(مجوب بن بلة)
لم تعد تحوّلات القوة في عصرنا تُقاس بعدد الرؤوس الحربية أو بمدى الصواريخ فحسب، وإنما، وبشكل أكثر دقّة، بدرجة اندماج العلم في البنية العميقة للقرار السياسي، فالأحداث الجارية، من التصعيد العسكري الأميركي الإسرائيلي ضدّ إيران، وما رافقه من استخدام مكثّف لتقنيات وأسلحة لا نعلم عنها شيئاً، والعمليات الاستخباراتية المركّبة العابرة للحدود، لم تعد تُفهم بوصفها وقائع منفصلة، بقدر ما تعدّ مؤشّرات على طور جديد من تاريخ العنف المنظَّم، فلم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، وإنما امتدادٌ تقني لإدارة الصراع. المتابع للأخبار يدرك أن المفردات العسكرية الحديثة تغيّرت، وأصبحت تدور حول “الاغتيالات” و”الردع المرن”، و”الضربات المحدودة لاختطاف رؤساء”، و”العمليات السيبرانية”. هذه اللغة ليست حيادية؛ إنها تعكس انتقال العنف من الفضاء الصاخب إلى الفضاء المحسوب، حيث تُدار الصراعات ضمن عتبات مدروسة، وتُنفَّذ عبر أدوات عالية الدقّة تتيح تحقيق أهداف استراتيجية من دون الانزلاق إلى مواجهة قد تسبّب خسائر للمهاجمين. وهنا تتجلّى المفارقة التاريخية: فكلما ازدادت دقّة الوسائل، ازداد غموض الإطار الأخلاقي الذي تُستخدم ضمنه. في الحرب الحالية على إيران، لم يعد التفكير منصبّاً فقط على طبيعة الضربات أو تقنيات التتبع والاستهداف، بقدر ما تكشف هذه الأدوات تحوّلاً في طبيعة السيادة ذاتها. فالقدرة على الوصول إلى أهداف محدّدة بدقّة تكنولوجية فائقة، عبر منظومات تعتمد على الذكاء الاصطناعي والاستطلاع المتعدّد الطبقات، تعني أن الجغرافيا لم تعد الحاجز التقليدي الذي عرفته الدول في القرن العشرين. لقد أصبح المجال العملياتي متداخلاً، فتُختصر المسافات عبر الأقمار الاصطناعية، والطائرات المسيّرة، والبنية الاستخباراتية الرقمية، في مشهد يختزل قروناً من تطوّر الحرب في بضعة عقود.
وقد تزامن هذا التطور مع تآكل ملحوظ في الهيبة الأخلاقية للنُّخب السياسية عالمياً. فبينما تُنفق مليارات على تطوير أنظمة تسليح فائقة التعقيد، تتكشّف في المجال العام قضية إبستين مرآة لشبكات نفوذ متداخلة تمسّ دوائر سياسية ومالية وإعلامية في عدة دول. واستحضار هذه القضية الآن ضرورة قصوى لأي قراءة بنيوية تحاول معرفة وتحليل من يدير هذه الحروب ذات الأسلحة الفتّاكة، وحين تنكشف شبكات استغلال جنسي للأطفال مرتبطة بنُخب قادرة على التأثير في القرار العالمي، فإن السؤال الأخلاقي لا يعود هامشياً، بقدر ما يصبح جزءاً من تحليل بنية السلطة ذاتها، ولا يمكن تجاهل هذا التوازي الزمني: ثمّة تطوّر مذهل في القدرة التقنية للأسلحة الفتّاكة، يقابله انكشافٌ فادحٌ لأزمات أخلاقية قذرة في النُّخب الممسكة بهذا السلاح. هنا لا نتحدّث عن انحرافات فردية بقدر ما نتحدّث عن مناخ يمكن تعميمه بشكل أو بآخر على النُّخب السياسية الحالية. لقد تآكلت المساءلة الأخلاقية تماماً، واندمجت هذه اللوثة الأخلاقية في بنية السلطة وتشابكاتها العابرة للقارّات. ويعلّمنا التاريخ الحديث أن التقدّم العِلمي بحدّ ذاته لا يحمل أي ضمانة أخلاقية. مشروع مانهاتن الذي أفضى إلى القنبلة النووية كان ثمرة عبقرية عِلمية استثنائية، لكنّه فتح أيضاً الباب أمام سؤال أخلاقي لم يُغلق: هل يمكن للعلم أن يبقى محايداً حين يُدمج في بنى القوة؟ وفي عصرنا، إذ تُطوَّر خوارزميات الاستهداف، وأنظمة المراقبة الشاملة، وتقنيات الحرب غير المتماثلة، يعود السؤال ذاته بصيغة أكثر تعقيداً. فالعالم لم يعد يواجه خطر السلاح الأقوى، بقدر ما يواجه خطر القرار المتهوّر الأسرع، المدعوم بتحليل بيانات لحظي، وتقنيات تقلّص زمن التأمل الأخلاقي إلى حدّه الأدنى. المتابع للأحداث اليومية يلاحظ أن الخطاب السياسي العالمي يميل إلى تبرير كلّ تصعيد تقني بمفردات فارغة خطابية عن الأمن والضرورة والردع، تُنتج مع الزمن ما يمكن تسميته “التطبيع الأخلاقي للعنف التقني”، فتُقدَّم العمليات الدقيقة بوصفها بدائل “أقلّ ضرراً”، ويتراجع النقاش حول حقّ اللجوء إلى القوة أصلاً، وفي هذا الإطار، يصبح الربط بين التقدّم العِلمي العسكري والانحدار الأخلاقي للنُّخب قراءة تاريخية للمرحلة. فالتكنولوجيا العسكرية المعاصرة تتطلّب مستويات عالية من التنظيم، والتمويل، والتعاون بين مؤسّسات سياسية وعِلمية واستخباراتية. وإذا كانت هذه المؤسّسات نفسها تعاني أزمات ثقة، وفضائح أخلاقية، وتآكل في الشفافية، فإنّ توظيفها تقنيات فائقة القوة يطرح إشكالية مضاعفة: قوة متزايدة في يد شرعية أخلاقية متراجعة.
الحرب الجارية اليوم على إيران، وقبلها ما حدث في فنزويلا، والانكشافات الأخلاقية الكبرى التي جسّدتها قضية إبستين، لا تنتمي إلى مجالات منفصلة، كما قد يبدو في الأخبار اليومية، نحن اليوم في عالم يتقدّم عِلمياً بسرعة غير مسبوقة، بينما تتعرّض أسسه الأخلاقية لاختبارات متكرّرة. وفي هذا التوتّر البنيوي بين القوة التقنية والهشاشة الأخلاقية، يتحدّد أفق عصرنا بوصفه قرن الصراعات الدقيقة، والفضائح العابرة للحدود، والأسئلة الأخلاقية التي لم يعد بالإمكان تأجيلها من دون كلفة حضارية باهظة.
العربي الجديد
