تُعدّ القضية الكردية في كلٍّ من سوريا وتركيا من أكثر القضايا تعقيداً في المشرق المعاصر، ليس فقط بسبب تشابكها مع التاريخ السياسي للدول الوطنية، بل أيضاً نتيجة ارتهانها، في مراحل متعددة، لأطر تنظيمية أيديولوجية ذات طابع شمولي. وقد أسهم هذا الارتباط في نقل القضية من حقل المطالب الحقوقية والسياسية القابلة للتفاوض، إلى مجال الصراع الأمني المفتوح، بما راكم المخاوف لدى الدول والمجتمعات المحيطة على حد سواء.
تقوم التنظيمات الأيديولوجية، بحكم بنيتها الفكرية والتنظيمية، على مركزية القرار واحتكار التمثيل السياسي. وفي السياق الكردي، أدى هذا النمط إلى تهميش التعددية الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الكردي نفسه، وإلى إنتاج خطاب سياسي أحادي يُقدَّم بوصفه التعبير الوحيد عن “الإرادة الكردية”. هذا الاختزال لا يعكس الواقع الاجتماعي المتنوع، كما يحدّ من إمكانات بناء تحالفات وطنية عريضة داخل كل من سوريا وتركيا.
من منظور الدولة، أسهم تداخل المطالب الكردية مع مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود في ترسيخ مقاربة أمنية للمسألة الكردية. ففي تركيا، عزز هذا التداخل سرديات التهديد الوجودي المرتبط بوحدة الدولة، بينما في سوريا جرى توظيفه لتبرير سياسات الضبط والسيطرة، سواء في مرحلة ما قبل النزاع أو في سياق ما بعد 2011. ونتيجة لذلك، تراجعت فرص إدماج المطالب الكردية ضمن أطر دستورية وسياسية مستقرة.
إن التحرر التدريجي من الحمولة الأيديولوجية لا ينبغي فهمه بوصفه تنازلاً عن الحقوق القومية أو الثقافية، بل كإعادة تموضع استراتيجي للقضية الكردية ضمن منطق السياسة الواقعية. ويقتضي هذا التحول الانتقال من نموذج “التنظيم القائد” إلى نموذج التعددية السياسية، ومن خطاب الصراع الصفري إلى خطاب المواطنة والاندماج الدستوري، بما يتيح إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس قانونية ومؤسسية.
في السياق السوري، تزداد أهمية هذا التحول في ظل هشاشة الدولة وتعدد الفاعلين المحليين والدوليين، حيث إن أي مشروع سياسي مؤدلج مغلق مرشح لإعادة إنتاج الصراع بدل المساهمة في الاستقرار. أما في الحالة التركية، فإن الفصل الواضح بين المطالب الحقوقية للكرد وبين التنظيمات الأيديولوجية المسلحة يمثل شرطاً ضرورياً لإعادة فتح المجال السياسي أمام تسوية مستدامة.
خلاصة القول، إن مستقبل القضية الكردية في سوريا وتركيا يتوقف بدرجة كبيرة على قدرتها على الانتقال من منطق التعبئة الأيديولوجية إلى منطق السياسة المؤسسية. فكلما تراجعت هيمنة التنظيم على المجتمع، ازدادت فرص تحويل القضية الكردية من ملف أمني مزمن إلى مسألة سياسية قابلة للحل ضمن أطر الدولة الوطنية.