بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
الصور والفيديوهات المسرّبة عن الجثث الملقاة أرضاً في مشرحة كهريزك، تكشف عن زيادة ملحوظة في استخدام العنف ضدّ المتظاهرين، ما أسفر عن “قفزة إحصائية” في عدد الضحايا.
مع استمرار الاحتجاجات التي خرجت من بازار طهران الكبير، ثم امتدّت إلى كلّ المحافظات الإيرانية، تشير التقارير الواردة من إيران، إلى ارتفاع مطّرد في أعداد القتلى والجرحى والمعتقلين، وهو رقم يتغيّر بين لحظة وأخرى، نتيجة تفاقم حدّة المواجهات بين المتظاهرين والقوى الأمنية.
وفيما يستمرّ النظام في تكرار روايته الرسمية بلهجة أكثر حدّة وتعجرفاً، متّهماً المواطنين بالخيانة والعمالة والإرهاب، ذكرت مواقع معارضة أن اليوم الرابع عشر، أي الأحد الفائت، كان أكثر أيّام الاحتجاجات دمويةً، فقد استغلّ النظام انقطاع الإنترنت، لإطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين بعيداً عن أعين العالم.
ووفقاً للتقارير الأوّلية الصادرة عن منظّمات حقوق الإنسان، فقد قُتل ما لا يقلّ عن 538 شخصاً، وأُصيب الآلاف، واعتُقل أكثر من 10600 آخرين، بينهم 48 رجلاً من قوّات الأمن، قبل دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث، أمّا وكالة أنباء “هرانا”، فقد وثّقت من جهتها، مقتل 544 شخصاً، بينهم 8 أطفال، ونقل أكثر من 10,681 شخصاً إلى السجون، واندلاع الاحتجاجات في 585 موقعاً، في 186 مدينة توزّعت على جميع محافظات إيران البالغ عددها 31 محافظة.
وعلى رغم دخول انقطاع الإنترنت وعزل إيران عن العالم الخارجي يومه الرابع، ما تسبب بالحدّ من تسرّب الأخبار، وبقاء الكثير من حقائق القمع الدموي طيّ التعتيم، وعطّل إمكانية الحصول على المعلومات وتوثيقها، لا تزال بعض التقارير الميدانية تُنقل عبر قنوات بديلة، وتُظهر استمرار الاحتجاجات تحت الرصاص، وهناك مقاطع فيديو لاحتجاجات في طهران وبندر عبّاس ومدن أخرى، حيث يمكن سماع صوت إطلاق النار بوضوح، إضافة إلى مشاهد تحليق مسيّرات فوق رؤوس المتظاهرين في مواقع كثيرة. إضافة إلى ذلك، تمكّن البعض من نشر مقاطع فيديو من داخل مشرحة كهريزك للطبّ الشرعي في طهران، تُظهر تكدّس مئات الجثث في الباحة الأمامية للمشرحة وقاعتها الداخلية، ما شكّل خطوة مهمّة في فضح النظام ونهجه القمعي والأمني في التعامل مع شعبه.
ففي مشهد صادم، نشرت قناة “وحيد أونلاين” الإيرانية المعارضة، يوم الأحد الماضي، على تطبيق تلغرام، 12 مقطع فيديو تُظهر مشاهد مروّعة لمئات الجثث المسجّاة على أرض مشرحة كهريزك، وتُشير التعليقات المرفقة، إلى أن هذه الجثث هي أجساد متظاهرين، بينهم أطفال، قُتلوا برصاص قوّات الأمن، وتُظهر المقاطع أيضاً توافد العائلات إلى المشرحة للتعرّف على أبنائها، بعد تلقّيها اتّصالات من الأجهزة الأمنية.
وأشارت القناة إلى أن الصور والفيديوهات المسرّبة عن الجثث الملقاة أرضاً في مشرحة كهريزك، تكشف عن زيادة ملحوظة في استخدام العنف ضدّ المتظاهرين، ما أسفر عن “قفزة إحصائية” في عدد الضحايا.
في هذا السياق، نشر موقع “صداي مردم” مقالاً تحت عنوان: “عائلات تبحث عن جثث أحبائها”، جاء فيه: “الصمت المطبق ونظرات الذهول على وجوه العائلات أعلى صوتاً من أيّ صرخة. ينتشرون بين الجثث، باحثين عن أيّ علامة، قطعة ملابس، حذاء، سوار، شامة على الوجه… شيء يدلّ على هويّة القتيل، شيء قد يكون في تلك اللحظة نهاية الأمل وبداية الحداد. أمّهات يتجوّلن بين الجثث، وآباء يكتمون غصّتهم، وإخوة يردّدون أسماء أحبّائهم في السر. فجأة تخرج صرخات مفجعة لمن يعثرون على جثث أحبائهم بين الأغطية السوداء”.
على المستوى الرسمي، نشرت هيئة الإذاعة الإيرانية تقريراً مصوّراً عن “مقبرة جماعية كبيرة” تضمّ عدداً من الجثث؛ تقصد بها مشرحة كهريزك، ونسبت عمليّات القتل إلى “المتظاهرين الإرهابيين”، والجثث إلى قوّات الأمن ومواطنين أبرياء، فيما أعلنت الحكومة الإيرانية الحداد العامّ لمدّة ثلاثة أيّام، وعزت مقتل المتظاهرين وقوّات الأمن معاً إلى دخول “مجرمين إرهابيين” على مسار الاحتجاجات، وشبّهت “عنف المتظاهرين” بسلوك تنظيم “داعش”.
في خطابه الأوّل بعد الاحتجاجات، كان المرشد الأعلى علي خامنئي اتّهم المتظاهرين بالتخريب والخيانة والتحرّك بأوامر أميركية، فيما وصفهم رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان في مقابلة تلفزيونية بـ”الإرهابيين”، ودعا إلى ردّ “حاسم” من قوّات الأمن، مدّعياً بدوره، أنهم يتلقّون الأوامر من الولايات المتّحدة وإسرائيل. وفي ظلّ هذين الخطابين، يعمد الإعلام الرسمي إلى التلاعب برواية الخسائر البشرية، وتزعم المواقع التابعة له، أن نسبة كبيرة من القتلى سقطوا بأسلحة بيضاء، وأن إطلاق النار تمّ من مسافة قريبة جدّاً، ولكن ليس من قوّات الأمن، بل من جهة المتظاهرين أنفسهم.
على المستوى الدولي، دعت بعثة الأمم المتّحدة الدولية المستقلّة لتقصّي الحقائق، الحكومة الإيرانية، إلى إعادة وصل الإنترنت والهواتف المحمولة فوراً، وإنهاء “حملة القمع العنيفة”، كما أعربت عن قلقها إزاء التقارير التي تفيد بأن المجلس الأعلى للأمن القومي قد أمر قوّات الأمن بالقمع “بحزم ومن دون رادع”، كما أصدرت منظّمة العفو الدولية نداء عاجلاً، دعت فيه إلى تقديم أدلّة مرئية ومعلومات مفصّلة من الضحايا، موضحةً أن الهدف هو إعداد وثائق قانونية لإطلاع المجتمع الدولي على الجرائم المستمرّة ضدّ المتظاهرين.
فيما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن دونالد ترامب سيلتقي كبار المسؤولين في إدارته لمناقشة “خيارات محدّدة”، للردّ على التطوّرات في إيران، بما في ذلك فرض المزيد من العقوبات، واتّخاذ تدابير إلكترونية، ومراجعة مشروع “ستارلينك”.
دخلت إيران موجة جديدة من الاحتجاجات في أعقاب التدهور الشديد في الأوضاع الاقتصادية، والزيادة غير المسبوقة في سعر صرف الدولار الأميركي مقابل انهيار قيمة العملة الوطنية، وانطلقت بداية من بازار طهران الكبير، وسرعان ما تحوّلت إلى حراك سياسي يطالب بإسقاط النظام، فيما يعكس الوضع أزمة متعدّدة الأوجه، لا تقتصر على كونها نتاجاً للعقوبات الدولية أو حرب الاثني عشر يوماً فحسب، بل هي أيضاً نتيجة مباشرة لقصور في إدارة البلاد، فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، تركّزت السلطة السياسية والاقتصادية في أيدي نخبة فاسدة، جعلت الشعب الإيراني جائعاً فقيراً بائساً، يخرج إلى الشارع عند كلّ فرصة لأنه لم يعد لديه شيء يخسره
. موقع درج