
لافتة تحمل صورة علي خامنئي في طهران | أ.ف.ب
محمد سيد رصاص، مزكز الدراسات الكردية
كان وصول الخميني للسلطة في إيران عام 1979 بمثابة زلزال في لوحة المنطقة، ظلت توابعه وارتداداته تفعل فعلها لعقود من الزمن في تشكيل اللوحة الإقليمية. وكثير من الذين رحبّوا بسقوط شاه إيران، من العروبيين والقوميين الكرد والماركسيين، خابت توقعاتهم التي وضعوها على الخميني. والشيء نفسه رأيناه في الداخل الإيراني، لما تحالف معه في الثورة ضد نظام الشاه قوى ليبرالية وشيوعية وقومية من الفرس والكرد والعرب والأذريين، إضافة إلى رجال دين معتدلين، ثم فتك الخميني بهم جميعاً.
يمكن للإيراني أن ينظر للنظام من خلال مواضيع الحريات أو الاقتصاد أو عبر موضوع الحقوق الخاصة بالقوميات، لكن ابن المنطقة الممتدة من باكستان إلى شرق البحرين المتوسط والأحمر لا يمكن أن ينظر للنظام الإيراني، الذي بناه الخميني ثم خلفه علي خامنئي في قيادته منذ عام 1989، من خلال التغاضي عن تداعيات الزلزال الإيراني في رسم لوحة جديدة للمنطقة، أولاً من خلال وصول إيران إلى وضعية القوة الإقليمية العظمى في فترة 2003 – 2014 عبر سيطرتها على عواصم بغداد وبيروت وصنعاء وتتبيعها نظام بشار الأسد في فترة 2013 – 2024، وتحولها إلى مؤثر كبير في القضية الفلسطينية من خلال تحالفها مع حركة حماس التي سيطرت على قطاع غزة منذ عام 2007. كما أن النظام الإيراني، ثانياً، من خلال محاولته السيطرة على الأحزاب والحركات الشيعية في المنطقة قد أصبح لاعباً كبيراً في دواخل بلدان مثل العراق ولبنان واليمن وأفغانستان، وهو ما أشعل نيران صراعات شيعية – سنية في عموم المنطقة، ثم أنه، ثالثاً، من خلال تدخله في الحرب السورية ما بين عامي 2013 و2024 لصالح نظام بشار الأسد، عبر مستشارين عسكريين إيرانيين ومليشيات شيعية موالية له من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان، قد أنشأ وضعية من الحرب العالمية الشيعية – السنية على الأرض السورية، وذلك عندما كان الإيرانيون وحلفاؤهم في تجابه مع تنظيمات عسكرية إسلامية سنية سورية معارضة رفدها مقاتلون أجانب قدموا بعشرات الآلاف من عشرات البلدان.
يمكن النظر للنظام الإيراني من مناظير إضافية: المنظار الكردي حيث الاضطهاد الذي عاناه كرد إيران فاق بعهدي خميني وخامنئي ما شهدوه في العهد الشاهنشاهي، كما أن طهران كانت عائقاً كبيراً من خلال حلفائها الحاكمين في بغداد ما بعد صدام حسين أمام نيل كرد العراق مطالبهم القومية. ثم المنظار الخليجي حيث لولا البعبع الإيراني ما كان ممكناً ولادة (مجلس التعاون الخليجي) عام 1981، ولا دعم دول الخليج للعراق في حربه ضد إيران 1980 – 1988، ولولا رؤية أن الحوثي هو امتداد إيراني لما كان للسعودية أن تبدأ حربها في اليمن بعد ستة أشهر من سقوط صنعاء بيديه في أيلول/ سبتمبر 2014. ويمكن هنا ثالثاً تأمل كيف نشأ اتجاه سياسي، وحتى فكري – سياسي، عند بعض العرب، وخاصة في أبوظبي والرياض، بتأثير اتفاق أوباما مع خامنئي بشأن الملف النووي الإيراني عام 2015، والذي عارضته العاصمتان وتلاقتا في ذلك مع تل أبيب، وهو اتجاه انبنى على قاعدة “تحالف المتضررين”من ذلك الاتفاق، الذي رأوه يعطي خامنئي، مقابل تحديد سقوف النووي الإيراني، غضّ نظر أميركي عن التمددات الإيرانية في الإقليم. ويجب هنا تذكر أن “الاتفاقات الإبراهيمية” التي عقدتها الإمارات والبحرين مع إسرائيل عام 2020 كانت تحظى برضا ضمني سعودي، وأن الرياض كانت قاب قوسين أو أدنى من التطبيع مع تل أبيب في الأشهر السابقة لعملية 7 أكتوبر 2023 والتي رأى الكثيرون ومنهم واشنطن أن أحد أهدافها عند حماس ومن خلفها إيران هو تخريب التطبيع السعودي – الإسرائيلي.
يمكن أيضاً النظر إلى النظام الإيراني من منظار أنه كان إشارة البدء لموجة الإسلام السياسي في عموم المنطقة الممتدة من إسلام آباد إلى الرباط ومن إسطنبول إلى عدن، والتي كانت بشكل أصولي إسلامي سني وشيعي بفترة 1979 – 2013 ثم بشكل سلفي جهادي منذ عام 2014، وبالنسبة إلى تلاقيات الخمينية مع جماعة الإخوان المسلمين، وهي ذات جذور فكرية – سياسية، فإنها لم تُترجم فقط في فلسطين مع حركة حماس، بل يمكن تلمسها في العراق من خلال علاقة حزب الدعوة مع الحزب الإسلامي العراقي، وأيضاً يمكن رؤيتها في لبنان من خلال علاقة حزب الله مع الجماعة الإسلامية هناك.
هذه المناظير كلها تقودنا إلى رؤية بأن نظام الخميني – الخامنئي ليس نظاماً عادياً مثل الأنظمة التي اعتادت المنطقة عليها، بل هو نظام صاحب مشروع، مثل نظامي محمد علي باشا في مصر القرن التاسع عشر ونظام جمال عبدالناصر، والأنظمة الثلاثة ذات طابع عابر للحدود، وتملك استقلالية القرار، وعندما تتحالف مع قوى دولية كبرى تحاول تقوية نفسها عبر ممر شقوق التناقضات الدولية، كما فعل محمد علي باشا مع فرنسا ضد بريطانيا أو عبد الناصر مع الأميركان ضد البريطانيين بين عامي 1952 و1955 ثم مع السوفيات حتى وفاته عام 1970. والخميني في أثناء الثورة أوحى للأميركان بأنه حليف ممكن ضد الكرملين الذي تمدد حلفاؤه في إثيوبيا 1977 واليمن الجنوبي 1978 وأفغانستان 1978، وإلا ما كانت واشنطن تسمح لباريس بأن تصبح مركز قيادة الخميني للثورة الإيرانية. وخامنئي كان في تحالف صريح مع الأميركان في أثناء حربي أفغانستان 2001 وعراق 2003، وكان الأميركان يفكرون بأن ممر كابول – طهران – بغداد هو الجدار الذي يمنع الصين من التمدد نحو الشرق الأوسط وأوروبا.
في الحقيقة أن دونالد ترامب هو أول أميركي اكتشف كلفة “الزواج الأميركي مع إيران” الذي عقده جورج بوش الابن في بغداد، ثم باراك أوباما بالاتفاق النووي، لذلك سحب عام 2018 التوقيع الأميركي على الاتفاق، وهو ما حاول جو بايدن إعادة إحيائه من خلال مفاوضات مع الإيرانيين عقدت في فيينا بعامي 2021 و2022، قبل أن يكتشف بايدن تحالف إيران مع روسيا في حرب أوكرانيا، وقبل أن يتلمس البصمات الإيرانية في عملية 7 أكتوبر 2023.
على الأرجح أن الطلاق الأميركي – الإيراني قد بدأ في كييف ثم استُكمل في غزة. وضرب أذرع إيران في غزة ولبنان ثم حرب الـ 12 يوماً في يونيو 2025 على إيران هي من مستتبعات هذا الطلاق. ويوحي ترامب، من خلال تعامله مع خامنئي بعام 2026، بأنه يريد إنهاء وتصفية المشروع الإيراني في المنطقة، وحصر النظام الإيراني في الداخل، وترك هذا النظام يتخمّر ويُفرز اتجاهات “مناسبة” بعد تحجيمه وحصره في الزاوية الداخلية الضيقة، إما بعد إجباره على تنازلات كبرى في المفاوضات التي تجري على إيقاع حاملات الطائرات الأميركية، وإما بعد تلقيه ضربة عسكرية ساحقة.