راغدة درغام* : المصدر النهار
أول ما يمكن قوله بشأن مستقبل النظام في إيران ما بعد إنذارات وإجراءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هو أن نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي ولد عام 1979 تزعزع بنيوياً في العمق، وأن إيران في مسار جديد تحت ظل أي وكل من السيناريوهات.
أركان النظام لن يقوموا طوعاً في إصلاح عقيدته النووية والصاروخية وأذرع الميليشيات. قد يخضعون لأمر واقع تفرضه عمليات عسكرية في مقرات الأذرع مثل حزب الله في لبنان، وأخرى في الداخل الإيراني، فيستترون ويغيرون سلوك النظام مرحلياً لشراء الوقت وللبقاء في السلطة. لكن ذلك لن يفيدهم.
فإذا عدل ترامب عن عمليات عسكرية ضد إيران مؤقتاً ومرحلياً، إن حربه الكبرى والقاضية ستكون في شد الخناق اقتصادياً، وفي ضرب الحصار نفطياً، وفي تمكين الانفجار داخلياً بوسائل خلاقة جديدة.
كل شيء ما زال وارداً في الأيام المقبلة، لكن الأهداف الأمريكية لا ترتكز إلى أيام، وإنما تأتي في إطار استراتيجية تطويق إيران وحلفائها، سيما الصين، التي قد تجد نفسها بلا نفط.
فلقد قام ترامب قبل بضعة أسابيع بإبعاد الصين عن فنزويلا عندما اختطف رئيسها نيكولاس مادورو لمحاكمته في نيويورك بتهمة الاتجار بالمخدرات، فقطع على بكين مصدراً أساسياً للنفوذ والنفط. ثم قام بفرض رسوم جمركية على أي استيراد للنفط الإيراني هدفها تكبيل تحايل الصين على العقوبات المفروضة على إيران. فالكلفة باتت باهظة.
لا الصين ولا روسيا بدت مستعدة للدفاع عن النظام في طهران سوى بالدعم الشفوي ولغة الإدانات. بل أن المواقف الصينية والروسية أثبتت عراء إيران في عزلتها. كشفت أيضاً أن تلك المعاهدات الاستراتيجية بين إيران وحليفيها الصيني والروسي ليست سوى حبراً على ورق في أحرج اللحظات المصيرية للنظام في طهران. فللدول أولوياتها، ومواجهة أمريكا من أجل إيران ليست أولوية صينية أو روسية، لأن دونالد ترامب أوضح آفاق الكلفة الباهظة.
دخول دول عربية على الخط الساخن أتى لإقناع الرئيس الأمريكي بضبط النفس، خوفاً من أضرار انفلات الفوضى داخل إيران وتأثيرها على الجيرة، بما يؤدي أيضاً إلى ارتفاع أسعار النفط. أتى ذلك لمساعدة طهران على الاستفادة من الفرصة المتاحة لتغيير في مقاربتها نحو إجراء المباحثات الجدية مع الولايات المتحدة الأمريكية في شأن الأرجل الثلاث في العقيدة الإيرانية: النووي، الصاروخي، والوكلاء.
فالمطروح هذه المرة ليس صفقات تستبعد السلوك الإقليمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية. حدث ذلك في عهد باراك أوباما وشركائه الأوروبيين عندما خضعوا لإملاء إيران باستبعاد الصواريخ وسلوكها الإقليمي عن مفاوضات الملف النووي من أجل التوصل إلى الاتفاق النووي JCPOA. دونالد ترامب لن يكرر ذلك الخطأ.
وبالتالي إن فرض تعديل أو إصلاح الأمر الواقع للعقيدة الإيرانية مطروح جدياً الآن من زاوية الصواريخ كما من زاوية منع رجال طهران، بالذات الحرس الثوري، من نحر سيادة الدول عبر قوات غير نظامية تابعة لطهران.
المحادثات التي اشترطها الرئيس الأمريكي على مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي لم تقدم إليه كوسيلة للمماطلة أو لتجنب الاستحقاقات. فالعد العكسي إلى العمليات العسكرية لضرب مفاصل النظام الأساسية رافقه العد العكسي إلى ضرب حصار نفطي مدمر للاقتصاد الإيراني. أي تفاهمات سياسية أتت حصراً في إطار هذا المفهوم.
أي أن تأجيل الضربات العسكرية أتى بمعزل عن التطويق الاقتصادي والنفطي لإيران بما يؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى انفجار داخلي ضد النظام. بمعنى أن أي تأجيل للتبني القاطع للاحتجاجات وللمعارضين في إيران إنما هو تأجيل عابر، لأن الوضع الاقتصادي الذي يتربص للنظام في طهران سيؤدي إلى ذلك الانفجار الداخلي القاضي على النظام.
تراجع القضاء في إيران عن إعدام ثمانمائة من المتظاهرين مقابل تأجيل دونالد ترامب تنفيذ الخطط العسكرية التي وضعت، إنما هو مؤشر آخر على ذعر حكام طهران من عواقب الضربة العسكرية.
الخوف والقلق من التطويق الاقتصادي ومن الحصار النفطي يتفشى في أركان النظام، لكن الذعر إنما هو من العمليات العسكرية ضد مفاصل النظام. ترامب تلقى عدم تنفيذ الإعدامات لتحويله إلى نجاح شخصي له، فيما تمسك برفض الكشف عن كامل خططه. فدونالد ترامب يتقن فن التشويق والغموض التكتيكي والاستراتيجي على السواء.
تردد أن إسرائيل دخلت على خط إقناع فريق ترامب بتأجيل الضربة، وكذلك فعلت روسيا التي لجأت إلى المستشار الأول للرئيس الأمريكي صديقه ستيف ويتكوف كي يؤثر على ترامب للتأجيل مقابل دفع إيران إلى محادثات جدية وإلى تنازلات.
أما لماذا أرادت إسرائيل تأجيل الضربة العسكرية الأمريكية المباشرة ضد إيران، فإن الإجابة غامضة. هناك كلام عن أولوية اعتزام إسرائيل توجيه ضربة قاضية إلى حليف إيران في لبنان، حزب الله، قبل الدخول شريكاً لأمريكا في العمليات العسكرية المباشرة ضد إيران.
وهناك حديث عن قلق من انتقام إيراني أو عمليات استباقية إيرانية ضد إسرائيل. ثم هناك كلام عن لغة التمويه ريثما يتم وضع كامل للاستعدادات العسكرية، بما فيها وصول حاملة الطائرات USS أبراهام لينكولن إلى المنطقة من بحر الصين الجنوبي في غضون أسبوع.
الأهم ان إرباك إيران بات تكتيكاً أمريكياً وإسرائيلياً في استراتيجية حرق الأعصاب والوقوف على حافة الهاوية.
انما هناك معطيات عملية وبراغماتية لتوقيت العمليات العسكرية المؤجلة. المسؤولون العسكريون في إسرائيل يقولون إن التأجيل لمدة أسبوع، فيما تعقد المباحثات، يعطي إسرائيل مساحة للمزيد من الاستعدادات العسكرية. والمسؤولون السياسيون في البيت الأبيض يفضلون توقيت الضربات العسكرية في شهر فبراير/ شباط المقبل بعدما يشارك الرئيس دونالد ترامب في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس المنعقد من 19 إلى 23 الشهر الجاري.
المتظاهرون داخل إيران أيضاً في حاجة إلى إمدادات دعم ملموس وإلى احتواء البطش على نسق إعدام 800 منهم. لذلك إن تأجيل الضربات العسكرية لا يشكل خيانة لهم ولا استغناء أمريكياً عنهم، بل أن التأجيل يؤمن الفسحة الزمنية لإعادة ترتيب الصفوف ولوضع استراتيجيات للمزيد من فضح الهشاشة في النظام الإيراني، الاقتصادية منها وكذلك في بنية النظام.
لا نعرف من سيربح في سباق التوقيت بين العسكرة والمفاوضات. لا نعرف إن كانت العمليات العسكرية ستؤجل لعدة أيام أو أسابيع مقابل تنازلات إيرانية لم تكن واردة أبداً في السابق. لا نعرف إذا وقع المستحيل في ذهن قادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية فاختاروا إصلاح العقيدة جدياً كوسيلة لإنقاذ النظام. ولا نعرف من سيتولى زمام الحكم في إيران الآن إذا سقط النظام.
ما نعرفه هو أن نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية يقع في مأزق مصيري، ولا سبيل آخر أمامه سوى إما الإصلاح الجدي والتخلي عن العقيدة النووية والصاروخية والميليشياوية- وهذا شبه مستحيل. أو التمسك بالحكم وإطلاق العنان للحرس الثوري والباسيج لقمع كامل للمحتجين والمظاهرات، الأمر الذي سيؤدي إلى ضربات عسكرية أمريكية قاضية، وإلى تطويق اقتصادي وحصار نفطي مصيرهما إنهاك النظام لإسقاطه.
فدونالد ترامب يستمتع بإيقاف العالم على حبل الانتظار المشدود، لكنه يتمعن الآن في تداعيات أي إجراء يتخذه في إيران. فإيران، وليس أوكرانيا، هي اليوم القصة الكبرى، وهي منذ البداية مشروع تطويق نفطي واستراتيجي لها ولأذرعها ولحماتها من فنزويلا إلى لبنان.
*خبيرة الشؤون الاستراتيجية الدولية وكاتبة عمود سياسي استراتيجي باللغتين العربية والإنجليزية، هي المؤسِّسة والرئيسة التنفيذية لـ”بيروت انستيتيوت” – المؤسَّسة الفكرية للمنطقة العربية ذات البعد الدولي.