مصير اللواء الثامن السّوري في سياق صراع النّفوذ بين روسيا وإيران دمشق — النهار العربي:

دمشق — النهار العربي:
انتقلت تبعيّة “اللواء الثامن” بقيادة أحمد العودة، نهاية العام الماضي، من الفيلق الخامس في الجيش السوري إلى فرع الأمن العسكري في درعا، وذلك بعدما كثرت التكهنات حول احتمال تفكيك اللواء المذكور، بعدما كان قطار التسويات قد اقترب من مدينة بصرى الشام التي تعتبر معقله الأساسي.
ورغم أن تغيير التبعيّة، في حينه، شكّل خطوة كبيرة نحو إنهاء الوضع الشاذ الذي كان يتمتع به اللواء الثامن منذ مساهمته في إنجاز اتفاق التسوية عام 2018 بين القوات السورية وقوات المعارضة، لم يكن ذلك كافياً، على ما يبدو، لإنهاء الجدل حول حقيقة الدور الوظيفي الملقى على عاتق اللواء، كما لم يوقف التكهنات بالمصير الذي ينتظره، لا سيما في ظل الأوضاع الأمنية والسياسية المعقدة التي تحيط بملف الجنوب السوري.
وما زال الغموض يكتنف الكثير من التحركات والتغييرات التي قام بها أحمد العودة، قائد اللواء، خلال الآونة الأخيرة، لا سيما في ما يخصّ مغادرته درعا إلى الأردن مع بدء مطالبة مجموعاته بتسليم أسلحتها الثقيلة والمتوسطة في بعض المناطق، منتصف العام الماضي، ومن ثم عودته منذ نحو شهر بطريقة لا تقل غموضاً لعدم تسرب أي معلومات موثقة عن أسباب هذه العودة وخلفياتها في هذا التوقيت.
وسادت آنذاك معلومات عن نية موسكو تفكيك اللواء الثامن بعدما انتهى دوره الوظيفي، غير أن التطورات كشفت عدم صحة هذه المعلومات، رغم أن اللواء لم يطل به الوقت قبل أن يخرج من عباءة الجيش السوري تحت مسمى الفيلق الخامس، ويدخل في عباءة المخابرات العسكرية التي يقود فرعها في درعا اللواء لؤي العلي.
وغالباً ما يتم الحديث عن اللواء الثامن باعتباره نقطة استقطاب وتجاذب بين المخابرات الجوية والمخابرات العسكرية، وتشير التقارير الإعلامية التي تتبنى هذا المنطق إلى أن المخابرات الجوية تعتبر محسوبة على إيران، فيما تعتبر المخابرات العسكرية محسوبة على روسيا، ولذلك يجري تصوير الاستقطاب حول اللواء الثامن على أنه امتداد للصراع المفترض، وفق هذه التقارير، بين النفوذين الروسي والإيراني.
ومع ذلك، فإن احتساب اللواء الثامن ضمن الأذرع العسكرية التابعة لموسكو لم يمنع من حدوث توترات بين الطرفين، وقد تبدى ذلك جلياً عندما أوقفت موسكو رواتب عناصر اللواء لأشهر عدة، وكذلك نتيجة رفض تشكيلات اللواء الانخراط في المعركة ضد تنظيم “داعش” في البادية السورية أو إرسال مقاتلين تابعين له إلى إدلب للقتال إلى جانب قوات الجيش السوري.
والمفارقة أنه في ظل هذه التوترات، ذكرت بعض التقارير أن إيران بذلت مساعيَ عدة من أجل النفاذ من ثغرة هذه التوترات إلى إحداث اختراق على صعيد علاقتها العدائية باللواء، من خلال إغرائه ببعض الوعود من أجل نقل بندقيته من الكتف الروسية إلى الكتف الإيرانية، غير أن نجاح المحاولات الإيرانية ظل محدوداً، وطال فقط بعض الأفراد والعناصر من دون أن يؤثر في موقع اللواء ودوره وتبعيته الإقليمية.
وقد فسر مراقبون ما قام به الجيش السوري من تغييرات على الحواجز بين ريفي درعا الغربي والشرقي، على أنه يأتي في سياق الصراع بين روسيا وإيران، والذي يجري تحت مسميات فرع الجوية أو فرع الأمن العسكري.
وذكر “تجمع أحرار حوران” في تقرير، أن النظام السوري قرر تغيير هيكلية حواجزه العسكرية في ريف درعا، خلال اليومين المقبلين، على أن يتسلم فرع “الأمن العسكري” كل الحواجز في الريف الشرقي، وهو ما يعني خروج فرع “المخابرات الجوية” من حواجز مهمة يديرها فيه.
وأضاف التجمع أنّ النظام سينقل تشكيلات فرع “المخابرات الجوية” المنتشرة على حواجز مهمة في الجيزة والمسيفرة وصيدا وكحيل والغارية الشرقية والغربية في ريف درعا الشرقي إلى مناطق في الريفين الأوسط والغربي.
وأوضح أنّ الحواجز المنتشرة بين مفاصل مدن الريف الشرقي وبلداته تتبع لفرع “المخابرات الجوية”، ومن أهمها الحاجز الرباعي الواقع بين بلدتي المسيفرة والجيزة.
وسيجري نقل عناصر “المخابرات الجوية” إلى إبطع والشيخ مسكين وداعل في ريف درعا الأوسط خلال اليومين المقبلين، بعد تكشّف خيوط بعض عمليات الاغتيال التي جرت في ريف درعا الشرقي، وفضحت ضلوع ضباط النظام في المخابرات الجوية المقربين من إيران في التخطيط لهذه العمليات، وفق تقرير التجمع نفسه.
غير أن معلومات سابقة كانت تشير إلى أن روسيا كانت تخطط لتسليم حواجز الريف الشرقي إلى قوات اللواء الثامن. وقد عقدت اجتماعات عدة بين ضباط روس وضباط من اللواء بهدف دراسة الموضوع، وللتأكد من مدى جاهزية اللواء الثامن للقيام بهذه المهمة.
وعليه، فإن تسليم الحواجز في الريف الشرقي إلى فرع الأمن العسكري، رغم تبعية اللواء الثامن له، يعتبر من أحد جوانيه تحجيماً لدور هذا اللواء، وربما استمراراً لحالة التوتر بينه وبين قيادة مركز حميميم الروسي.
وكان مركز “جسور للدراسات” قد أشار، في دراسة موسعة صدرت قبل أيام تحت عنوان “قوات أحمد العودة بين الواقع والمصير”، إلى أن اللواء الثامن، أمام ثلاثة سيناريوات مستقبلية:
السيناريو الأول هو البقاء من دون تغيير، ويقوم هذا السيناريو على اعتبار أن الفصيل ما زال قادراً على مواجهة التحديات، رغم احتمال تراجع قدرته ونفوذه وشعبيته، لكن من دون أن يؤثر ذلك في وجوده واستمراره كقوة محلية تمتلك صلاحيات الحفاظ على هياكلها، والقدرة على التدخل الخاص في شؤون الحوكمة والأمن.
والسيناريو الثاني؛ تفكيك اللواء، ويقوم هذا السيناريو على اعتبار أن اللواء لن يكون قادراً في المدى المتوسط على مواجهة التحديات في ظل انعدام الخيارات البديلة الأخرى، لتأمين الموارد المالية بما يخص التواصل مع التحالف الدولي بتنسيق مع الأردن، وبالتالي استمرار تسرب العناصر وتوسيع قدرة حكومة دمشق على التدخل في شؤون مناطق نفوذه، وتحقيق اختراق يؤدي إلى زيادة حجم عمليات الاغتيال في حق قادة المجموعات التابعة للفصيل، بما يقود في النهاية إلى تفكيكها.
أما الثالث، فيقوم على اضطرار الفصيل إلى إعادة هيكلة صفوفه بسبب الشروط التي قد تفرض عليه لاستمرار تدفق الموارد المالية، أي بما يشمل المهام والقوات، كأن يصبح قوة أمنية خاصة بمكافحة الإرهاب والمخدرات أو حرس حدود.
ويمكن لهذا السيناريو أن يكون في سياق حالتين، في الحالة الأولى يمكن أن تكون إعادة الهيكلة بتنسيق بين روسيا والأردن، ولا يكون الفصيل قادراً على التدخل في التعيينات أو رفض المهام وقبولها، على غرار ما فعل سابقاً بما يخص العمليات ضد تنظيم ”داعش” في البادية.
وأما الحالة الثانية فيمكن أن تكون إعادة الهيكلة بالتواصل مع “التحالف الدولي” وبالتنسيق مع الأردن، وعدم اعتراض أو رفض من روسيا على غرار قوة مكافحة الإرهاب في السويداء، وبذلك قد تستمر قدرته على التدخل في التعيينات وقوائم الانتساب، ورفض المهام الموكلة إليه أو قبولها.