زرتُ المغرب لأول مرة بين 9 و15 شباط (فبراير) 2026، ستة أيام قضيتُها في فاس والدار البيضاء والرباط. كنتُ مدعواً إلى «مواعيد الفلسفة» في دورتها الحادية عشرة، وبمبادرة من إدريس كسيكس، الروائي والصحفي والسوسيولوجي المغربي، وتشجيع ودعم من صديقي المغربي الشاب حمزة اصْميلي، الكاتب والجامعي الذي يحمل شهادة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، ويقيم في بروكسل ويُدرِّسُ حالياً في جامعة لوزان بسويسرا. كان موضوع الدعوة هو أول ما أثار رضاي، إذ جرت العادة أن أُدعى إلى مشاركات هنا أو هناك بصفتي سورياً، وهذه من المرات النادرة التي أُدعى فيها لأمرٍ أوثقَ صلة بمحتوى عملي الكتابي. وفي الدعوة إلى المغرب، البلد الذي أدينُ بقدرٍ مهمٍ من تكويني ككاتب إلى قراءة مُفكريه وكُتّابه، عبد الله العروي بصفة خاصة، ثم الراحل محمد عابد الجابري، دائرةٌ تكتمل حين أزوره كاتباً.

وكان زميلي ياسين السويحة اقترحَ أن أكتبَ شيئاً عن الزيارة، لكني لم أكن متحمساً. فالكتابة عن بلد تزوره أول مرة وتقضي فيه بضعة أيام تُجازِفُ بأن تكون كتابة سياحية سطحية، وهو ما أُفضِّلُ تَجنُّبه بطبيعة الحال. لكن رأيي تغيَّرَ بفعل لهفتي لزيارة البلد، وإيجابية انطباعاتي الأولى فيه، ثم لرغبة في تسجيل ذكرياتي عنه وحمايتها من الضياع. وتجنُّباً لكثير من السطحية، أروي ما شهدتُ وفعلتُ وشاركتُ فيه فقط، مُتجنِّباً إصدار أحكام أو التطوع بمعلومات قد تكون خاطئة أو مُجادَلاً فيها عن «المغرب الأقصى».

لقد كتبتُ هذه اليوميات كل يوم من الأيام الست تقريباً، واحتفظُ لها هنا بهذا الشكل.

9 شباط

قلّبتْ الشرطية جواز سفري في مطار فاس، ويظهر فيه أني زرت عدة بلدان، سألت:
أول مرة في المغرب؟ قلتُ نعم؛ وختمت الجواز مع ابتسامة.

سائق السيارة الذي كان يحمل ورقة عليها اسمي قال بشيء بين الاقتراح والقرار إننا سنأخذ معنا الدكتورة رجاء بن سلامة، التي يُفترَضُ أن تصل طائرتها بعد ثلث ساعة. قلت: لا بأس. كنتُ جائعاً، فطلبت لفّةً وشاياً في كافتيريا قبل باب الخروج من المطار. الحساب 84 درهم. يمكن الدفع باليورو، لكن ما يبقى من المبلغ يُعاد بالدرهم. الأمر مألوفٌ في المطارات غير الأوروبية.

انتظرتُ رجاء لنحو ثلاثة أرباع الساعة، وبسرعة في السيارة التي أَقلَّتنا إلى الفندق في فاس اكتشفنا أننا أكثر تَقارُباً فكرياً اليوم مما كنا قبل نحو عشرين عاماً. رجاء بن سلامة محللة نفسية وأستاذة جامعية وكاتبة تونسية، وكانت مديرة المكتبة الوطنية في تونس لثماني سنوات بعد الثورة التي دشنت «الربيع العربي». كانت دروبنا قد تقاطعت عام 2007 في موقع الأوان الذي كان يديره الرحل صالح بشير، ووجدنا أنفسنا في موقعين متضادين وقتها فيما يتصل تحديداً بتنويعةٍ للعلمانية كنتُ ناقداً لها، وكانت رجاء أقرب إليها. ويُخيَّلُ لي أن في جذر التقاربُ الراهن حضوراً أكبر للتجربة الحية، الشخصية والسياسية، في تفكير كلينا.

فاس نظيفة، قلنا لبعضنا بينما تتقدم السيارة في شوارع المدينة، وأكَّدَ كلٌّ منا أن بلده أقل نظافة.

في المساء جرى استقبالنا بين عشرات آخرين في مسكن القنصلة الفرنسية الذي كان أشبه بقلعة أو قصر مَهيب. تكلمت هي، وتكلم شخص آخر، بالفرنسية، وكنتُ من أقلية، أو ربما الوحيد الذي لا يتكلمها. كان هناك طعام مغربي شهي، ومشاريب كحولية وغير كحولية.

10 شباط

صباحاً، أَخذَنَا حمزة إلى فاس القديمة: رجاء بن سلامة وبولين كوتشيه (وهي باحثة فرنسية مختصة في الفلسفة العربية في القرون الوسطى) وأنا. بأزقتها أو «زنقاتها» الضيقة، وبالمنتجات التقليدية التي تُسوَّق في دكاكينها كما بجوها العام، تُذكِّرُ فاس القديمة كثيراً بالشام القديمة والمْدينة في حلب. اشتريتُ بعض الهدايا والتذكارات، منها قبعة مغربية أبدو فيها شيخاً عصرياً أو أكاد.

من يجول في المدينة القديمة لا بد أن يزور جامع القرويين. لكن عند وصولنا إلى باب الجامع لم يُسمَح لنا بالدخول. كان هناك شخص إماراتي يريد أن يتجول وحده في المكان. لم يُحبِط علينا وعلى آخرين غيرنا كانوا على باب الجامع نيةَ الزيارة فحسب، بل كان طُغيانه وسَقَمُ ذوقه يتعارضان مع طبيعة المكان المقدس. هو بالفعل اعتداء على الجامع قبل أن يكون اعتداء على طالبي الزيارة. وهو ما كان يجب ألَّا يفوتَ المسؤولين عن الجامع قبل الجميع.

حاولنا التعويض بزيارة ضريح مولاي إدريس، حفيد الحسن بن علي، الذي يُعتبَر المُؤسِّسَ الفعلي لمدنية فاس في وقت مبكر من القرن التاسع الميلادي.

المبنى من الداخل واسع، ونُصِبَ فوق الضريح نفسه ما يشبه غرفة مربعة جُدرانُها من السجاد، خرجت من بينها سيدة، يبدو أنها كانت ترجو من صاحب الضريح شيئاً. وأمام جدار الضريح السجادي الأقرب إلى الفناء الواسع للمقام وقفَ رجلٌ وأسندَ يديه الاثنتين إلى أعلى الجدار وبدا كمن يتضرع لله، مُشفِّعاً عنده صاحب المقام.

الضريح

مقامُ الضريحِ قسمان، في واحد منهما بحرةٌ تشبه البحرات في البيوت الشامية التقليدية، وفي أعلى صدر هذا القسم اصطفت سبع حلقات بخلفية زرقاء، يتوسّطها اسم النبي محمد، وأقربُ اسم عليها على اليسار عمر ثم علي ثم الحسين، والأقرب من جهة اليمين أبو بكر ثم عثمان ثم الحسن. وفوق اسم النبي حلقة واحدة تتوسطها كلمة: الله. خيراً يفعلُ الإسلام المغربي بأن لا يبالي بانقسامات السنة والشيعة المشرقية.

الضريح2

وفي جنبات هذه القسم الثاني ترى رجالاً ونساء مُستلقينَ قربُ الجدران. قالت رجاء بن سلامة إنهم مشردون أو فقراء، وقال حمزة إنهم ينامون هنا ويستحمون هنا. رجاء قالت إن هذا يُفسِّرُ لماذا هناك مشردون أقل في بلداننا مما في أوروبا رغم فوارق الثروة، وإنه في هذا الشأن يقوم الدين بدور اجتماعي مهم. أليست سورية كذلك؟ سَألتْ. قلت إني لا أعتقد. ولا أعرف إن كان هذا الدور قد مات في الحقبة الأسدية، أم أنه لم يكن موجوداً يوماً.

الناس لطفاء. يقول حمزة، الذي ينحدر من أصول فاسية لكن عائلته انتقلت إلى الدار البيضاء (كازا، بحسب رجاء) قبل عقود، إن المغاربة ألطفُ من المشارقة لكنهم أقلُّ تنظيماً وإنجازية. ألطف دون شك. فاس كانت عاصمة المغرب حتى نقلت الحماية الفرنسية العاصمة إلى الرباط عام 1912، وهي مدينة فقيرة اليوم. تعتمد بقدر كبير على السياحة، والسواحٌ هذه السنة أقلّ بسبب ما شهده المغرب من أمطار غزيرة وفيضانات. لم يحدث مثل ذلك في مدينة فاس نفسها التي كان جوها لطيفاً والحرارة الأعلى يوم 10 شباط كانت 19 درجة مئوية. الجو تراوحَ بين الصحو والغائم مع نسيم لطيف.

في السوق تجد رموزاً أمازيغية، منها العلم الذي رأيناه في أحد المحلات ضمن ثالوث يضم علم المغرب وعلم فلسطين. تجد كذلك محلات تجارية تبيع حلياً ومنتجات صوفية أمازيغية. لكن يبدو أن أغلب سكان فاس نفسها من العرب.

المغاربة عرب وأمازيغ أساساً، وكان فوق 10 بالمئة من المغاربة من اليهود، هاجروا بعد إقامة إسرائيل ثم استقلال المغرب، إلى فلسطين أو إلى الغرب. بقي منهم ألوف. وعربُ المغرب كما أَمازيغهُ متنوعون، وبين الأخيرين من تعرَّبوا لغوياً، وإن اختلفت عربيتهم بعض الشيء عن عربيات أخرى في البلد. وبين عرب المغرب هناك بدو ينحدرون من الهلاليين، يسمون عْروبية، وللتعبير شحنة قدحية؛ ويبدو أن العْروبيّة غير محافظين، ويروجُ بينهم مشروب كحولي ذو أصل يهودي اسمه محيا (تحريف لـ«ـماء الحياة»، بحسب حمزة)، وبعض نسائهم، ويسمين «شيخات»، يرقصنَ ويغنينَ ويخدمنَ الرجال، بما يُذكِّرُ بـ«الحجّيات» في سورية و«العَوالِم» في مصر. تواترُ استخدامِ ألقابٍ دينيةٍ لمُشتغلات في فاعليات ترفيهية طريفٌ ومثيرٌ للتفكير.

بعد جولة ثلاث ساعات في المدينة القديمة، كنتُ قد تسببت لنفسي بكسر في الميزانية. أخذنا حمزة إلى مطعم لطيف، مُكوَّن من مقصورات نصف مفتوحة على بعضها ونصف منعزلة، تناولنا الغداء في أحدها. بنصيحة من حمزة طلبتُ «ذغميرة»، وهي قطعة كبيرة من دجاج بعظامه مع حساء لم أميزه، تُقدَّم في طاجين فخاري لا يزال ساخناً جداً. وقد ظهر أن الطاجين اسم الوجبة واسم الوعاء في الوقت نفسه. وإلى جانب الذغميرة، طلبتُ سلطة خضار، خيار وبندورة وبصل، مقطعة تقطيعاً ناعماً جداً.

في كل صحن كانت هنا شوكة وملعقة وسكين. حمزة قال إنه يجري تشبيه البلدان المغاربية الثلاث بهذه الآنية الصغيرة: الجزائر بالسكين التي قد تقطع، وتونس بالشوكة التي قد تَخِز، والمغرب الملعقة التي لا تؤذي. رجاء قالت شيئاً عن عقدة بساط الريح الجزائرية. ذلك أن أغنية بساط الريح لفريد الأطرش تقول: بساط الريح يا بو الجناحين/ مراكش فين وتونس فين! الجزائر الأكبر مساحة وسكاناً لا تُذكَر في الأغنية التي تجول عدة بلدان عربية. رجاء نسبت هذه العقدة إلى أستاذ جامعي جزائري، لكن يُخيَّلُ لي أنه يجب أَخذُها كنكتة.

حمزة أصرَّ على دفع حساب أربعتنا، قال إننا ضيوفه. كان هذا كرماً شديداً، بل مبالغاً فيه.

في طريق عودتنا إلى الفندق وجدنا على بسطةٍ الخبز الحافي لمحمد شكري، الكتاب الذي كان قد اشتهر مطلع هذا القرن ولكني لم أقرأه من قبل. زكّى حمزة أن آخُذَه ما دمتُ سأكتب عن المغرب. وكانت نصيحة بجمل. قرأت الكتاب خلال أقل من يوم واحد. قاسٍ ونادر وعظيم. ولن أقاوم إيراد بيتين رائعين من الشعر، يقول المؤلف إنه سمعهما يُغنيان في أحد بورديلات (مواخير) صباه في طنجة:

يا ليل طُل أو لا تَطُل/ لا بدّ لي أن أسهرك
لو بات عندي قمري/ ما بتُّ أرعى قمرك

اليوم مساء، في السابعة يحاورني حمزة في شؤون فكرية وسياسية. في الوقت نفسه تحاور أرييلا أزولاي بولين كيشو عن معنى التراث. كنتُ قرأت لآرييلا عائشة أزولاي كتاباً مهماً عنوانه: Potential History, Unlearning Imperialism، وسررت بوجودها في هذه الأيام الفلسفية.

أزولاي يهودية إسرائيلية، أخذت موقفاً معادياً للصهيونية وإسرائيل، فغادرتها إلى الولايات المتحدة قبل أن تنتقل إلى مرسيليا في فرنسا. وصارت تضيف اسم عائشة وسط اسمها، تيمناً باسم جدة أبيها الذي ينحدرُ من الجزائر.

تعرفتُ على أزولاي بينما كنّا نَهمُّ بالخروج من فندقنا المتواضع، إيبيس، إلى قصر المؤتمرات الذي ستجري فيه مشاركاتنا. تبادلنا عناوين البريد الإلكتروني، وقلتُ لها إني سمعتُ أنه صدر لها كتاب جديد يتضمن رسالة إلى حنة آرنت، وأخبرتُها أنه صدر لي قبل أشهر قليلة كُتيّب مترجم إلى الألمانية، عنوانه: حنة آرنت في سورية، وأني فكرت قبل 7 سنوات أو ثماني بكتابة رسالة لمؤلفة آيخمان في القدس، لكن لم أفعل في النهاية. اهتمت أزولاي فوراً بكتابي عن حنة آرنت في سورية، لكنها لا تقرأ الألمانية ولا العربية. تحدثنا عن بعض مضمون الكتاب، وأرسلتُ لها مواده بالعربية تتدبر ترجمتها عبر أحد برامج الترجمة الإلكترونية.

كان يُفترَضُ أن يجري الافتتاح الرسمي في السادسة لمواعيد الفلسفة، لكن لم يبدأ إلا في السابعة إلا ثلثاً. ثيمة هذه الدورة هي: تضارب المشاعر: إلى أين يتجه العالم؟ وأُلقيَت في الافتتاح أربع كلمات لأربع فرنسيين وخامسة لمغربي، كلها بالفرنسية. المغربي هو الدكتور محمد مبتسم، عميد كلية الآداب في فاس. قال شيئاً أثناء كلمته عن نزع استعمارية المعرفة، وبدا لي واقع الحال يناقض المقال. لم تبدُ الفلسفة أوروبية فقط، وإنما فرنسية حصراً. الدكتور مبتسم قال جملة واحدة بالعربية: الفلسفة هي طرح الأسئلة الصحيحة، وليس تقديم الإجابات المريحة، لم يلبث أن ترجمها إلى الفرنسية. بعده ظهرت ناديا نيازي، وهي ممثلة معروفة في المغرب، وقرأت بطلاقة مقطعاً من كتاب ابن رشد: فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، بدا لي دفاعياً جداً، يلتمسُ شرعيةً من الشريعة للفلسفة. سيُقرَأ النص نفسه لاحقاً في الدار البيضاء ثم في الرباط، بالعربية في المرات الثلاثة ثم بالفرنسية.

قصرُ المؤتمرات بناء جميل، متعدد القاعات، تَوزَّعَ المشاركون في قاعاته المختلفة، وبدا هذا لحمزة مثل حلقات الأساتذة المشايخ في الجامعات الإسلامية القديمة، ينتحي كل شيخ بتلاميذه في إحدى زوايا المسجد أو تحت أحد أعمدته. الشيخان المغربي والسوري، حمزة اصْميلي والداعي لكم بطول العمر، خُصِّصت لهما القاعة رقم 2. قَدَّمتنا طالبةُ فلسفةٍ مغربية، ثم قَدَّمني حمزة وبدأ بطرح أسئلته علي. مُنِحنا ساعة. هناك مُشارَكات لاحقة، في الثامنة والنصف ثم حتى في التاسعة والنصف.

وقبل أن تبدأ الجولة الثانية، أُتيحت في إحدى القاعات أطعمةٌ مغربية مع عصائر ومشروبات غير كحولية، أخذتْ عليها رجاء إنها لا تقتل الدود في البطن، وهو ما وافقتُها عليها بإيمان قوي.

حمزة الذي لا يأكل غير وجبة واحدة مساء كان جائعاً، ورافقناه، رجاء وأنا، نُؤنسه. يفكر بالعودة إلى المغرب بعد عامين، ويقترح عليّ الانتقال للعيش في المغرب. فكرة. ربما.

11 شباط

في جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس تَعاقبنا صباحاً على إلقاء ثلاث محاضرات تباعاً، أنا ثم حمزة ثم عز العرب لحكيم بناني، وهو أستاذ جامعي ومُفكِّر مغربي. قدم عميد الكلية بكلمة، وأدار النقاش الذي أعقب محاضراتنا القصيرة نسبياً، أقل من نصف ساعة لكل واحد، نقاش بدأه أساتذة جامعيون، وكان محفزاً على التفكير، وأفادني في الموضوع الذي تكلمت فيه: أجساد، انفعالات، وأفكار؛ ثم طرحَ بعضُ الطلاب، وكان أغلبُ الحضور منهم، سؤالين. تَوزَّعَ الطلبة مناصفة في تقديري بين الجنسين، وتوزعت الطالبات على محجبات وغير محجبات. الحجاب المغربي ليس له لون محدد، لكن لم أرَ حجاباً ملوناً، ولم أرَ طالبات منقبات، أو نساء منقبات في مدينة فاس.

هناك صورة للملك محمد السادس في كل قاعة محاضرات رأيتها، في قصر المؤتمرات البارحة، وفي الجامعة اليوم.

بعد الخامسة بعد الظهر خرجنا، ثمانية أشخاص، أربع نساء وأربع رجال، إلى فاس القديمة من جديد. النساء هُنَّ ليا، فرنسية من المعهد الفرنسي المشارك في تنظيم مواعيد الفلسفة؛ وحورية، فيلسوفة مغربية فرنسية؛ ورجاء بن سلامة؛ وهَنا، مغربية تعمل في المعهد الفرنسي كذلك، محجبة لكن حجابها يكشف مُقدّم شعرها. والرجال دومينيك، سويسري سبعيني؛ وبادو، سنغالي لا أستطيع تخمين عمره؛ ثم حمزة وأنا. تجولنا، والغرض الأول أن نزور جامع القرويين الذي لم نستطع زيارته البارحة بسبب الطاغية الإماراتي. كان علينا أن نخلع أحذيتنا، وهناك خيار أن ننتعلَ شحاطات خاصة نظيفة إن شئنا، أو نمشي حفاة في صحن الجامع وفي أروقته الكثيرة المتوازية. ولم يُسمَح للسويسري والفرنسية بالدخول لأنهما ليسا مُسلمَين. قلتُ لحارسين للمسجد إنه يمكن لغير المسلمين الدخول إلى الجامع الأموي في دمشق، لكنهما قالا بالدارجة المغربية كلاماً لم أفهمه كله، وما فهمته هو أن دخول المسجد مقصور على من يشهد أن لا إله إلا الله.

جامع القرويين- (Momed.salhi – Own work, CC BY-SA 4.0)

ثم إن هناك قسماً للنساء لا يجوز للرجال الدخول معهنّ إليه، ولا يُسمَح لهنّ بالدخول إلى القسم المركزي من المسجد العظيم بالفعل. وضعت رجاء وحورية (اسم الفيلسوفة المغربية الفرنسية) شاليهما على رأسيهما والتقطتُ لهما صوراً، الحجة رجاء والحجة حورية. الحجة رجاء قالت إن جامع القرويين نسبة إلى مدينة القيروان التونسية.

كان قراراً سديداً أن أصررنا على زيارة المسجد، العظيم بالفعل. بُدِئ ببنائه عام 245 هجرية، 859 ميلادية، أنفقت عليه «من حرِّ مالها» فاطمة الفهرية، في عهد السلطان الإدريسي يحيى الأول. جرى توسيع الجامع مرتين، في زمن الزناتيين ثم في زمن المرابطين.

قبل جامع القرويين، مررنا بمحل تُحف وخزفيات يمتلكه يهودي، قال إنه آخر اليهود في هذا السوق. الرجل سألني إن كنت والد حمزة، وردَّ حمزة أننا صديقان، فقال شيئاً لم أتبين مغزاه عن أننا نشبه الفاسيين القدامى. كان في الخمسين أو أكثر قليلاً. ومن متجره، قادنا دليل إلى صيدلية القرويين الذي قال إنها شُيّدت هي الأخرى عام 245 هجرية، وعمرها 1200 عام، وموادها من الأعشاب والنباتات، ورائحتها عطرة بالفعل. كنا في بداية جولتنا قد سرنا في حي الجلود في فاس القديمة، والرائحة هناك واخزة وليست مما تشتهي النفس.

وأثناء تجولنا مررنا بضريح الشيخ أحمد بن محمد التيجاني، ودخل شريكُنا السنغالي وصلّى فيه. دخلتُ أتعرّفُ على المكان. كان مَهيباً بدوره وإن أصغر من جامع القرويين، وكان لافتاً أن أغلبَ من كانوا فيه، يصلون أو مستلقين أو جالسين يقرؤون القرآن، من الأفارقة السود. الشيخ التيجاني من القرن السابع عشر من كبار ناشري الإسلام في أفريقيا، وله شعبية فيما يبدو بين الأفارقة المسلمين.

سألتُ حارس الضريح بعض معلومات عن الشيخ، فقال إنه من مواليد الصحراء. سألت: الصحراء الغربية؟ فصحح فوراً بحميّة: الصحراء المغربية الغربية!

كان التصحيحُ نافلاً، فبخصوص قضية الصحراء كنتُ مغربياً منذ سنوات اليفاع.

بعد أكثر من ساعتين من التجوال كان القوم جياعاً. رجاء وأنا لم نكن كذلك، فقد تغدينا غداءً وازناً مع حسن إبراهيم، وهو من منظمي مواعيد الفلسفة، وبرفقة لحكيم بناني. المطعم المفضل الذي قصدناه كان ممتلئاً. حاولت رجاء إقناعه باستقبالنا، وتحت أثر اللحظة قالت إنها شيخة طريقة. وأوضحتُ أنا أنها شيخة الطريقة العلمانية. لكن هذا لم يُجدِنا. وجدنا مطعماً ثانياً، وأقنعَنا حمزة بطلب طبق حريرة لكل منا، نحن غير الجائعين، بدعوى أنها ليست وجبة حقيقية. الحريرة نوع من الشورباء مع حمّص مسلوق وطحين وشعيرية وعصير البندورة. طيبة. ويؤكل بجانبها نوع من الحلوى، قالت رجاء إنه يسمى في تونس شباك الجنة.
تناول الآخرون وجبات حقيقية، وكان لافتاً بالنسبة لي إن هَنا وليا اللتين تعملان في المعهد الفرنسي تناولتا طاجين الدجاج بأصابعهما رغم سُخونته. قالت هَنا إن الطاجين يُؤكَل هكذا، وقالت ليا إنها تتناول الطاجين مثل المغاربة. يُستخدَم في الأكل إصبعان: الإبهام والشاهدة.

12 شباط

قصدنا بالباص الدار البيضاء، كازا اختصاراً لكازابلانكا، اسمها البرتغالي. الرحلة بين المدينتين تستغرقُ أربع ساعات، الدار البيضاء مدينة حديثة، يقول حمزة إنها تأسَّست عام 1912، أي عام الحماية نفسه. على النت معلومات تقول إنها شُيِّدت عام 1770 من قبل السلطان محمد بن عبد الله، وقبلها في المكان نفسه كان ثمة بلدة أمازيغية اسمها آنفا. لم تكن هناك مساحات غير خضراء طوال الطريق بفعل وفرة المطر في المغرب هذا العام، حتى أن فيضانات الشمال تسببت بمقتل 37 شخصاً في بلدة آسفي في الشمال وأُجليَ كامل سكان بلدة القصر الكبير. كان عدد من اللافتات الطرقية بالعربية والأمازيغية، التي بدت لي أبجديتها أشبه بالأحرف اليونانية.

وصلنا إلى المعهد الفرنسي، نحو عشرين شخصاً، وكان في استقبالنا آخرون، مغاربة وفرنسيون، أولهم إدريس كسيكس الذي كان قد بادر إلى دعوتي إلى مواعيد الفلسفة. إدريس أخذ يُنظّم بالتعاون مع المعهد الفرنسي مواعيد الفلسفة منذ ثلاثة أعوام، وله الفضل في تنويع المدعوين إليه بعد أن كان يقتصر في دورات أسبق على فرنسيين يدعون بدورهم أصحابهم الفرنسيين. كنت أتمنى حضوراً عربياً أكثر تنوعاً. رجاء وأنا كنا العربيين الوحيدين في المواعيد.

بعد غداء جماعي في فناء المعهد، قصدنا حمزة وأنا حيَّ الأحباس، حيث المكتبات، لآخذ فكرة عن الإصدارات الجديدة وربما شراء بعض الكتب، كان في بالي بخاصة أدب السجون المغربي الذي ذكر أحد الأستاذة الجامعيين عناوين مؤلفات تندرج ضمنه وأسماء مؤلفيها تعليقاً على محاضرتي صباح الأربعاء في جامعة سيدي محمد بن عبد الله، مؤسس المدينة. قصدنا بداية المركز الثقافي العربي الذي كان ناشرَ كتب عبد الله العروي، وطلبتُ كتاب المغرب والحسن الثاني، لكن يبدو أن هذا الكتاب لم يُنشَر بالعربية قط، لا مُؤلِّفهُ تَرجمَهُ مثلما فعل مع عدد من كتبه الأخرى، ولا أحدٌ غيره فعل. اشتريتُ كتاباً لطه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، لأجدد معرفتي المحدودة بعمله. قصدنا مكتبة أخرى مجاورة، كبيرة، دار الطالب الحديثة للكتاب، ولم أشترِ شيئاً. قيود الميزانية وسِعةُ حقائبي تحدّان من حريتي في الشراء. مكتبة ثالثة أخذتُ منها رسائل من السجن لعبد اللطيف اللعبي. وفي الحي نفسه مكتبات كثيرة لكتب دينية تذكر بالمكتبات الدينية في حي الحلبوني بدمشق. وعلمَ حمزة من تقصِّياته أننا يمكن نجد كتاب أحمد المرزوقي: تزمامارت، الزنزانة رقم 10، في المركز الثقافي للكتاب، وهو على بعد نحو ربع ساعة مشياً من حيث كنا في الأحباس. سرنا إليه مررواً بحي شعبي فقير، لفتني فيه أن الثياب المغسولة تنشر على مناشر في الشارع خارج البيوت، وطلب منا أحد المتسولين صدقة، مُستخدِماً هذه الكلمة.

كان المركز الثقافي للكتاب مغلقاً، وبدافع من الإحباط أكثر من الفعل القصدي قرعتُ على الباب الزجاجي بيدي، فإذا بشخصين، شابين، يفتحان لنا. كان دليلي ورفيق مشاويري حمزة قد حَدَّثني أن صاحب هذه المكتبة سوري الأصل، وأنها حصيلة انفصال عن المركز الثقافي العربي الذي يديره مغربي لبناني الأصل رد عليّ بلهجة مغربية حين سلمتُ وسألتُ عن بعض الكتب. وهو ما حدثَ كذلك في المركز الثقافي للكتاب. وجدتُ إصدارين حديثين للعروي: الفلسفة والتاريخ الصادر بترجمة المؤلف نفسه عام 2023 (هناك نسخةٌ أبكر صدوراً من الكتاب نفسه عن الناشر نفسه بترجمة عبد السلام بن عبد العالي، بين الفلسفة والتاريخ)، ثم ترجمة العروي نفسه لـ رسالة اللاهوت والفلسفة لسبينوزا. قرأت صفحة في المكتبة من الكتاب الأول، ووجدته مزيجاً من السيرة والتحليل الفكري والمفهومي، فأخذته، وكذلك رسالة سبينوزا، كلاهما بتجليد فني أنيق. وجدتُ عدداً من الأعمال الأدبية للعروي لم أكن أعرف منها غير الغربة واليتيم، اللتين لم تتركا لدي انطباعاً مميزاً. حمزة يرى أن أعمال العروي الأدبية متواضعة، ولستُ بعيداً عنه في الرأي.

ولم نجد هنا أيضاً كتاب مرزوقي عن تزمامارت. لكن أخذتُ من هناك كتاباً لعبد الإله بلقزيز الذي كان آخر ما قرأته له قبل سنوات مقالة في صحيفة إماراتية يمتدح بوتين فيها ويناصر نظام بشار الأسد. الكتاب الذي أخذته له عن الربيع العربي، بغرض تحديث معرفتي كذلك بعمله. قرأتُ فيه أثناء السفر ووجدتُهُ مرافعة ضد الربيع العربي، لا تُحيل إلى أحد، ولا تناقش أعمالاً مكتوبة، ولا تُورِدُ تفاصيل ومعطيات موثقة، ولا تذكر أي مَراجع.

كنتُ عرّفتُ أحد الشابين العاملين في المكتبة على نفسي كسوري، وعلمت أنه ابن الناشر وصاحب المكتبة السوري، ولم يكن يتكلم غير اللهجة المغربية. ساعدَت المسلسلاتُ السورية التي حازت قدراً من الشعبية في المغرب في تسهيل التفاهم بين سوري مثلي ومغربيين مثل الشابين. وبينما كنا ننظر في الكتاب، خرج إلينا رجل من جيلي أو أكبر قليلاً، عَرَّفنا أنه مؤسس دار النشر هذه، وهو اليوم ناشرُ أعمال العروي، وبحلة مميزة حقاً. اسم الرجل بسام كردي، دمشقي الأصل، يبدو أنه ولدَ في المغرب أو جاء إليه صغيراً جداً. قال إنه في المغرب منذ 65 عاماً. صباح اليوم التالي كنتُ أبحثُ عن مواد على النت عن بسام كردي، وعرفت أنه يعمل في مجال النشر منذ عام 1977، وأن عمره وقتها 18 عاماً، ومن بين ما سمعت منه وصفه العروي بأنه «ديناصور الفكر العربي»، قال العبارة بتقدير. في المكتبة، سألته إن كان يعرف العروي شخصياً، فبدا أنه أخذ على خاطره من هذا السؤال الجاهل. ردَّ بأنهما يلتقيان أسبوعياً. رجوته أن يسلم لي عليه، وذكرتُ له اسمي. وندمتُ بعد قليل أني لم أسأله إن كان يمكن أن أحضرَ لقاءهما الأسبوعي. يُستبَعدُ أن يأتي ردٌّ إيجابي، حتى لو لم يكن وقتي في الدار البيضاء محدوداً. تذكرت ردَّ الراحل صالح بشير الذي كان يعيش في المغرب أيام انطلاق الأوان حين اقترحت عليه إجراء حوار مع العروي للموقع. قال صالح: أسهل أن تلتقي بإمبراطور الصين من أن تلتقي بعبدالله العروي! كان العروي وقتها سبعينياً، وهو اليوم تسعيني، أمدَّ الله في عمره.

عبد الله العروي (Ana Gonzn, CC BY-SA 4.0)

ومن هناك ذهبنا إلى مكتبة الشبكة العربية للأبحاث، وأخذت منها كتاباً أغراني عُنوانه دون أي معرفة سابقة بمؤلفه. في العنوان كلمات الدولة والسجن والمنفى. اشتريته رغم أن تَصفُّحَ الفهرس لم يكن مشجعاً.

وفي كل هذه المكتبات، تُوضَع الكتب في أكياس من السللوز الذي أُقدِّرُ أنه صديق للبيئة، وليس من النايلون، مثلما هو الحال في سورية. هناك قرار حكومي في هذا الشأن، بحسب مرجعي الموثوق حمزة. ليس النايلون عدواً للبيئة فقط، ولكنه مسؤول عن غير قليل من قُبح شوارعنا وأفنية أحيائنا وبلداتنا. حَظرُهُ واجب بيئي وجمالي.

على أن بعض مُشترياتي في فاس القديمة وُضِعت في أكياس نايلون مؤسفة.

وفي هذه المكتبات كلها لم أرَ كتاباً واحداً لي.

أودعتُ الكتب في غرفتي، وفي الخامسة بعد الظهر أخذونا في الباص إلى «استقبال»، حلوى وأطعمة مغربية خفيفة، والشاي المغربي الأخضر، ثم إلى مدرج كلية الطب، حيث أُلقِيَت كلمات مُرحِّبة، ومُنِحت جوائز لثلاث طلاب، طالبة وطالبين، شاركوا في مسابقة فلسفية. وجرى الكلام طوال الوقت بالفرنسية، ونصيبي منها متواضع. كنتُ أخذتُ كتاب العروي الفلسفة والتاريخ ورحتُ أقرأ فيه.

قال حمزة إن أبويه سيأتيان لرؤيتنا والتعرُّف علي. أَسعدني ذلك بالفعل. لسي حسن وللا سميرة ابن واحد هو حمزة، ولسي حسن ثلاثة أبناء من زواج سابق. وقد جلبا لي كتاباً هدية: النقد الذاتي لعلّال الفاسي. أعرفُ القليل عن مؤسس حزب الاستقلال المغربي، ومن خلال عمل عبدالله العروي حصراً. كانت للا سميرة مناضلة يسارية، وتقدّر المفكر والمناضل السوري ياسين الحافظ. كان لديها كتابه الهزيمة والإيديولوجية المهزومة، وقد استعاره منها رفيق تونسي ولم يرجعه، وما زال ذلك يحزّ في نفسها. كان حمزة قد روى الواقعة أمام رجاء التي سبق أن زارت الغرب مرات، وكانت معنا كذلك وقت اللقاء بسي حسن وللا سميرة. كنتُ سألتُ سي حسن عن اسم ابنه الأكبر، أسامة، لكن في المغرب لا يُكنى الآباء والأمهات بأسماء أبنائهم الأكبر مثلما في المشرق. ويبدو أن كلمة سي اختصار لكلمة سيد العربية، بينما للا كلمة أمازيغية تعني السيدة.

أنشطةُ مواعيد الفلسفة مستمرة حتى منتصف الليل، وكنتُ مرهقاً وأريدُ العودة إلى الفندق، وكان هذا تفضيلَ رجاء كذلك. أصرَّ سي حسن أن يوصلنا، وأن أجلس أنا، الضيف، في المقعد الأمامي إلى جانبه. القوم لُطفاء وكُرماء جداً حقاً.

قضينا ساعة نتحدث، رجاء وأنا، في بار الفندق. لقد صرنا صديقين. وصادفَ أن كانت تجري مباراة بين ناديي برشلونة وأتلتيكو مدريد، سُجِّلَ على الكتالانيين أربعة أهداف في الشوط الأول، وبها انتهت المباراة. كانت عيني تنخطف إلى الشاشة، وزعمتُ أني غير مهتم حين سألتْ رجاء إن كنتُ أريدُ متابعة المباراة. في المحصلة، شاهدتُ المباراة تَلصُّصاً.

13 شباط

في التاسعة صباحاً تجمّعنا في بهو الفندق متجهين إلى الرباط في باصين، باص الأكثرية متجه إلى محاضرة عن ابن رشد والنهضة تجري بالفرنسية في إسيسكو، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم، وباص الأقلية إلى الفندق. كنتُ من الأخيرين، لأني كنتُ أُخطِّطُ لكتابة هذه اليوميات (لم أفعل البارحة)، وللذهاب مع حمزة بعد الظهر إلى مكتبات الرباط، ثم لإلقاء مشاركتي الثالثة والأخيرة في المواعيد مساء اليوم، وفضّلتُ تَجنُّبَ الإرهاق في يوم طويل.

لم نذهب إلى المكتبات، كان الجو بارداً وحمزة مشغولاً، فبقيتُ في الفندق.

في الخامسة أخذنا المنظمون إلى كلية العلوم في جامعة محمد الخامس في الرباط، التي تتوفر على قاعات كافية لستة أنشطة مُتزامنة تبدأ في السابعة، وتتعاقب كل ساعة لتنتهي منتصف الليل. القاعات هنا على أسماء مشاهير من علماء المسلمين القدامى: ابن الهيثم، البيروني، الرازي، وأظن أن اسم واحدة منها كان ابن بطوطة، وليست مرقمة مثل قاعات قصر المؤتمرات بفاس. وهنا في كل قاعة تُقدَّمُ أربع محاضرات متعاقبة.

حضرتُ في البداية حواراً جرى بين نبيل فازيو، وهو مثقف مغربي أربعيني، له عندي كتاب اسمه دولة الفقهاء، والدكتور محمد نور الدين أفاية عن «سياسة الموت»، المفهوم الذي يقابل السياسة الحيوية عند فوكو، والذي جعل منه أشيل مبمبه عنوان كتاب له. كان اسم الدكتور أفاية مألوفاً لي من أيام مجلة الوحدة التي كانت تصدر في النصف الثاني من الثمانينات، وتصلُ إلينا في سجن المسلمية في حلب. كتب في المجلة التي كانت مُصوَّرة أكثر المثقفين السوريين (إلياس مرقص، جورج طرابيشي، برهان غليون، محي الدين صبحي…) والعربِ المعروفين وقتها.

خُصِّصَ لكل منا، نحن المحاضرين، طالب من الجامعة يُقدِّمهُ، ويسمى السفير. كان اسم سفيري نجم الدين. سألته إن كان قرأ لي شيئاً، فردَّ بصراحة أنه لم يفعل، وأوضح على الفور أن جيله يشاهد ولا يقرأ. لكنه استدرك بأنه يعرف ما سيقوله عني.

بدأتُ أنا في التاسعة وانتهيتُ في العاشرة، وكان عليّ اختصار محاضرتي من أجل إفساح مجال للنقاش الذي لم يُلهمني بشيء لتطوير مادتي عن الحكم اليدوي عند نشرها ذات يوم. جاء أحد التعليقات من شاب متدين ينتصرُ لحاسة السمع على حاسة البصر، مُعلِّقاً على ما قلته عَرَضاً في المحاضرة عن إن الإسلام ومثله اليهودية ديانة سمعية، وأن المسيحية ديانة بصرية، في صيغتيها الكاثوليكية والأرثوذكسية على الأقل. بعدي ألقت رجاء بن سلامة محاضرة مُبتكَرة في مضمونها وأسلوبها، قدمت فيها عدة تنويعات على أمثولة القنافذ لشوبنهاور: في البرد تتقارب القنافذ فتنخزُ وتُؤلِمُ بعضها، فتتباعَد لكنها تبرد، فتتقارب من جديد إلى أن وجدت التقارُب الأمثل الذي يضمن أكبر قدر من الدفء وأقلَّ قدر من الألم. التنويعات ظريفة بالفعل، وآخرها كانت عن اكتشاف القنافذ لمرآة كبيرة مضيئة، صارت ترى فيها صورتها وينال الواحد منها انتباهاً أكبر كلما أصدر أصواتاً أعلى أو قام بحركات أغرب. كَنّت بذلك عن الشبكات الاجتماعية واقتصاد الانتباه الذي تستهلكه الإثارة، ليس الحقيقة ولا الجمال ولا الخير… ولظرافة هذه التنويعات تُفكِّرُ رجاء في نشرها في كتاب خاص للأولاد. وأعقبَ محاضرتها نقاشٌ بدا لي مفيداً جداً من وجهة نظر موضوعها.

كنتُ أَخرجُ من القاعة حين استوقفني الشاب المتدين وأعطاني ورقة كُتِبَ على ظاهرها هدية من… وأضافَ اسمَه. وجدتُ على باطن الورقة عنوان كتاب لفريد الأنصاري كان الشاب قد ذكره حين علّق عليّ: الصورة عند فريد الأنصاري، مقدمة كتاب جمالية الدين: معارج القلب إلى حياة الروح. شكرته بحرارة واحتفظت بالورقة.

عدتُ إلى الفندق مع آخرين، بينهم حمزة وبولين، حيث قضينا بعض الوقت في بار قريب. قال حمزة إنه كان بار اليسار المغربي في زمن سبق.

14 شباط

التقينا، حمزة وأنا، في الثانية عشر وخرجنا نجول على بعض مكتبات الرباط، نبحث عن كتاب فريد الأنصاري، وكذلك عن كتاب تزمامارت للمرزوقي. لم نجد أياً منهما في أربع أو خمس مكتبات في شارع محمد الخامس الذي يقع فيه البرلمان المغربي، وقد كُتب اسمه بالعربية والأمازيغية؛ ومكتبة كليلة ودمنة وغيرها. في مكتبة دار القراءة، اقتُرِحت علينا مذكرات محمد الرايس: من الصخيرات إلى تازمامارت، تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم، وقرر حمزة أن نأخذه. سرنا نحو المحيط الأطلسي الذي يبدو القسم الأقرب إلى البر منه مُعتكِرَاً صاخباً بني اللون، بينما يلوح على بعد مئات الأمتار ماء البحر الأزرق، كأن شخصاً رسم الحدود بينهما بالقلم، كأنما «بينهما برزخٌ لا يبغيان».

سِرنا قليلاً في أودايا، وهي منطقة جميلة، سياحية، بين سور الرباط وماء وادي الرقراق المتصل هنا بالمحيط. الوادي غزيرُ الماء هذا العام بأثر وفرة الأمطار، ولعلَّ هذا المصب هو ما يفسر لوني ماء المحيط، البني القريب والأزرق البعيد. شربنا الشاي المغربي الأخضر بالنعنع، وهو يُصَبُّ من إبريق ذهبي اللون، يُرفَع عالياً فوق الكاس، واستأنفنا السير عبر مْدينة بأسواقها المسقوفة التي تذكر كثيراً بسوق الحميدية في دمشق، مسقوفة مثله، ومقسمة إلى محلات صغيرة أو أكبر قليلاً مثله، وتبيع للسياح أشياء متنوعة، أكثرها تقليدية. وعبر شارع القناصل المسقوف بدوره وصلنا إلى حي شعبي، ولاحظ حمزة أنه في أحياء شعبية مغربية هناك كثير من «البيران» (البارات) يتناول فيها الناس، الرجال، مشاريب كحولية رخيصة. قلت إن هذا غير ممكن في سورية في أحياء شعبية. كان مَقصَدُنا المرور بساحة الجولان، وبتداعي الكلمات استذكرنا أبو محمد الجولاني الذي تمازحنا بأنه ربما جاء من هنا. كنا نمشي منذ ثلاث ساعات تقريباً، فلم نَجُلْ في الساحة، ولم أَتبيَّن إن كان ثمة لوحة تشرح متى أُطلقت هذه التسمية على الساحة أو سببها.

شارع القناصل (M3allemBennay, CC BY-SA 4.0)

تذكرتُ هناك التجريدة المغربية التي أُرسلت إلى جبهة الجولان السورية قبل حرب تشرين الأول 1973، وظلت هناك لنحو عام. شاركت التجريدة في الحرب واستشهد بعض مقاتليها.

على باب الفندق علمنا من إيفا، إحدى المُنظِّمات من جهة المعهد الفرنسي، أن إدريس وسليمان بشير وآخرين في مقهى الفندق في الطابق الخامس، قصدهم حمزة فوراً، وانضممتُ إليهم بعد دقائق. سليمان بشير مفكر سنغالي شهير جداً في عالم اليوم، كنتُ سمعتُ باسمه قبل أشهر، ويؤسفني أني لم أقرأ له شيئاً بعد. الرجل طويل، نحيل، دافئ الابتسامة، يبدو في السبعين، وهو مسلم مؤمن، ويبدو على دراية واسعة بالفلسفة الغربية كما بالفكر الإسلامي.

اتفقنا مع رجاء أن نمرَّ عليها في فندقها القريب، وكنتُ جائعاً، لكن ظهر أن رجاء تغدّت وحمزة الذي يعيش على الطاقة الشمسية نهاراً لا يأكل إلا مساء، وكنتُ عبّرتُ عن سخطي على زيارة المغرب دون تناول الكسكس، لكن لم يكن لي نصيب في ذلك. المطعم الذي قصدناه، ومعنا إدريس، كان مغلقاً، بعد أن فات وقت الغداء. واقترح حمزة مطعماً آخر على بعد عشرة دقائق سيراً. قصدناه، رجاء وحمزة وأنا، بعد أن فارقنا وودّعنا إدريس، وتناولتُ مأكولات بحرية مقلية، كان يمكن أن تكون أطيب. بعناد شديد أراد حمزة أن يدفع، وبتسوية دفع نصف ثمن غدائي. وفي طريق عودتنا لمحتُ عبر زجاج فترينة مكتبةِ كليلة ودمنة جزءان من خواطر الصباح لعبدالله العروي، فاشتريتُهُما. المجلدان يوميات شخصية سياسية للمفكر والمؤرخ المغربي، يتضمن أولهما الفترة بين 1974 و1981، والثاني بين 1982 و1999. مازحتُ حمزة بأنه لم يدفع ثمن الكتابين، رغم أني ضيفه وفي بلده.

فقط بعد عودتي إلى برلين اكتشفت أن خواطر الصباح ثلاثة أجزاء، وأن أولها يتكلم على الفترة بين 1967 و1973، زمنٌ مهم جداً. بعد العودة كذلك، تذكرت تشبيه حمزة للبلدان المغاربية الثلاثة بالملعقة والشوكة والسكين حين كنتُ أقرأ في الجزء الأول من خواطر العروي. يقول: «من طبع الجزائري العناد وعدم المرونة، عكس التونسي». وبينما يأخذ العروي على المغاربة وحكومتهم أشياء متنوعة، الجمود وسوء التدبير وقلة العقلانية، فإنه يظهر في الكتاب وطنياً مغربياً، وهو نفسه يستخدم التعبير في وصف بعض مواقفه ودوافعه. تتكرر شكوى العروي في خواطره من كثرة الأزبال في الأحياء، ومن قلة المطر، شكاوى يمكن أن يقول مثلها سوري.

واقعُ ما رأيت من المغرب اليوم يبدو أفضل من ناحية النظافة. الرباط مدينة نظيفة جداً، وفاس نظيفة، وكذلك الدار البيضاء. ولا تشاهد «أزبالاً» حتى في الأحياء الأفقر، وإن لم تكن بالنظافة نفسها. أبديتُ هذه الملاحظة البارحة بحضور الدكتور أفاية، فقال إن وراء الأمر قرار سياسي من أعلى سلطة، الملك، برعاية خاصة لبعض المدن. الرباط واحدة منها، ومراكش، الدار البيضاء بقدر ما. وأضاف حمزة لاحقاً، الصويرة.

كنتُ قد مشيت نحو 11 كم هذا اليوم، وهي مسافة لم أمشِ مثلها منذ عامين أو أكثر. قال حمزة إنه ربما يمشى 15 كم في اليوم.

15 شباط

أخذتني سيارة إلى مطار البيضاء، بحسب ما وجدت العروي يسمي الدار البيضاء في خواطره، حيث سأنضمُّ إلى حمزة الذي قضى آخر مساءٍ مغربي له مع أبويه في المدينة، أكبر مدن شمال أفريقيا بعد القاهرة. نسافرُ معاً إلى بروكسل.

في المطار لفتَ انتباهي ترجمة Boarding إلى العربية بإركاب. عبّرتُ عن إعجابي بالترجمة التي لم تخطر لي من قبل على بال، قلتُ إنها أول مرة أرى فيها هذه الكلمة. ولم أنتبه إلى أن ترجمة Checking in كانت «تسجيل» بحسب حمزة. ما هي ترجمة التعبيرين في سورية؟ سألني. قلتُ إني لا أعرف. لم يحدث قط أن سافرت بالطائرة من دمشق أو إليها.