هل ضلّت الفلسفة طريقها حين سُجنت بين أروقة الجامعات؟ ألم تولد في شوارع أثينا على لسان سقراط الذي قال: “كانت أمي قابلة تولّد النفوس وأنا أولّد العقول”.
وما سبيل السعادة إن كان لها سبيل! هل يعقل أن نسلك الطريق من آخره أو بتعبير آخر، هل من الضرورة حتى نكون سعداء “أن نقضي زمنًا أطول في المقابر”، كما يرغب هايدغر في استمرارٍ لتقاليد سقراط الذي يعتقد أنه لكي “نتفلسف يجب أن نتعلم كيف نموت”.
لكن، دعونا من الموت وتعالوا لنرى حجم الكوارث التي علقنا بها كما يعلق الهامستر في دولاب يدور. كيف نتعامل مع العالم وهل تساعدنا الفلسفة؟ ولماذا نحتاجها أساسًا؟
لعلّ أنسب ما نفتتح به مقالنا هو البدء من النهاية، من خاتمة كتاب “البرج المقلوب: الوجه العملي للفلسفة” (دار جدل)، للناقد والباحث العراقي كه يلان محمد؛ وهو دعوة اختصرتها السطور الأخيرة التي انتهت بخطاب الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو أمام الأكاديمية السويدية عندما قال: “يشعر كلّ جيل بلا شك بأنّه مدعو إلى إصلاح العالم وإعادة تشكيله. يعلم جيلي أنه لن يصلح العالم، لكن مهمّته ربما تكون أكبر، إذ عليه منع العالم من تدمير نفسه”.
تبدو المهمة ثقيلة وفق هذا المنحى، فأن تأخذ الفلسفة على عاتقها ذلك، يستوجب أكثر مما يقدر عليه الإيضاح الذي نتوخاه هنا.
وهو ما حاول المؤلف عبر فصول الكتاب الثلاثة: “البرج المقلوب”، “الممرّ الفلسفيّ”، و”كهف الفلسفة” تفسيره، كاشفًا عن مدى تغلغلها في الحياة اليومية، مستعرضًا حياة الفلاسفة انطلاقًا من معلم أثينا سقراط الذي كان يُمطر أهلها بالأسئلة، إلى أبيقور الذي أراد تخليص الإنسان من معاناة العقل ورأى في الفلاسفة “أطباءَ للروح”، وصولًا إلى سينيكا وفلاسفة الحداثة؛ في محاولة لفهم حاجتنا لها لتخفيف حدّة القلق واحتواء المتناقضات التي نشعر بها والعثور على عزاء في عالم لا عزاء فيه.
وقبل هذا وذاك يحاول الإجابة عن السؤال الأصعب: هل ماتت الفلسفة في الواقع المعاصر؟
سيتكفل كتاب المفكر المغربي سعيد ناشيد “التداوي بالفلسفة” بجزء من المهمة، إذ بيّن “أهمية الفلسفة في تعزيز الإرادة لمواجهة أشدّ ظروف الحياة قسوة”، كما انتقد دارسي الفلسفة “ضحايا النصوص” الذين يتوهمون أنهم يمتلكون المعرفة. ويدور الكتاب في الفلك الرواقيّ الذي يرى “أن الأشياء لا تسوء، إنما تسوء الأفكار حول الأشياء”. وعلى امتداده يعود المؤلف مرّةً تلو أخرى إلى نيتشه “باعتبار أن عملية التفكير لدى فيلسوف المطرقة لا تتم بمعزل عن فاعلية الجسد”.
فالفلسفة لها دور كبير في الابتعاد عما يسميه سبينوزا “الأهواء الحزينة” أو ما يعدّه نيتشه “غرائز الانحطاط”، وهو ما يزيد الشعور بالإيجابية والسعادة لدى المرء ليتجاوز ذلك قدرتها على أن تحوّل واقعنا لتصبح وسيلة للتحكم بالذات.
يتجاوز المؤلف السؤال عن حاجتنا للفلسفة، إلى البحث فيما إذا كان بإمكانها أن تصبح مصدرًا للطمأنينة. فمشاكل الإنسان هي في رأسه، في تفكيره، “لذا من الأفضل بالنسبة له بدلًا من محاولة التحكم بالخارج، أن يتحكم في عالمه الداخليّ”.
وفق هذا تصبح الفلسفة ضرورة وتفقد وظيفتها إذ فشلت في تخفيف معاناة العقل. فالخطوة الأولى هي التفريق بحسب ناشيد بين غرائز السمو “الجرأة، التفوق، تحقيق الذات”، وغرائز الانحطاط “الضغينة، الخوف، الانتقام”؛ الأولى تدعم إرادة الحياة بينما الثانية معادية للحياة.
ولكن هل يتحقق ذلك من دون أمن عقلي؟
وما مقياس صحّة العقل؟
يحدد المؤلف علامات هذه الصحة، ولعلّ أهمها نشاطه المستقل والتحرر من الوصاية، والتخفّف من الشعارات الخلاصيّة، فتنفّس العقل خارج الأسيجة الشائكة يستدعي الاهتمام بالمجال الفلسفي، وعودة الفلسفة إلى عالمها اليوميّ والحياة العاديّة بعيدًا عن التعقيد المفاهيميّ. فوصفة السعادة هي “إصلاح العقل وغربلته من الأفكار الخاطئة وأبرزها الجهل” الذي يعادل عند سقراط “الشقاء والبؤس”، والخوف “وهو مصدر التعاسة لدى أبيقور”، وعند سبينوزا “تمنع الأهواء الحزينة القدرة على التمتع بالحياة”.
يتمحور القسم الأول حول رؤية بعض المفكرين للسعادة والعيش: سعيد ناشيد، لوك فيري، الرواقيّة، والأبيقوريّة، في عودة دائمة لإنقاذ العقل عبر الدعوة للبساطة والخفّة، “إذ إن الاستمتاع بالحياة يتطلب خفّة اللّاعب أو الراقص، وتتمثل غاية الفلسفة العمليّة في تحقيق هذه الخفّة”؛ عبر التحرّر من الحنين والخوف من الموت، “كل ذلك يستدعي الاهتمام بالحسّ الجماليّ، حتى لا يلمّ الجفاف والقسوة بالمشاعر”. وهو يناقش السعادة من منظور لوك فيري في كتابه “مقامات السعادة” ويربطها بالمعرفة والتخلص من الانفعالات، كما ينتقد السعادة التي ترتبط بالحسيّات في العصر الاستهلاكي والنظرة النفعيّة التي تراها في اللذّة فقط. لذلك يرفض فيري خيار التخلّي عن العالم الخارجي بحجّة هشاشة ما تستمدّ منه السعادة، ويلوذ بالأبيقوريين الذين حثوا على عدم تعقيد الحياة فاختبار صعوبتها “يريح الإنسان أكثر من الركون للوهم”.
يبدو الكتاب مناورة فلسفية ذكيّة لمواجهة الألم والشقاء ومسبّباته في عالمنا القائم على التسليع والتشيّؤ، “فالحصول على السعادة يحدث لحظة إدراك مكر الأخيرة وعدم ديمومتها”، والحلّ هنا “عدم ارتفاع سقف التوقعات حول ما يقع خارج ذاتك، وإلّا بتّ تابعًا لغيرك” لأنّ الخيبة تكبر أكثر كلما كان الأمل معقودًا على الخارج أو بتعبير نيتشه “لا شيء يساعدني، لا بدّ أن أساعد نفسي وإلّا فأنا منتهٍ”.
يؤكد المؤلف على أهمية الفلسفة في التخلص من الرغبات والأوهام، ويُفرد مساحة كبيرة لأبيقور ورؤيته التي تقوم على “التمييز بين رغبات باطلة ورغبات طبيعيّة”.
ويستعرض مسيرة فلاسفة ارتبطت معاناتهم بفلسفتهم، كالإغريقي إبكتيتوس الذي عانى من قساوة العبودية، وكانت أمه “أمةً” ولم يعرف والده، والذي أصبح من أهم الفلاسفة الرواقيين وفلسفتهم التي تقوم على القيم الذاتيّة التي تحمي المرء من الإحباط وبعدها عن التنظير والاستعراض وارتباطها بالحياة، “إذا كنت في وليمة فلا تقل كيف ينبغي الأكل، بل كُل كما ينبغي”، وفي هذه الرؤية لا تنفصل الفلسفة عن الحياة وتقوم على الخبرة الذاتية وتُعيد طرح السؤال الذي طرحه فريدريك لونوار “عمّا إذا كان بوسعنا أن نؤسس لحكمة تستند لقوة الفرح؟”.
في القسم الثاني من الكتاب “الممرّ الفلسفي” ينتقد المؤلف التجريد الفلسفي بكونه مضرًّا بالفلسفة، ويحدّ من فاعليتها، كما أن تحويل الفلسفة إلى عقيدة يؤذيها إذ الهدف من الفلسفة حسب آلان باديو “تقويض الخطاب التسلّطي بخطاب حجاجي فالنقد هو جوهر عملية التفلسف”. ويعرض التجارب الشخصية التي تصبح مختبرًا لمقولات الفيلسوف أو بتعبير نيتشه “من لا يستطيع التفكير إلّا إذا كان الكتاب في يده، فهو يخسر استقلاليته في التفكير”؛ ويفرد مساحة للوجوديّة عبر أهم فلاسفتها متتبّعًا جذورها التي تعود للرواقيّة والأبيقوريّة، والتي ترى الإنسان مسؤولًا عن حريته واختياره، “فلا يوجد مسار مرصوف يهدي الإنسان إلى خلاصه، بل يجب عليه اختراع مساره دائمًا”.
يُعتبر الكتاب رحلة في مناخات “الرواقيّة، الأبيقوريّة، الوجوديّة، أرسطو، ولوك فيري، وبرغسون، وجون ديوي، سقراط، ونيتشه”، هذه الفلسفات الكبرى التي نشأت في جوٍّ من المرح، وكان الشارع هو “المكان الأمثل لمناظرات فكرية إبان اللحظة السقراطية”، فقد اقترنت الفلسفة بالمشي عند أرسطو و”المرح في حديقة أبيقور” كما أن المقاهي في العصر الحديث هي “منصة للحوارات الفلسفيّة كأمكنة رمزية”.
وتحت عنوان “سقراط معاصرًا” يدخل المؤلف في حوار مع الفيلسوف الذي تفرّد في بساطته وبصيرته بحقيقة ما هو جوهري في المسعى الفلسفي؛ وهو يتخيّله ماشيًا في حديقة من حدائق عالمنا الحالي، يناقش الحروب والأوبئة والذعر الذي يهيمن على الإنسان، متحدّثًا عن ضيق أفق الناس، وعن الوباء الاستهلاكيّ حيث “الحياة التي لا يتم فحصها ونقدها لا تستحقّ أن تعاش”؛ شارحًا شروط التفلسف وسمات “صاحب المشروع الفلسفي، والذي يجب أن يكون فاعلًا ومواكبًا لتحديّات عصره”، ويسأل المؤلّف سقراط عن سبب فشل الفلسفة في تقديم وصفة للتداوي؛ فيكون الجواب المستلهم من حياة سقراط: “ما يجب أن تنصرف إليه هو ما الذي يمكنك أن تعمله لنفسك بدون أن تتجاهل غيرك”.
كما يبحث المؤلف في حياة “ديوجين الكلبي، إمبيدوقليس، إبكتيتوس، ديكارت”، وغيرهم، متسائلًا عن المناعة النفسيّة التي تحلّى بها هؤلاء مقابل النكبات التي ألمّت بهم.
وهو يفرد لنيتشه مساحة كبيرة، والذي اخترق مناطق جديدة من التفكير وغير مطروقة في الاشتغال المعرفيّ؛ فلا يعني التفلسف “الانكفاء على الفضاءات المحددة والتنسّم خارج أوكسجين الشارع”؛ ويعرض لحياة الفيلسوف الروماني سينيكا الذي تصالح مع الحياة ومع التقدم في العمر “فالفاكهة تكون ألذّ عندما يقترب الموسم من الانتهاء”.
يتساءل المؤلّف عن العلاقة بين المثال الديني والإنسان وعن قصور النظرة الاختزاليّة والتراشق بين الأديان، ويرى أن نفي الدين عن الحياة لا طائل منه إذ إنه ملازم للحياة الروحيّة كما أن “زيادة الوعي بالفناء -حسب أرنست بيكر- تقود للبحث عن الدفاعات التي تدعم إنكار حالة الموت” ولطالما اعتُبرت الفلسفة مضادّة للدين.
يعود المؤلف إلى سعيد ناشيد ورؤيته التي ترى ضرورة “إعادة الاعتبار للتصوّف الفلسفيّ” وهو لا يتجاهل تجذّر الدين في اللّاوعي، “واستحالة أن تحلّ أكاديمية أفلاطون محلّ المعابد، لذا فإيجاد حل للتطرّف الديني لا يكون إلّا بما يسميه إريك فروم ‘الدين الإنساني القائم على الخبرة الشخصيّة التي تحفظ للإنسان كرامته وشعوره وحريته'”. ويعتبر البحث عن المعنى سرّ التقاطع بين المذهب الديني والقول الفلسفي، الأول حاجة داخليّة، والثاني رغبة عقلية وقد يتعارضان خصوصًا أنّ “الإيمان العقائديّ قد يقع خارج الإيمان الحرّ أو بتعبير كانط فالإيمان الحرّ يقوم على القيمة الأخلاقيّة لا الثواب والعقاب”.
يُستدعى كانط لتوضيح التقارب بين الفلسفة وبين الصوفيّة “إذ يهتم الخطان بالجانب السلوكي والجوهري للدين”، ونقطة اللقاء أن التديّن الحقيقيّ منفتح وبعيد عن الانغلاق؛ وأثناء بحث الإنسان عن المعنى يحدث أن ينجرّ للمحاكاة وسهولة الاستسلام للإغراءات؛ وقد يعتبر التفكير مضيعة للوقت أو بتعبير آلان دو بوتون إن “الحياة ذات المعنى لا تكون إلّا من نصيب قديسين وفنانين أو باحثين ومستكشفين”. لكن الخلاص تعبّر عنه رسالة نيتشه إلى أخته “إذ رغبتِ في تحصيل راحة البال والسعادة فعليكِ بالإيمان، أمّا إذا رغبتِ بأن تكوني من مريدي الحقيقة فعند ذاك عليكِ بالبحث”.
يقوم كتاب “البرج المقلوب” للباحث والناقد العراقي كه يلان محمد على الفكرة التي تقول “بأن الفهم الفعلي للفيلسوف، لا يتم إلّا بالنظر إلى مغامراته الحياتيّة الذاتيّة فالسؤال عن الفلسفة العملية يعني السؤال عن الذات والسعادة ودروسًا في التعامل مع الواقع والخصوم وفرصة بناء كيان وجودي متوازن”، وفي هذا الخصوص ينصح ميشيل أونفري بألّا نستخف بالخصوم، إذا أتاحت لنا انتقاداتهم معرفة أفضل عن ذواتنا.
يحاور المؤلف في هذا الكتاب نيتشه ويستعيد الحكمة النيتشوية الماثلة في الضحك والرقص ويكتب “أن تكون نيتشويًّا يعني أولًا أن تغدو نفسك” ويقرُّ مع ألبير كامو أن “فساد العالم القديم بدأ بمقتل سقراط”، فالروحية السقراطيّة “تعني التساهل تجاه الآخرين والصرامة تجاه الذات”، لتصبح الفلسفة عزاءً بالمعنى الرواقيّ، ووجودًا بالمعنى الوجوديّ، و”الحياة الجيدة -بتعبير سينيكا- هي هبة الفلسفة”، ومن خلال الإيمان بأن بمقدور الفلسفة أن تحررنا بإرجاعنا إلى ذواتنا. أو بتعبير فولتير في “كانديد”: “عليك أن تعنى بزراعة حديقتك”. والدروب في كل هذه الفلسفات تحيلنا إلى أسئلة كانط الثلاثة: “ما الذي أعرفه، ما الذي أعمله، وما الذي أرجوه”؟
*كاتبة سورية.