في الأدب السوري المعاصر، يبرز عدد لافت من الأسماء التي صنعت حضورًا قويًا: محمد الماغوط، سنية صالح، سعد الله ونوس، أدونيس، محمد عمران، سليم بركات، ممدوح عزام، كوليت خوري، ناديا خوست، سلوى النعيمي، بو علي ياسين، نبيل سليمان، سمر يزبك، روزا ياسين حسن، رشا عمران، جولان حاجي، نزار آغرلي، حليم يوسف، عارف حمزة، محمد عفيف الحسيني، مروان علي، لقمان ديركي، ريبر يوسف، آخين ولات، وداد نبي، مها حسن، إلى جانب أسماء بارزة أخرى من خلفيات غير أقلوية مثل نزار قباني، خالد خليفة، لينا هويان الحسن، وخليل صويلح.
ما يجمع الكثير من هؤلاء هو انتماؤهم “بحكم الولادة” إلى أقليات إثنية أو دينية أو ثقافية داخل المجتمع السوري، مثل الكرد، العلويين، الدروز، المسيحيين، أو الإسماعيليين. ومن بين هذه الأصوات، أجد نفسي – ككاتبة كردية سورية – مشاركة في هذه الظاهرة نفسها، حيث يصبح هذا القلق الوجودي الذي يرافق الانتماء الأقلوي محرّكًا أساسيًا للكتابة، كما ذكرتُ في لقاء سابق مع صحيفة كردية: “الكردي يأتي إلى الحياة مصحوبًا بأسئلة قلقة حول وجوده”. هذا القلق ليس فرديًا فقط، بل جماعيًا، يعيد تشكيل اللغة والسرد ليفتح أبوابًا لصيرورات ثقافية جديدة. هذا الواقع يدفعنا إلى قراءة الظاهرة ليس من خلال “الهامش” كموقع سلبي، بل من خلال مفهوم “الأدب الأقلوي” الذي قدمه جيل دولوز وفيلكس غواتاري في كتابهما عن كافكا. فالأدب الأقلوي ليس أدبًا “صغيرًا” أو ثانويًا، بل هو ممارسة داخل اللغة الكبرى (العربية هنا كلغة مهيمنة في السياق السوري والعربي) تقوم على تجريدها من سيطرتها التقليدية، وتحويلها إلى أداة للصيرورة الجماعية والمقاومة السياسية المباشرة. في السياق السوري المعقد، يعكس هذا الأدب التوترات الإثنية والدينية داخل دولة متعددة الهويات.
الأدب الأقلوي كتجريد من الأرضية
الكاتب الأقلوي في السياق السوري يكتب بالعربية، لكنه لا يكتب “عربية” سلسة أو مهيمنة. يُدخل فيها توترًا، كثافة، رمزية مفرطة، أو هجنة لغوية تعكس تعدّد الانتماءات. سليم بركات، الكاتب الكردي السوري، نموذج بارز: لغته الشعرية والسردية تُوسّع حدود العربية، تجعلها تنفلت من مركزيتها، تحمل إيقاعًا كرديًا- عربيًا هجينًا، فتصير “غريبة” عن نفسها. في روايته “الطاووس الأزرق” (2002)، يمزج بركات بين الرموز الكردية والعربية، مما يخلق فضاءً لغويًا معقدًا يعكس تجربة العيش بين ثقافتين، ويجعل اللغة “تطير” كما يقول دولوز وغواتاري عن كافكا. كذلك في تجارب أخرى، كرفيق شامي (مسيحي سوري يكتب بالألمانية)، حيث تتداخل الرموز الثقافية والتاريخية في روايات مثل “الجانب المظلم من الحب” (2004)، لتخلق نصوصًا متعددة المستويات، مقاومة للقراءة الواحدة. هذا التجريد لا يعني رفض اللغة، بل تحويلها إلى فضاء عبور: الكاتب يجعل العربية “غريبة” داخل نفسها، كما في أعمال روزا ياسين حسن، التي تفكك في روايتها “حراس الهواء” (2009) الهويات الثابتة والقمع السلطوي، مستخدمة لغة سردية هجينة تجمع بين الواقعي والرمزي لتعبر عن هشاشة الوجود الإنساني تحت الاستبداد. الرواية، التي صدرت قبل الثورة السورية بسنتين، تبدو اليوم تنبؤية في تصويرها للقلق الوجودي والقمع الممنهج، مما يجعلها نموذجًا لكيف يمكن للكتابة الأقلوية (هنا من منظور علوي معارض) أن تشق اللغة وتكشف التوترات الاجتماعية المكبوتة.
هذا النوع من التجريد من الأرضية – أي استخدام اللغة المهيمنة بطريقة تجعلها تنفلت من سيطرتها التقليدية وتحمل صوتًا مغايرًا – لا يقتصر على السياق السوري، بل يتجاوزه ليظهر في تجارب أدبية عالمية أخرى. في الأدب الأيرلندي، يمثل جيمس جويس مثالًا كلاسيكيًا: يكتب بالإنكليزية (اللغة الكبرى الاستعمارية)، لكنه يشقها في “عوليس” (1922) بإيقاعات أيرلندية وهجنة، مما يجعلها تنفلت من سيطرتها البريطانية. كذلك في أدب ما بعد الاستعمار الأفريقي، مثل أعمال نغوغي وا ثيونغو (من شعب الكيكويو في كينيا) الذي تحول إلى الكتابة بلغته الأم بعد سنوات من استخدام الإنكليزية، يعكس هذا التجريد مقاومة ثقافية مباشرة ضد الهيمنة اللغوية الاستعمارية.
الارتباط المباشر بالسياسي
في الأدب الأقلوي، لا توجد خصوصية فردية منفصلة عن الجماعي؛ كل نص سياسي فورًا، لأن القلق الوجودي الذي يرافق الانتماء الأقلوي يرتبط مباشرة بالسلطة والإقصاء والسرديات المهيمنة التي تشكل الوعي الجمعي في المجتمع السوري. هذا القلق ليس مجرد شعور شخصي، بل دافع يدفع الكاتب إلى تفكيك البنى السياسية والاجتماعية والثقافية من داخلها، محولًا التجربة الأقلوية إلى نقد مباشر للهيمنة والقمع.
ممدوح عزام، في رواياته مثل “قصر المطر” (1998) أو “أرض الكلام”، يمسئل البنى السياسية والاجتماعية والثقافية داخل المجتمع الدرزي والسوري الأوسع، لا كفرد منعزل؛ نصوصه تكشف العلاقة المعقدة بين السلطة والتقاليد والخطاب الثقافي، وتجعل الرواية فضاءً لمساءلة الوعي الجمعي في ظل الإقصاء والقمع والصراعات التاريخية، مما يجعله نموذجًا لكيف يمكن للكتابة الأقلوية (من منظور درزي ناقد) أن تتحول إلى مقاومة سياسية وثقافية مباشرة، خاصة عندما تفكك المقدسات والسرديات المهيمنة داخل الطائفة نفسها.
نزار آغري، الكاتب الكردي- اليزيدي السوري، يفكك في أعماله (مثل “من قتل زرادشت؟” 2020) السلطة داخل الذات والمجتمع الكردي والسوري الأوسع، حيث تصبح التجربة الأقلوية – كردية-يزيدية في سياق إقصاء مزدوج (إثني وديني) – نقدًا مباشرًا للهيمنة السياسية والثقافية. رواياته تحول القلق الوجودي إلى فضح للآليات التي تُنتج الوحشية والتشوه الاجتماعي، سواء في السياق الكردي أو السوري العام، مما يجعل النص صوتًا جماعيًا يعيد صياغة الذاكرة المكبوتة لأقلية تكافح للبقاء.
حتى في شعر أدونيس (علوي سوري مولود عام 1930)، نرى إعادة قراءة التراث العربي كمقاومة للهيمنة الثقافية والسياسية، كما في ديوانه “أغاني مهيار الدمشقي” (1961)، حيث يصبح الشعر أداة لتفكيك السرديات القومية الصلبة والأيديولوجيات المهيمنة. شعره يعبر عن قلق وجودي يتجاوز الفرد ليصبح صوتًا جماعيًا يتحدى السلطة الثقافية، مما يجعله نموذجًا لكيف يمكن للكتابة من موقع أقلوي أن تشق اللغة وتفتح مساحات لصيرورة جديدة.
بهذه التجارب السورية المتنوعة، يتضح أن الأدب الأقلوي لا يقتصر على التعبير عن الاختلاف، بل يحوله إلى أداة نقد سياسي مباشر يمسئل السلطة في جذورها، ويعيد تشكيل الوعي الجمعي في مواجهة الإقصاء والقمع. القلق الوجودي هنا ليس عائقًا، بل محرك يدفع نحو كتابة تتجاوز الحدود الفردية لتصبح فعلًا جماعيًا يتحدى السرديات المهيمنة داخل الواقع السوري المعقد.
التشكيل الجماعي للإفصاح
الكاتب الأقلوي لا يتكلم بـ “أنا” فردية فقط، بل يفتح المجال لصوت جماعي محتمل. النص يصبح تشكيلًا جماعيًا حتى لو كان فرديًا ظاهريًا، فهو يحمل صيرورة أقلية بأكملها. هذا ما يفسر حضور الذاكرة الجمعية، الأسطورة، الرمز في كثير من النصوص الكردية أو العلوية أو المسيحية السورية: محاولة لحفظ وجود جماعي مهدد، وإنتاج صيرورة جديدة. في أعمال حليم يوسف، مثل “سوبارتو” (1999) أو “الوحش الذي في داخلي” أو “تسع وتسعون خرزة مبعثرة”، يتحول السرد إلى صوت جماعي محتمل للهوية الكردية المهمشة والمشتتة، حيث يعيد تشكيل الذاكرة الجمعية من خلال تقاطع المنفى، الاغتراب الثقافي، والتشوهات الاجتماعية والسياسية ضمن سياقات متعددة (كردية- سورية -منفى أوروبي). النصوص تفتح مساحة لصيرورة جماعية: الشخصيات تتحمل أعباء الهوية المتشظية والقمع الداخلي/ الخارجي، والكاتب لا يروي “أنا” فردية فقط، بل يمثل تجربة أقلية تكافح للحفاظ على وجودها الرمزي واللغوي والتاريخي، محولًا القلق الوجودي إلى طاقة تخييلية تشق حدود اللغة (سواء الكردية أو العربية) وتدخل فيها توترًا كرديًا- منفيًا- ناقدًا. كذلك في روايات فادي عزام، مثل “سرمادا” (2011)، يتداخل الشخصي مع الجماعي في سياق التوترات الطائفية، أو في أعمال نجاة عبد الصمد ، مثل “لا ماء يرويها” (2017) أو “أيتام الجبال”، يتحول السرد إلى صوت جماعي محتمل للهوية الدرزية والسويداء المهمشة، حيث تعيد تشكيل الذاكرة الجمعية عبر تقاطع المنفى، التمرد على التقاليد، والنقد الاجتماعي للطائفية والحرب، محولة التجربة الأقلوية إلى مقاومة ثقافية وسياسية مباشرة تكشف هشاشة الهويات الثابتة.
لا يعني هذا أن كل إبداع سوري أقلوي، أو أن الأدب الأقلوي شرط للجودة. الإبداع ظاهرة معقدة، وهناك تجارب مهمة من المركز أيضًا، مثل أعمال نزار قباني، خالد خليفة، نهاد سيريس وغيرهم. لكن اللافت أن الأدب الأقلوي في سورية أنتج حساسية خاصة: قلق هوياتي يتحول إلى طاقة تخييلية، مرونة هوياتية تفتح أشكالًا سردية تجريبية، ومساحة حرية فكرية نسبية بعيدًا عن السرديات الصلبة.
هذه الظاهرة ليست سورية فقط. الأدب الأقلوي يظهر في أدب المنفى، ما بعد الاستعمار، والأقليات اللغوية (ككافكا نفسه). في سورية، يصبح نموذجًا لكيف يمكن للكتابة أن تكون مقاومة داخل اللغة والثقافة المهيمنة، خاصة في ظل الثورة والحرب، حيث يعيد الكتاب الأقلويون تشكيل الذاكرة الجماعية.
الأدب الأقلوي في سورية يولد في مناطق التوتر والعبور، حيث يتحول القلق الوجودي للأقلية إلى حساسية جمالية وسياسية. لا يعني ذلك تفوق الأقليات، بل إن المجتمعات المتعددة الهويات تنتج أدبًا أغنى عندما تسمح للأصوات الأقلوية بتشقيق اللغة الكبرى وإنتاج صيرورات جديدة. الأدب، في النهاية، فضاء مفتوح للصيرورة الجماعية، يدعو القارئ إلى التساؤل عن الهوية، السلطة، والإمكان.