-
-
.. حسام جزماتي .. الجمهورية .نت
-
عندما قامت الثورة السورية كان مضر علي قد أتم الثانية عشرة منذ أشهر قليلة، ولم يكن مضطراً ليُحدد موقفاً منها يتجاوز ما يُتداوَل في حيّه ذي الغالبية العلوية من مدينة جبلة، على الرغم من أنه كان يسمع كلاماً معارضاً بصوت خافت من والده داخل المنزل. لكن الفتى سرعان ما انخرط في شغفه الخاص، موسيقى الراب التي أخرجته من الجو كلما ازداد تَعلُّقه بها، سماعاً ثم تأليفاً فتسجيلاً وحتى نشراً. وقد أتاحت له الإمكانات الاقتصادية لأبيه، تاجر الألبسة المحلي، فرصة الحصول على الآلات الموسيقية والتجهيزات اللازمة للانتقال من الصوت إلى تصوير فيديو كليبات، بمشاركة شلة أصحاب، وصولاً إلى تنظيم نشر التراكات في ألبومات لم تحظَ بالانتشار الذي كان يأمله. فيما كانت حياته تتمحور بصورة متزايدة حول غرفته المليئة بالصور والرسومات على الجدران.
وبقدر ما كان يُفرط في التدخين والمشروب، وغالباً بما هو أكثر من ذلك، كانت حياته النظامية تتعثر؛ سواء في الدراسة التي صارت بعيدة ومُضجِرة أو في تجربة فاشلة للإسهام في أعمال أبيه. وكذلك عندما حاول أن يستثمر بيئته الضيقة المستجدة لتكون مصدر دخل، فافتتح استوديو لتسجيل الأغاني باسم الموجة الجديدة New Wave Records لم يُكتَب له النجاح، ومركزاً للوشم باسم مشابه New Wave Tattoo كان أوفر حظاً بقليل، وإن لم يصل إلى درجة طموح صاحبه الذي ملأ جسده بالوشوم وصار من المعتاد أن يُرَى متجولاً بصحبة كلبته الهاسكي في مجتمع كان يزداد بؤساً باستمرار.
بعد عدة سنوات من التهرُّب عن الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية، وموجة اكتئاب حاد، قرر الشاب أن يُسلِّم نفسه للسياق الذي بات آمناً في السنوات الأخيرة من حكم بشار الأسد؛ مع هدوء الجبهات وعودة مدة الخدمة إلى أن تكون معقولة بلا تمديد الاحتياط. بأمل أن تكون هذه المرحلة تجميداً هادئاً يُراجع فيه حياته ويعود إليها بخطة جديدة.
التحقَ مضر بقوات «الحرس الجمهوري» حيث كانت «خدمته مريحة» رتيبةً كما كان يرغب. وبينما كان ينتظر التسريح حصلَ شيء غريب، فقد انتفض الشمال السوري المنسيّ بمعركة لم يُلقَ لها بالٌ في البداية، لكنها سرعان ما انداحت على طول البلاد خلال أيام. ومثلما أدت، في البداية، إلى إيقاف قرارات التسريح؛ فإنها حلّت الجيش كله عندما انتصرت. ليعود المجنّد من العاصمة إلى مدينته الساحلية من دون مخطط.
مثل كثير من العلويين أشاعَ الانتقالُ السلسُ في نفسه الارتياح، وأفسحَ له المجال لشتم آل الأسد «الذين باعونا» بلا خوف، لكن الاحتكاكات الطائفية المحلية أخذت تأكل من هذا الاطمئنان بالتدريج. وبعد عدة مظاهرات وُجِّهَت خلالها شتائم جنسية معروفة للعلويين في أحيائهم، وعجز أو تواطؤ «الأمن العام» في ضبطها أكثر من مرة؛ أخذت أحاديث الشبان في تلك الأحياء تنحو باتجاه التصدي للمظاهرات بالسلاح المتوافر، ثم صارت تُتداوَل بينهم كلمة «المقاومة» التي بدأت تنتظم كمجموعات.
بحكم علاقاته في الحيّ وصلَ مضر إلى ميلاد فتيحة، شقيق مقداد الذي أشعلَ الساحل في مطلع آذار (مارس) 2025 بتمرد أثار ردة فعل عنيفة من الجمهور الموالي للسلطة الجديدة، فتقاطر إلى المنطقة وارتكبَ مجازر صدمت مجتمعها، ومنه مضر الذي نجا من عواقب مشاركته في العملية لأنه حافظَ خلالها على اللثام. لكنه تعرّضَ لإهانة علنية عندما قامت إحدى دوريات «الأمن العام» بضربه، بعد ذروة الصدام بعشرة أيام، لأنه كان يُردف وراءه على الدراجة النارية فتاة ليست من «محارمه» قال إنها صديقة كان يوصلها إلى بيتها.
بوجه مدمّى ومرارة ساخرة بثَّ مضر، على صفحته في فيسبوك، قصة الحادثة فور حصولها. مُحيّياً بسخرية «إخوته في الوطن والمواطنة»، متحدثاً عن الشتائم الشخصية والطائفية التي تلقاها من أفراد الدورية الذين دعسوه، مُلمِّحاً إلى الانتقام من رئيسها صادق استانبولي. وبعدها لم يأخذ وقتاً طويلاً حتى حرق مراكبه وتخلى عن حياته المزدوجة، فالتحق بمجموعات المقاومة بشكل علني ونهائي.
وعلى عكس ما تُوحي به تقارير إعلامية عديدة فإن تنظيم هذه المجموعات لا يتجاوز ما تتيحه إمكانات وخبرات متمردين محليين. فهي مجموعات صغيرة متداخلة ومتجاورة ومتخالفة رغم أنها تحمل أسماء مهيبة أحياناً، كلواء درع الساحل، وفوج أنصار المهدي 313، وفصيل العُقاب، وكتيبة مغاوير الجبل، وسرايا المقداد، وسرايا الجواد، وسرايا البحر، وسرايا الشبح.
وفي هذا الأرخبيل الضيق أسهمَ مضر في تأسيس «سرايا الظل» التي ظهر متحدثاً رسمياً باسمها بلقب «الظل الهاشمي» بعدما غادر تماماً وصفه القديم كمغني راب: Venom and Serious (سامّ وحادّ).
في بيانها الأول، الذي قرأه «الظل» مُمثلاً عن «السرايا» في أواخر أيلول (سبتمبر) 2025، قال: «من نحن؟ نحن مجموعة من الرجال لا تسمح لنا كرامتنا بالعواء». وتحت لوغو يحمل جملة «المقاومة العلوية» أردف: «جمعتنا الغيرة والنخوة وولاية أمير المؤمنين» علي بن أبي طالب الذي قال: «لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم فإنكم بحمد الله على حُجّة»، ولذلك هم الآن في حالة دفاع عن الأبرياء.
في ظهوراته اللاحقة القليلة يبدو مضر، بلحية وخَلعَة خضراء في المعصم، منسجماً تماماً في إهابه الجديد. وبدل العدمية والضياع والبذاءة المعتادة لدى أي رابر، حلّت وصايا «أمير النحل». وفي كل المناسبات التي دعا فيها الشيخ غزال غزال للتظاهر كانت الموافقة التامة والانصياع الديني الرمزي موقفَ «الظل» الذي لم يعد يرى سواه قائداً للطائفة، مُصرِّاً على شتم بشار وماهر وأسماء الأسد – بألفاظ قادمة من الماضي -، والدعوة إلى ترك العلم الأحمر القديم للتبرؤ من تهمة «فلول النظام» التي تُجْمِل السلطةُ تحتها أعداءها من العلويين خاصة.
من مجموعة من المؤشرات لا يبدو أن «الظل الهاشمي» يعيش الآن حياة سهلة، متنقلاً في الساحل بين الأحراش والبيوت الآمنة التي قد تفقد صفتها هذه فجأة بفعل «العواينية» الذين يتوعدهم بالانتقام الشنيع، خاصة بعد نجاته من اقتحام القوات الحكومية لمنزل في قريته الأصلية بعبدة في الأسبوع الأخير من العام الفائت، عندما اعتُقلَ أحد المتخفين وقُتل آخر وأقدم ثالث على تفجير نفسه بحزام ناسف. وهو ما يقول «الظل» إنه سيفعله إن حان وقت «الشهادة» على طريق سيدنا علي: «ما بياخدوني إلا شقف، أنا وهنّي».
-
