كان المطر يومها أقوى من أي صوت، كنتُ في التاسعة من عمري، خرجتُ في الظهيرة لشراء لعبة سكنت مخيلتي لأيام، ولم أجمع ثمنها إلا قبل دقائق. بينما كنتُ أمشي بفرحة طفلة نحو محل الألعاب في شارعنا الفارغ وقتها، شعرتُ فجأة بخطوات ثقيلة تخترق صوت المطر خلفي.

تلك لم تكن مرّتي الأولى، فقد اختبر جسدي الصغير تجربة التحرش سابقاً لذا لم أحتج للالتفات. في تلك اللحظة تحوّل جسدي إلى كتلة من التأهب، كنتُ أراه بظهري، أشعر بوقع حذائه، وأتحسّس اقترابه، وفي اللحظة الحاسمة، ركضتُ بكل ما أوتيتُ من خوف وكان صراخي يعلو ليشقّ صمت الشارع.

لم تمرّ صرخة الطفلة التي هزّت ليل البصرة في جريمة التحرش الجماعي ليلة رأس السنة بصورة عادية على أي امرأة في العراق، لم تكن مجرد (خبر) أو (حادثة) عابرة، بل كانت استحضاراً قسرياً لكل الرعب الذي ادخرته أجسادنا. لقد أيقظت فينا صدمة جماعية جعلتنا نتشارك في ذات الرعشة وإن اختلفت التفاصيل، لتذكرنا بحقيقة نهرب منها جميعاً: ما الذي يجعلنا في مأمن من جريمة تحرّش جماعية إذا ما كنّا نتعرض يومياً إلى عيون جماعية متحرّشة تنهش أجسادنا في الشوارع والأسواق؟ ما الذي يجعلنا في مأمن، سوى غياب اللحظة المناسبة التي تحوّل البشر إلى وحوش؟

نعيش في واقع يجعلنا جميعاً مشاريع ضحايا مؤجلة، لا يُهددنا فحسب، بل يُجبر أجسادنا على خوض تحوّلٍ بيولوجي مرير؛ تحوّلت جلودنا إلى رادارات قلقة، وظهورنا إلى مساحات نبتت فيها العيون من فرط القلق، عيون ترصد الخطوات الثقيلة، تترجم التحركات المشبوهة، وتتنبأ بالفعل قبل وقوعه.

أجسادنا التي تحولت إلى أجهزة إنذار

من خلال عملي كباحثة اجتماعية ومستشارة في قضايا الإدماج، عملتُ مع كثير من ضحايا التحرش، ومن خلال الإنصات لهن، أدركتُ أن الجسد الأنثوي في بيئة ملغومة بالتحرّش لا يكتفي بالخوف بل يُعيد صياغة حواسه. نحن لا نتحدث هنا عن استنتاج فكري، بل عمّا يشبه ذاكرة عضلية تتعامل مع الشارع كساحة معركة.

أخبرتني إحدى الناجيات يوماً، «كلما حاول أحدهم التقرّب مني في الشارع بدأ ظهري يتألم بطريقة غريبة، يبدأ ببرد قوي ثم يتحول إلى ألم وشعور بالتجمد، لم يكن جسدي قد تعافى من تلك اليدين التي لمستني من الخلف وكلما شعرت بأحد خلفي يتجمد ظهري».

تصف الناجية شعوراً يتجاوز الخوف، ينسحب الدم فيه من الجلد ليتكثف في العضلات ويُعيد توجيه طاقته بالكامل نحو المنطقة المهددة، في هذه الحالة يُصبح الظهر هو مركز الوعي فيما يشبه حالة يقظة مفرطة (Hypervigilance).

أجسادنا لا تسجل الصدمة فقط بل تحولها إلى نظام إنذار مبكر. نحن نحمل في جهازنا العصبي (كاتالوجاً) كاملاً لأنواع التحرش، وطرق الاقتراب، وتدرجات الأصوات، مما يجعلنا نعيش في حالة استنزاف بيولوجي مستمر.

إن العيون التي نبتت في ظهورنا هي في الحقيقة تلك الجروح التي بقيت مفتوحة منذ الاعتداء والتحرش الأول، تتحسّس ضغط الهواء وتراقب الخطوات الثقيلة بدقّة تفوق الرؤية البصرية.

نحن لا نرى المُعتدي بأعيننا، بل نشعر بفيزيائيةِ وجوده بظهورنا التي باتت ترى الخطر قبل وقوعه، لتتحوّل حياتنا اليومية إلى سلسلة من المعارك الصامتة التي يخوضها جهازنا العصبي في كل زقاق وشارع.

عن جغرافيا القلق وكيف نبدو مَخفِيات

أن هذا التحوّل البيولوجي يُعيد رسم علاقتنا بشوارعنا ومدننا، بمساحاتنا الآمنة. في العراق لا تمشي المرأة بصورة عادية؛ بل تحاول التأكد باستمرار من حجابها إذا خرجت منه شعرة، وتُغطي صدرها حتى لا يلفت الانتباه، وتتأكد من لبسها كل دقيقة في محاولة يائسة لخفض مستوى التهديد. تُعامل الشارع كمخطط عسكري تمسح تضاريس المكان وتقيس المسافات بينها وبين أيّ ذكر حتى لا تتحول إلى ضحية.

ومع وجود أرصفة مليئة بتجاوزات المحلات والباعة، وانطفاء الإنارة في معظم الشوارع، وغياب القوانين الرادعة، تتحوّل مدننا إلى بيئات غير مؤهلة للنساء. في ظلّ هذا العجز البنيوي لا تجد المرأة أمامها سوى جسدها لتعتمده كخط دفاع أخير، فتستمر تلك العيون الكامنة في ظهورنا بالنمو، لتسدَّ الفجوات التي تركتها الإنارة المطفأة والتشريعات الغائبة. شوارعنا في العراق ليست فضاءً محايداً بل هي بيئة إقصائية تُمارِس النفي المعلن لنا.

وراثة الرعب، كيف نرضعُ الخوف مع الحليب؟

هذه العيون التي تنبت في ظهورنا ليست مجرد استجابة فردية للاعتداء، بل هي إرثٌ صامت وصادم نتوارثه كنساء في هذا المجتمع من أمهاتنا… من خلال جلسات الاستماع التي أجريها مع الناجيات، أرى بوضوح كيف تبدأ عملية برمجتهن في سن مبكرة جداً، حيث تُعدُّ الطفلة لتكون مشروع ناجية منذ مرحلة مبكرة.

تُعاني الأمهات في بلادنا من صراعٍ مُمزِّقٍ يتركهن في مهب الوجع فهنَّ يحملن ثقل صدماتهنَّ القديمة من جهة، وثقل المسؤولية المرعبة عن حماية بناتهن من جهة أخرى. حين تلد الأم طفلة في العراق، يبدأ داخلها سباق مع الزمن لتعليمها (فن الالتفات) فهي تزرع في مخيلتها أن الشارع والذكور يتربصون بها، ليس لأنها قاسية، بل لأنها كانت يوماً ما ضحية لهذا الشارع، وتعرف تماماً معنى أن تكوني بلا حماية.

لقد توارثنا قسرياً هذا الخوف الذي يجعل من (اليقظة المفرطة) جزءاً لا يتجزأ من هويتنا الأنثوية. فالأمهات، بدافع الحب المشوب بالرعب، يُورِّثن لنا تلك العيون الكامنة في ظهورنا يُعلِّمننا أن تغطية الجسد هي درع استباقي، وأن عفوية الحركة هي خطر محقق. وبذلك، تتحول الأم إلى «جهاز إنذار أولي» في حياة ابنتها، تنظر لظهر صغيرتها وهي تخرج للشارع وكأنها تُرسِل محاربة إلى جبهة قتال، لا طفلة إلى مدرستها.

نحن لا نتحول إلى أجهزة إنذار بفعل تجربتنا الشخصية فحسب، بل بفعل هذه (الذاكرة الجمعية) التي تُخبرنا أن النجاة تتطلب التخلي عن عفوية الجسد واستبدالها برقابة ذاتية خانقة. نحن نُربي فتياتنا على أن يكنَّ مخفيات حتى وهنَّ في قلب الضوء وفي لحظات الفرح، مُحملاتٍ بعبء حماية أنفسهن من غابة لم يخترن العيش فيها، ومزودات بعيون في ظهورهن نبتت بفضل وصايا الأمهات اللواتي أرَدْن لنا النجاة، فمنحنَنا الرعب كأداة وحيدة للبقاء.

لقد كانت صرخة فتاة البصرة هي «القشة التي قصمت ظهورنا» أو بالأحرى النقطة التي استنفرت كل تلك العيون التي ربيناها في ظهورنا قسراً. إن الجريمة الحقيقية لا تكمن فقط في تجمهر المتحرشين ولا في التبرير المستمر للمتحرشين، ولا جمل مثل «لماذا لم تبقَ في المنزل» بل في هذا الاستنزاف البيولوجي المتواصل الذي يُجبرنا على تحويل أجسادنا إلى أجهزة رادار.

إننا لا نُطالب فقط بقوانين رادعة أو إنارة جيدة للشوارع، بل نُطالب بحقنا في أن نُغمض تلك العيون التي نبتت في ظهورنا، وأن تتوقف جلودنا عن كونها رادارات قلقة لتعود مجرد غطاءٍ يحمينا. نطالب بمدن لا نحتاج فيها لأن نكون «مخططات عسكريات» لنصل إلى بيوتنا، وشوارعَ تمنحنا حق المشي بهدوء، دون أن نضطر لاستراق السمع بظهورنا، ودون أن تُسجِل أجهزتنا العصبية المزيد من (كتالوجات) الخوف.

لقد أتعبنا النمو القسري لطفولتنا، واتعبتنا تلك العيون، فالحرية لنا ليست إلا حقاً في أن نمشي بأجساد لا تتوقع الاعتداء في كل خطوة.