، ويقدر عددهم بنحو 4000 نسمة وفق تقديرات الأهالي، ليعيشوا على وقع الترقب.
في منزلٍ صغير أجلس مع الشاب عبدالله الصفدي وعائلته. يحدثني والده، وهو رجل خمسيني، عن نظرتهم تجاه تصرفات جنود الاحتلال: «المواجهة ليست جديدة. قبل سبعة أشهر توغلوا وأسروا بعض الشباب، وكانت معاملتهم غاية في العنف خاصة مع النساء والأطفال. أطلقوا سراح بعض الأسرى بطريقة وقحة جداً إذ تركوهم في القنيطرة ليعودوا وحدهم».
ما يزال نحو ثمانية من رجال بيت جن قيد الأسر لدى الاحتلال الإسرائيلي حتى الآن، وهناك استياء كبير في ظل غياب أي معلومات عن مصيرهم أو عن التهم الموجهة إليهم. توقفتُ عند منزل أحدهم وحاولت التحدث إلى نساء عائلته، لكنّهن لم يرغبن كثيراً بذلك: «شو رح نستفيد؟ كله عم يجي يسألنا ويروح. بدنا نعرف وينهم وشو أوضاعهم، بس ما حدا عم يجاوبنا»، قالت إحداهن باقتضاب ودخلت سريعاً.
يتابع أبو عبدالله: «أحياناً نخرج إلى الكروم أو لرعي المواشي فنصادف بعض الحواجز الإسرائيلية، وإن وقعت أعينهم علينا، يقولون: ‘سوري إرجع لبيتك’. هم جيش جبان لا يعرف سوى القتل والدمار، ويأتون إلينا وأيديهم على الزناد. لولا سلاح الجو لما كانت لديهم كل هذه القوة. لسنا خائفين، ومستعدون لمواجهتهم في حال عادوا مرة أخرى. إنهم لا يرغبون سوى في زعزعة الاستقرار في المنطقة». غير أن الحديث عن خيار «المواجهة» ليس بالأمر السهل، خاصةً في ظل غياب أي قوة عسكرية داعمة. فبحسب الروايات لا يمتلك سكان البلدة سوى أسلحة خفيفة، فيما تطوع وفق حديثهم نحو 150 شاباً منهم في صفوف الأمن العام خلال الأشهر الأخيرة، ويتركز عملهم في نقاط مختلفة في البلدات المجاورة مثل قطنا.
تتحدث أم عبدالله بدورها بعبارات مقتضبة عن تلك الليلة: «خفنا كثيراً، خاصةً الأطفال. وخرجنا من البلدة في الصباح التالي لخمسة أيام ثم عدنا. مازلنا نرتاب كثيراً عندما نسمع صوت ‘الطنّانة’ ليلاً، وقد نغادر مجدداً في حال تكرر الهجمات العنيفة».
أمّا منازل ضحايا الاعتداء الإسرائيلي الأخير فما تزال مفتوحةً لعزاءٍ متواصل لم ينتهِ. ففي الأسبوع الذي تلا الهجوم أقام الأهالي عزاء جماعياً كبيراً في الساحة الرئيسية للبلدة، شارك فيه زوار من محافظات مختلفة، وخلال العزاء خرجت مظاهرة غاضبة جابت شوارع البلدة وندّدت بالاعتداءات المتكررة، وحتى اليوم يواصل ذوو الشهداء استقبال الأقارب والأصدقاء والزوار في أحاديث تستعيد فاجعة لم يلتئم جرحها.
ويُشير الأهالي إلى أنهم لم يتلقوا أي دعم يُذكر سوى مبلغ رمزي، وهو أيضاً حال العائلات التي دُمرت منازلها جراء القصف الإسرائيلي، إذ لم تبدأ حتى الآن أي أعمال ترميم، مع وعود بتقديم مساعدات لإزالة الردم.
مملكة كثيرة الجنى.. قليلة الحظ
بحسب روايات الأهالي تعود تسمية بلدتهم «بيت جَن» (وتلفظ بفتح الجيم) إلى كونها أرضاً كثيرة الجنى، أو إلى أنها كانت مملكة آرامية قديمة حكمتها الملكة جَنا وبجوارها ممالك أخرى هي بيت تيما وبيت سابر، وتتداول روايات منها الاعتقاد بوجود بيوت مخفية «للجن» في جبال القرية، أو ارتباط الاسم بكثرة الجنائن التي اشتهرت بها المنطقة.
تتمتع البلدة والمنطقة عموماً بميزات زراعية وسياحية مهمة، إذ تُزرع فيها أنواع متعددة من الأشجار والمحاصيل خاصة البعلية منها، ويعتمد أهلها على رعي المواشي، كما تستقبل خلال فصل الصيف أعداداً كبيرة من الزوار للاستمتاع بطقسها وحقولها، وتضم عدداً من نقاط الاصطياف والتنزه. لكن هذا الموقع حكم عليها بتعقيدات إضافية، خاصة لكونها من البلدات الأقرب إلى الحدود مع مرتفعات الجولان السورية المحتلة.
منذ عام 2012 خضعت بيت جن والمنطقة المحيطة بها لسيطرة فصائل معارضة مسلحة، من بينها الجيش الحر وجبهة النصرة، وتعرضت خلال السنوات اللاحقة لحملات قصف وحصار من قبل قوات نظام الأسد، وفي نهاية عام 2017 وقعت فيها اتفاقية للتسوية قضت بخروج مقاتلي المعارضة نحو درعا وإدلب بشكل أساسي، وتسليم النقاط الاستراتيجية التي كانت الفصائل تسيطر عليها لقوات النظام، مع وقف الحملة العسكرية. وقد دفعت البلدة ثمناً باهظاً خلال الحملة والحصار إذ خسرت المئات من شبانها، فيما أصيب آخرون بإعاقات دائمة تمنعهم من العثور على فرص عمل مناسبة لأوضاعهم.
منذ ذلك الحين يعيش سكان بيت جن نقصاً حاداً في الخدمات، «فلا أطباء ولا مستوصف ولا صيدلية، ونعتمد فقط على مدرسة ابتدائية، في حين نضطر من أجل الحصول على أي خدمة أخرى للتوجه إلى مزرعة بيت جن المجاورة، أو إلى مناطق أبعد مثل سعسع أو قطنا»، يقول الأهالي. ويُشير بعضهم إلى أن الأطفال يتوقفون حتى عن ارتياد المدرسة الابتدائية عند كل اعتداء إسرائيلي جديد بسبب المخاوف، ويضيفون بأن «معظم الأطفال غير متعلمين بالشكل الكافي».
كما خسر الأهالي خلال سنوات الحرب، واليوم مع استمرار التهديدات الإسرائيلية، معظم مصادر رزقهم. فقد تضرّر القطاع الزراعي نتيجة هجر الأراضي لسنوات طويلة وإهمالها وقطعِ عدد كبير من الأشجار، وكذلك الجفاف لسنوات متتالية كانت الماضية أقساها. وبات الرعي بدوره صعباً بل وخطراً مع استهداف الرعاة من قبل جنود الاحتلال وقتل بعضٍ من مواشيهم. أما السياحة فهي شبه متوقفة، إذ يتخوّف كثيرٌ من الزوار الذين اعتادوا القدوم من دمشق وريفها، من التوجه نحو الأراضي وأماكن التنزه.
يدعوني أحد السكان إلى شرب القهوة قرب منزله، ويبدو أكثر استعداداً للحديث عندما يعلم بأننا «صحافة». وبعد سرد ما تعرّضت له البلدة من قصفٍ وحشي خلال سنوات حكم نظام الأسد، وما رافقه من تهجير واسع لسكانها، يقول: «لحتى نصمد بدنا دعم ومقومات. محتاجين ترميم للبيوت، خزانات للمياه، تعليم للأطفال، تأهيل للمركز الصحي، وجود دكتور مناوب عالأقل. ساعدونا لحتى نصمد، الناس كراماتها غالية عليها».
الجمهورية نت: