تعب السوريون، وتعبت أرواحهم من جرّاء الحروب، وما تكبّدوه من آلام وعذابات وقتل ودم وتهجير وترحيل، وأقصى ما باتوا يرجونه هو الخروج من هذا النفق المريب، وترميم ما تشوّه في أرواحهم وعقولهم، وهم يخوضون زوبعة العنف الكريه على مدار أربعة عشر عامًا، عسى أن يتنفسوا الصعداء ويستعيدوا رشدهم، لينطلقوا نحو بناء دولتهم، كغيرهم من الشعوب، ويعيشوا في كنفها مواطنين أعزاء، متساوين في الواجبات والحقوق.
تعب السوريون من سطوة الآلة العسكرية والقبضة الأمنية، وكان أول ما خطر لهم لمواجهتها أن رفعوا الزهور والورود، هاتفين: «الشعب السوري واحد»، تعبيرًا عن حلمهم بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. وما زالت أمامهم فرصة لتبادل الزهور والورود فيما بينهم، لاستكمال تحقيق حلمهم. وقد أنجزوا جزءًا منه بسقوط الأسدية، لكنهم لم يحققوا حتى الآن جُلَّ ما كانوا يأملونه، وهذا أمر طبيعي، ما دام بعض من يحملون آثار الخلايا السرطانية الأسدية ما زالوا يعيشون بينهم.
وأجد أن السبيل لمواجهة استفحال هذه الخلايا الخبيثة، هو التداعي إلى طاولة مؤتمر حوار وطني مفتوح لجميع السوريين، لمناقشة الأفكار والرؤى والطروحات التي تمس فئات المجتمع كافة، بعيدًا عن الآراء الفردية والشخصية، والمبادرة إلى تأسيس نظريات وفلسفات ونقاط التقاء تخصهم وحدهم، بوصفهم سوريين خارجين لتوّهم من محنة عصيبة.
يحتاج السوريون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يعبّر كل طرف منهم عن الهواجس التي تجول في رؤوسهم وتسهم في قطع جسور التواصل مع غيرهم، وأن يبحثوا في كيفية إعادة ربط هذه الجسور، ويتداولون في جميع الملفات والقضايا بحكمة وعقلانية، بعيدًا عن الجدالات العقيمة التي لا تقود إلا إلى التناحر والصراعات والحروب.
فحتى لو استمروا في حواراتهم ونقاشاتهم سنة أو سنتين أو ثلاثًا، تبقى الكلفة وعامل الزمن في صالحهم؛ إذ إن أي إنجاز يتحقق على طاولة الحوار، صغيرًا كان أم كبيرًا، هو أعمق وأجدى من أي نصر يأتي بعد الحروب. فقد تندلع حرب في ساعة واحدة، لكن دمارها يكون ثمنه ضياع أوطان وأرواح، وسنوات من العمر نحن أحوج ما نكون إليها للحاق بقطار هذا العالم الذي يعدو سريعًا، قبل أن يتركنا في عزلتنا، جياعًا ومهمشين.
وهو بالضبط ما تسعى إليه بقايا خلايا سرطان الأسدية، كما تشير الأحداث والوقائع؛ إذ يحاولون في كل وقت وحين إعادة بعث الأنفاس في الخلايا الساكنة في عروقهم، رغم أنها في نزعها الأخير وعلى فراش الموت، لكنهم مصرّون على ضخ مزيد من الشرور والسموم، لإنتاج أكبر قدر من ترياق الكراهية والأحقاد بين السوريين، مسعّرين فتيل النزعات العصبية بينهم، ومحرضين على تقاسم السلطة، وكأن سوريا تركة، وعلى كل طرف أن ينال حصته من الكعكة.
يحضّون على أن يكون لكل عشيرة أو قومية أو عرق أو طائفة أو مذهب جيش ودولة ودستور، ضاربين عُرْضَ الحائط بأسس المواطنة والدولة، تحت شعارات ومسميات متعددة: استقلال، فدرالية، لامركزية، أو غيرها من المصطلحات، بذريعة أن من حق الشعوب أن تحكم نفسها بنفسها، متجاهلين أن الشعوب حين تكون غارقة في الفقر والضياع والتشرّد والجوع، وترزح تحت وطأة التهديد والخوف، لا تكون واعية لما تريد، لا على المدى القريب ولا البعيد.
وإن إرغامها على اختيارات مصيرية في مثل هذه الظروف لن يؤدي إلا إلى تمزيق الوطن والدولة وإشعال فتيل الكراهية بينها. فالمطالبة بمثل هذه الأمور تحتاج إلى إجراءات عديدة ونقاشات وحوارات بين الناس والمختصين، ويترتب عليها، قبل أي شيء، تأسيس أركان الدولة ركنًا بعد ركن، بمشاركة الجميع، والاتفاق على شكل ومضمون دولة توفر لمواطنيها الأمن والسلام والعدل والرخاء، وتضمن حقوقهم وواجباتهم بقوانين ناظمة ومتفق عليها، لا أن يقرر كل طرف مصيرًا خاصًا به ويدعو الآخرين إلى السير فيه.
ومن الضروري هنا التأكيد أن ليس جميع المطالبين بالفدرالية أو اللامركزية أو غيرها من الطروحات يبتغون تدمير سوريا وتفتيت شعبها؛ فقد تكون غايتهم تجنّب التقسيم والحروب. وهؤلاء يُفترض الاستماع إليهم، كما يُفترض منهم الاستماع إلى غيرهم، والتحاور دون كيل الاتهامات جزافًا، التي قد تطول الجميع. فمن الطبيعي أن تختلف القناعات والآراء بين الناس في شؤون الحياة، ومنها مضمون الدستور وشكل الدولة، وربما يفضي تبادل الأفكار والنقاشات الهادئة والرّصينة إلى ما هو أفضل وأغنى للجميع، بدل أن يقرر كل طرف منفردًا ما يريد.
ويمكن فهم بواعث هذه المطالب على فرضية أن الصراع فيما بين السوريين ليس في جوهره إلا صراع الأهل مع الأهل، والضحية مع الضحية، لا سيما أن الأسدية أخضعت معظمهم لامتحانات قاسية ومريرة، ما أدى إلى فقدان الثقة بينهم، وساقهم إلى الشك والريبة، وقضت على آمال بعضهم في إمكانية التعايش ضمن دولة واحدة. وهم الذين اعتادوا العيش في سوريا مقسّمة إلى كانتونات وحصص ومزارع وفلل وقصور، وُزّعت بحسب الولاء والخدمات على الأتباع والأعوان والقتلة من الأسديين.
وربما تنبع لدى بعضهم لهفة للاستئثار بقطعة من تلك الكانتونات والمزارع، لبناء دول وفلل فوقها، من هوس الضحية بالسلطة والتوق إليها، لمحاكاة ما تعرّضت له من تسلّط في حقبة سابقة، فتبدأ بدورها بالبحث عن ضحية جديدة لتكرار التجربة، ثأرًا لما حلّ بها، ولو برغبة دفينة.
نعم، يحتاج السوريون إلى بعضهم بعضًا إن أرادوا التخلّص مما خلّفته الأسدية من حطام ودمار في أرواحهم وعقولهم وأفكارهم، وما جعلهم مشحونين بالأحقاد والثارات والمظلوميات، وكلٌّ يدّعي أنه يدافع عن حقه، وعن الشعب الذي يعتبره شعبه، وعن الوطن الذي يراه وطنه، والدولة التي يشتهيها.
وبالمحصلة، يبقى المحرّك الأساسي لهذا الشقاق الحاد، في العلن والخفاء، بقايا خلايا سرطان الأسدية، التي جلّ غايتها إثبات صحة نظريتها وما توعّدت به: «الأسد أو نحرق البلد»، على فرضية أن سوريا لن تنهض إلا بعودتها إليهم، وهو ما بات من شبه المستحيل.
لكن يا لعِظَمِ الحروب التي يوقدونها بين الأهل والأحبة والجيران! فهي، لو يعلم السوريون، من أشنع وأمرّ وأفدح الحروب، لأنها تقتلع أسس التعايش من جذورها، وتجعل الجميع خائفين من الجميع، فيغدو كلٌّ عدوًا للآخر.
فدعكم يا سوريون، من الحروب، فهي شأن من شؤون الجيوش والمعدات الحربية، لكن تنبّهوا إلى أن وعيكم وإدراككم قادران على إطفاء حروب، و إشعال حروب
ماذا ستقولون لجدّاتكم وأجدادكم، وأمهاتكم وآبائكم، الذين احتضنوا أحفادًا وأبناءً من كل الأعراق والطوائف والمذاهب والقوميات، إذا ما تحاربتم وأكلتم لحوم بعضكم؟
وماذا ستقولون للمدافئ التي كانت توقد في بيوتكم وبيوت الجيران والأحبّة، وتوضع فوقها الأوعية النحاسية لإعداد الطعام في أعراس الحي الواحد، وأفراحه وأتراحه، وشاركت فيها ملايين النسوة والصبايا والشباب والرجال والأطفال، كردًا وعربًا، دروزًا وسنّة ومسيحيين وعلويين وشركس وأرمن، كلهم تذوّقوا ملحًا واحدًا، وشربوا من نبع واحد، واقتاتوا من رغيف خبز جاء من حقل واحد؟
لكن يا لعِظَمِ الحروب إذا ما وقعت! كيف تُحيل الطعام والشراب إلى سُمّ قاتل؟
ومن الضروري فهم أن الميليشيات يستحيل عليها التفكير بعقلٍ يسعى إلى بناء دولة أو العيش في إطارها؛ فهي كينونة سرطانية قاتلة، وجميع دول العالم تتعامل معها على أنها كيانات تخريبية إرهابية خارجة عن القانون، ويُفترض تطويقها وملاحقتها وسوقها إلى القضاء، وتَرْكُ السوريين يتلمّسون ضوءَ بعضِهم بعضًا، ويُصغون إلى صوت واقعهم الفعلي على الأرض، بحسٍّ يغنيهم عن هذا الضجيج، وهم مدركون أنهم أسمى وأرفع من أن يتقاتلوا على فتات كعكة لاحَت في مخيّلة خلية عفنة لم يبقَ منها سوى آثار سمّها.
تلفزيون سوريا
