كانت العجوز إيليشوا تتضرع كل يوم للقديس ماركوركيس المظفر أن يُعيد ولدها دانيال من الحرب. في تابوته وضعوا أجزاءً من غيتاره المُحطّم، ولا شيء آخر، أمّا هادي العتّاك فوجد الأنف أخيراً، بعد رحلة طويلة من البحث، ولم يبقَ إلا أن يخيطه على الوجه، لتُصبح الجثة التي جمعها قطعة قطعة من أشلاء الأجساد، جاهزةً وكاملة، حتى تُعامل باحترام الجسد الكامل، وتُدفن كما يليق بالأموات، بدلاً من أن تُرمى في النفايات كأشياء عديمة النفع.

«انهض يا ولدي» التعويذة التي قيلت على لسان إيليشوا ليرّد القديس أخيراً على ندائها الطويل، بنفخ الروح في الجثة التي صنعها هادي، ويولد المخلّص، المنتظر والمرغوب، الرد والجواب على نداء المساكين، من تجميع الأعضاء التي بَترتها الحرب عن أجسادها، وليُصبح لكل عضو ناقص الحق الكامل بالانتقام من المجرمين. 1

كمال الجسد مرآةً لكمال المعبود

تكاد المرويات والآثار الجمالية لمجمل الحقب والحضارات البشرية تُجمِعُ على نظرة للجسد الكامل كرمز للقوة والنقاء والشجاعة. في المعابد الإغريقية والرومانية، كان الجسد المنحوت يُمثل ذروة الكمال الإنساني: عضلات وأطراف متناسقة، وتوازن بين الحركة والسكون. لم يكن الجمال الجسدي مجرّد مسألة فنية، بل صورةً مفترضةً عن السلطة؛ إذ كان الكمال في الجسد انعكاساً للكمال المفترض في الحاكم أو الإله.

خلّفت هذه النظرة الرمزيّة وراءها بطبيعة الحال نظرة دونية ووحشية لمن يولد بتشوه خلقي أو بجسد ناقص، ولكن هذه النظرة تختلف تماماً حين يُفقد جزء من الجسد في الحروب أو المعارك، فيصير الفقدان هنا معادلاً موضوعياً للبطولة والشجاعة، ولكن اللاوعي يُبقي النقص عيباً ويجعل من التعويض ضرورة، ولذلك لم تَخلُ الميثولوجيا من هذا التوتر الواضح في العلاقة بين الجسد الناقص والسلطة. ففي النصوص الهندوسية المقدسة (الريجفيدا)، تُحكى قصة فيشيالا المحاربة التي فقدت أحد أطرافها في الحرب، فمنحها الإلهان التوأمان ساقاً من حديد، تعويضاً عن خسارتها، وتأكيداً على ضرورة تجاوز الفقد وإعادة تكوين الجسد بوصفه صورة من صور الكمال. وفي الأساطير الإيرلندية، تُجسد قصة نوادا، العلاقة المعقدة بين الجسد الكامل والحق في الحكم، فهو الملك الذي فقد ذراعه في المعركة فأعطاه إله الشفاء ذراعاً من الفضة، ثم تحولت إلى ذراع من لحم ودم ليتمكّن من استعادة عرشه.

بالتأكيد، شهد مسار البشرية تغيرات كثيرة حتى الآن، تبدلت الرموز وتغيّرت الحكايا والأساطير، عدا حضور الحرب الدائم الذي لم يتغير. لا آلهة تصنع المعجزات وترمم الأجساد الآن، فظلّ النقص شاهداً على وحشية الإنسان، وعلى هشاشة فكرة الكمال التي طالما عبدتها الحضارات.

العبور على الأجساد

قد تنتهي الحرب بلحظة تفاوض أو غَلَبة لأحد الأطراف، وبعد أن تصمت المدافع، ويخف ضجيج العالم، يمتلك الناجون من الموت فرصة العودة لتفقد أنفسهم، للنظر في المرايا، والبحث عن أجزائهم الناقصة.

الحرب التي انتهت في الساحات ستظل عالقة إلى الأبد على أجساد الناجين وفي ذاكرتهم، وسيكون الشعور بالخسارة مضاعفاً عند هؤلاء الذين لم يحالفهم الحظ بالنجاة بأجساد كاملة، فحملوا إلى قيامتهم الجديدة قصة الحرب كاملة، بأطراف ناقصة، ورأس مثقل بصوت الرصاص، وجسد يقبع تحت عجزه وألمه الخاص وثقل ذاكرته عن صورته السابقة الكاملة، وفي كلّ مرّة سيمدون أيديهم لتلمس النقص في محاولة لاستيعابه، يتلمسون الحرب التي بقيت وحدها حاضرة وواثقة تملأ الفراغ الذي تركته وراءها، ليُصبح تجاوزها ونسيانها أمراً مستحيلاً.

بُتِرت أطراف آلاف الأطفال في غزة، كنتيجة مباشرة للعنف، فقدوا أجزاءً من أجسادهم دون أن يكونوا طرفاً في حسابات الحرب أو أهدافها الاستراتيجية المعترف بها. أجسادٌ تُعَاقب دون ذنب، وتحمل عقوبتها معها إلى حياتها الجديدة، في حالة الجنود أو المقاتلين يختلف التوصيف بالتأكيد، لكن يبقى ألم الفقد مشتركاً، فالجنود يُمثلون الآلة الحيّة التي صاغتها وصنعتها القيادات العسكرية لخوض المعارك وتحقيق الأهداف السياسية.

يفضح جسد الطفل الناقص العنف والغياب المطلق للعدالة، بينما يكشف جسد الجندي عن مأساة أخرى مختلفة، وهي مأساة الاستغلال التي تتجلى في نبذ الآلة (الجسد) بعد انتهاء الحاجة إليها. ففي لحظة واحدة، يتحوّل الجسد من رمز للقوة إلى علامة على الضعف، ومن وسيلة للانتصار الحربي إلى شاهد على الهزيمة الإنسانية.

الحرب، منذ الأساس وقبل أن تكون حرباً بين طرفين متنازعين، هي حرب على الجسد الإنساني نفسه، في محاولةٍ لامتلاكه أو استعباده، وفي النهاية سيخرج مشوّهاً، سواء كان كاملاً أو ناقصاً.

يرى فوكو أن الجسد هو محور للمقاومة والمعاقبة، فالسلطة لا تُمارَس فقط عبر الأنظمة والقوانين بل تمر عبر الجسد ذاته، فهو الأداة الأولى لفرض الطاعة والانضباط، وهو أيضاً ساحة العقاب والتمرّد، ففي كل مكان توجد فيه السلطة، يوجد جسد خاضع وجسد يحاول المقاومة.

جسدُ الجندي هو الأداة الأساسية للسلطة العسكرية، تُجنده، وتدربه، وتبرمجه على الطاعة الكاملة، فيتحوّل إلى جسدٍ وظيفي يُستخدم لتحقيق أهداف سياسية، ويُمهد الطريق لتحقيق رؤى وأحلام القادة.

عندما تعود الحروب بجنود مشوّهين وأجساد ناقصة، ينكشف التناقض بين الجسد المثالي الذي تُمجِّده السلطة، والجسد الواقعي الذي صنع انتصاراتها ثم تخلّت عنه. وهنا يبدأ الجسد محاولةَ استعادة صوته من جديد، لا بوصفه ناقصاً فقط، بل بوصفه حقيقةً تكشف زيفَ الكمال وزيفَ الانتصار في بُعده الإنساني.

صوت وئام الكامل

في عام 2014، وجد وئام نفسه في معركةٍ لا تخصه ولا يُدرك حقيقةً كيف زُجَّ بها، بعد أقل من شهر، تَرَك في مورك جزءاً من جسده وعاد إلى مدينته بساق مُفتّتة، وأحلامٍ صارت أبعد بكثير ممّا يُفترض بشابٍ في العشرين من عمره.

يقول وئام «بقيتُ أكثر من سنة غير قادرٍ على تقبّل وضعي، والأهم من ذلك أنني كنت عاجزاً عن الفهم، كان صدى جملة ’فدا الوطن‘ التي تردّد في رأسي يكاد يُصيني بالصمم، وأنا قابع في سريري عاجزٌ عن أي حركة، فقط أراقب الأيام تمضي دوني».

وبعد أكثر من سنة، بدأت محاولاتُ وئام للنجاة بأقل الخسائر، خاصة أن ما شاهده من إصاباتٍ حوله جعله يشعر بأن فرصهُ للعودة إلى الحياة أكبر من غيره. بدأ رحلة العلاج، التي استمرت أكثر من 6 سنوات ليعود قادراً على المشي فقط. وخلال هذه الفترة، كان يتلقى شهرياً ما يقارب دولاراً ونصفاً من الحكومة، وكان هذا المبلغ لا يُؤمن له حتى ثمن نصف علبة دواء.

السلطةُ التي استثمرت في جسد وئام لم تعد بحاجة إليه، فانتقل من حالة الجسد المقاوم إلى الجسد المعاقَب، ومن رمز البطولة إلى جسد مهمّش، بعد أن خسر وظيفته كأداة نفعية للقادة، وتُرِك في الظل يواجه مصيره وحده.

«لا يمكنني نسيان إصابتي ولا تناسيها، أتحسّس الفراغ مرات ومرات، وأشعر أن الألم هو نفسه، رغم أن العضو الموجوع قد تلاشى من جسدي، وفي كلّ مرة أُستثنى بها من عمل يحتاج مجهوداً، أرى خسارتي ماثلة أمام عيني، خسارةً لا تُعوّض بأي طريقة».

يُعرَفُ البُعد النفسي للخسارة الجسدية بـ«الألم الشبحي»، وهي ظاهرة عصبية مُعقدة يُحاول العلماء حتى اليوم تفسيرها، لكنها رمزياً تجسيدٌ حيٌّ لعدم قدرة الذاكرة الجسدية على قبول النقص. فالطرف المفقود، الذي صار غائباً في الواقع، يظلُّ حاضراً في الخريطة العصبية للدماغ، مُصدراً إشارات ألم حادة ومفاجئة، وكأن الجسد يرفض أن يُصدّق أن جزءاً منه قد فُقد.

يُعبّر هذا الألم عن جوهر مأساة وئام وغيره من الناجين؛ ففي كل وخزة ألم شبحي، لا يستحضر الجسد وجود الساق المشوهة فحسب، بل يستحضر معها لحظة البتر ذاتها، لحظة الصدمة وسياقاتها المختلفة، والأسئلة الكثيرة التي لا تتوقّف. هو الرفضُ البيولوجي والوجودي للنسيان، وإصرارٌ داخلي على أن الخسارة من المستحيل أن تُعَوَّض، وأن الجسدَ من المستحيل أن ينسى، وقد أشار بيسل فان دير كولك في كتابه «THE BODY KEEPS THE SCORE» إلى ذاكرة الجسد، فإضافةً إلى الألم الجسدي هناك الصدمة النفسية التي تُرافق لحظة البتر، تلك الصدمة التي تترك علاماتها على الجسد إلى الأبد.

يزيد تعقيد الحالة السورية الطين بلّة، فالانتقالُ من حالة البطل إلى حالة المجرم كان، كما وصف وئام كوميدياً، «في عهد النظام السابق كانت إصابتي تُعرِّف عني كبطل، واليوم تُمثّل إصابتي تهمة، وفي الحالتين أشعر أني فقدت نفسي، لا رِجلي فقط، فأن يُعرّف عني من خلال إصابتي أصعب بكثير من قدرتي على الفهم».

يختلف مفهوم البطولة حكماً وفقاً لسرديات كثيرة، ولسياقات مختلفة، ولزوايا النظر، ولكن إن نظرنا من زاوية إنسانية فقط، ربما سنرى كل مبتوري الأطراف أبطالاً، ليس بالمعنى الحربي، ولا بمعنى المهزوم والمنتصر، ولا أيضاً بمعنى من كان يقاتل مع الحق ومن كان يقاتل مع الباطل، بل بالمعنى الإنساني فقط. فهم من كانت أجسادهم مجرد جواز مرور نحو حلمٍ سياسي أو مجدٍ عابر، وهم أيضاً من يستحضرون، بوجودهم وحده، وحشية الحرب والمعنى الفجّ للخسارة دون استعارات؛ العنف الذي مارسته الحرب فحطمت رمزياً صورة الجمال التي طالما تمثّلت في الجسد البشري.  وفي النهاية، وخلف كل هذا، هناك حياةٌ يومية صعبة، صراع مع الألم، ومقاومة صامتة من أجل البقاء كُلاً كاملاً في عالم لا يرى إلا النصف المفقود.

معرض دائم للأجساد (الناقصة)

في العقدين الأخيرين، كرّست معارضُ فنيّة عدة حول العالم حضورَ مبتوري الحرب بوصفهم أبطالاً لنوع جديد من الجمال، لا يطلبون التعاطف، بل يُطالبون بالاعتراف بإنسانيتِهم الكاملة. في قاعات العرض، تتدلّى صورٌ لجنود فقدوا أطرافهم وهم يبتسمون بثقة، إلى جانب مجسّمات معدنية لأذرعٍ وسيقان اصطناعية تمتدّ كجسور بين ما فُقد وما تبقّى. اختارَ بعض الفنانين، خصوصاً في أوروبا والشرق الأوسط، أن يجعلوا من الأطراف الصناعية نفسها مادة فنية، فتحولت إلى رموز للحياة والتحدي، لا أدوات للعجز.

ربما يَصيرُ الجسد الناقصُ، بهذه الطريقة، لوحةً مفتوحة على أسئلة الجمال والهوية والانتماء. فالفنان لا يُريد إخفاء الجرح، بل يريد وضعَه في مركز الرؤية، لأن الندبةَ هي الدليل الوحيد على أن الجسدَ قاوم ونجا.

تأخذ بعض المعارض بُعداً سياسياً خفياً؛ فهي ليست مجرّد محاولةٍ للعلاج بالفن، بل احتجاجٌ من دون ضجيج على أنظمة حوّلت الجسد إلى أداة حرب. تُذكّر هذه الأعمال الجمهور،  من خلال الصور والتماثيل، بأن وراء كل (نصر) عسكري جيوشاً من الأجساد المُمزقة، وأن الفنّ وحده يملك الشجاعة لردّ الكرامة إلى ما شوَّهته السلطة.

ففي كلّ عمل فنّي، يتكلم الجسد من جديد، لا كجسدٍ ناقص، بل كجسد متحوّل، أخذت الحرب جزءاً منه، لكنها لم تستطع أن تنتزع صوته ولا قدرته على أن يكون جميلاً.

وبهذا المعنى، أيضاً، تُصبح الحياة نفسها مقاومةً يومية، واحتجاجاً مستمراً ضد زيف النصر، واحتفاء بالهزيمة.