ملخص
تعرض “حزب الله” منذ عام 2023 لضربات عسكرية ومالية وسياسية أضعفت قدراته وقلصت دعم حلفائه، لكنه ما زال قوة عسكرية متجذرة في لبنان. ولتقليص نفوذه، يتعين على واشنطن استغلال ضعف إيران عبر دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، خصوصاً الجيش، وتمويل إعادة الإعمار، وتشجيع التفاوض بين بيروت وإسرائيل.
انضم “حزب الله”، وكيل إيران في لبنان، إلى الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مطلقاً صواريخ وطائرات مسيرة على مواقع عسكرية إسرائيلية رداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني ومسؤولين كبار آخرين. وردت إسرائيل سريعاً بقتل رئيس وحدة الاستخبارات في “حزب الله” وقصف مواقع تابعة للحزب في لبنان. والثلاثاء الماضي، أرسلت إسرائيل مزيداً من القوات البرية إلى جنوب لبنان، وحذرت 80 قرية بضرورة الإخلاء.
لن تكون معركة إسرائيل ضد “حزب الله” سهلة، فهو لا يزال متجذراً بعمق في لبنان، كما أن اختلال الجيش اللبناني والنظام السياسي يقف عقبة أمام هزيمته. ويتكيف “حزب الله” مع الحرب من خلال ترقية قادة جدد ليحلوا محل الذين سقطوا، ومن خلال لا مركزية عملياته العسكرية. ولا يزال لدى الحزب صواريخ وطائرات مسيرة وقذائف صاروخية يمكن إطلاقها، ومن المرجح أنه قادر على تنفيذ هجمات إرهابية في الخارج، مثلما فعل في الماضي.
لقد حاربت إسرائيل “حزب الله” لأكثر من 40 عاماً، تارة بضربات متقطعة، وطوراً من خلال قصف واسع النطاق واجتياحات محدودة للبنان، ولكن على رغم تعرضه لضربات قاسية، بقي الحزب صامداً.
غير أن “حزب الله”، الذي وصفه سابقاً مسؤول أميركي رفيع بأنه “فريق النخبة من الإرهابيين”، لم يعد كما كان. فمنذ عام 2023، تعرض لدمار واسع جراء هجمات إسرائيل، وسقط حليفه الطويل الأمد، نظام الأسد. أما الدولة الراعية له، إيران، فقد تضررت بشدة نتيجة الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية، سواء الجارية حالياً أو تلك التي وقعت خلال يونيو (حزيران) 2025، فضلاً عن الاضطرابات الداخلية. وفي الداخل اللبناني، فإن خصوم “حزب الله”، الذين طالما خضعوا لسطوته بفعل شعبيته الكبيرة واستعداده للقتل، بدأوا أخيراً يرفعون صوتهم. وعلى الصعيد السياسي، قد يكون “حزب الله” اليوم أضعف مما كان عليه في أي وقت منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الـ20.
بعبارة أخرى، “حزب الله” منهك لكنه لم يُهزم. وينبغي للولايات المتحدة وإسرائيل والشركاء الإقليميين استغلال هشاشة إيران لزيادة الضغط على الحزب أكثر. ومن الممكن تقليص نفوذ الحزب وقوته بصورة دائمة، لكن ذلك سيتطلب ضغطاً مستداماً، واستثماراً طويل الأمد في مؤسسات الدولة، بما في ذلك قوات الجيش اللبناني، ودبلوماسية حذرة.
من جيش إلى ميليشيا
بدأت محن “حزب الله” خلال الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أي أثناء اليوم التالي للهجوم المدمر الذي شنته “حماس” على إسرائيل. وبعد عقود من الصراع المتقطع، تبادل “حزب الله” وإسرائيل ضربات محدودة على أساس الرد بالمثل لأشهر عدة. إلا أنه خلال سبتمبر (أيلول) 2024، انتقلت إسرائيل إلى الهجوم. فقتلت أو جرحت أكثر من ألف عنصر من “حزب الله” من خلال تفجير عبوات ناسفة كانت مخبأة في أجهزة النداء (البيجر) وأجهزة اللاسلكي الخاصة بهم. وتبع ذلك ضرب إسرائيل للمواقع العسكرية لـ”حزب الله”، واغتيال مسؤولين رفيعي المستوى، بمن في ذلك الأمين العام للحزب منذ فترة طويلة حسن نصرالله، واجتياح جنوب لبنان. وتحت وطأة هذه الهجمات، تبين أن القوات العسكرية التي طالما تباهى بها الحزب وترسانته من الصواريخ والقذائف لم تكن فعالة. وخلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وافق الحزب على وقف إطلاق النار وسحب بموجبه قواته من جنوب نهر الليطاني، الواقع على بعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية، ليحل محله الجيش اللبناني.
واعترف خليفة نصرالله، نعيم قاسم، علناً بأن “حزب الله” تكبد 18 ألف إصابة خلال القتال، بينها 5 آلاف قتيل. وادعت إسرائيل أنها دمرت 80 في المئة من ترسانة الحزب الصاروخية. أما الخسائر الأخرى فكانت أقل وضوحاً. فعلى سبيل المثال، يفتقر قاسم بصورة ملحوظة إلى الكاريزما والهيبة القيادية التي تمتع بها نصرالله. وكما كتبت محللة الشأن اللبناني حنين غدار: “تراجع ’حزب الله‘ من جيش إلى ميليشيا”. ومع ذلك، وحتى بعد انتهاء القتال، ظل الحزب يمتلك نحو 25 ألف صاروخ وقذيفة، وما بين 40 ألفاً و50 ألف مقاتل بدوام كامل أو جزئي وقوات احتياط.
بعد وقف إطلاق النار، أبقت إسرائيل على خمس نقاط عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وكانت تطلق نيرانها بصورة روتينية على مواقع “حزب الله”، الذي اعتبر ذلك خرقاً للهدنة. وبين نوفمبر 2024، حين توصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، واندلاع الحرب مع إيران خلال فبراير (شباط) 2026، لم يبادر “حزب الله” بأي رد يذكر على العمليات الإسرائيلية، لاعتقاده (وربما كان مصيباً) بأن المقاومة ستكون غير مجدية وقد تؤدي إلى رد انتقامي قاسٍ. إلا أن سكوت الحزب هذا كلفه بعض صدقيته في نظر قاعدة أنصاره الأساسيين. فـ”حزب الله”، في نهاية المطاف، كثيراً ما قدم نفسه كجزء من حركة مقاومة ضد الدولة الإسرائيلية.
ولم تقتصر خسائر الحزب على الجانب العسكري والسمعة فحسب، بل طاولت أيضاً الجانب المالي. فخلال عام 2024، قصفت إسرائيل فروعاً لمصرف مرتبط بـ”حزب الله” في محاولة لإلحاق الضرر ببنيته المالية. واستجابة للضغوط الأميركية، فرضت الحكومة اللبنانية بعض القيود على المؤسسات المالية التابعة لـ”حزب الله”. وفي المقابل، ارتفعت نفقات الحزب بصورة كبيرة، إذ يتعين عليه تجنيد مقاتلين جدد، وشراء أسلحة جديدة، ورعاية عائلات الذين قتلوا في خدمته. ووفقاً لصحيفة وموقع الأخبار “العربي الجديد”، جمد “حزب الله” أو خفض المدفوعات لمقاتليه وعائلاتهم.
أصدقاء أقل وخصوم أكثر
وأدى تراجع الدعم من الحكومات الأجنبية إلى تفاقم مشكلات “حزب الله”. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2024، أطيح نظام الأسد، الذي دعم “حزب الله” لعقود، واستبدل بحكومة تعارضه بشدة. ويعمل الحكام الجدد في سوريا الآن على اعتراض تدفق الأسلحة إلى لبنان، وشنوا حملة على تجارة المخدرات التي كانت تمثل مصدر دخل للحزب. كذلك، بعد اعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، قطعت الولايات المتحدة “حزب الله” عن مركز حيوي لشبكات التهريب الدولية التابعة له.
ولا تزال إيران، من حيث المبدأ، ملتزمة دعم “حزب الله”، لكنها هي الأخرى في موقف دفاعي. فقبل عام 2023 كانت إيران تمنح الحزب نحو 700 مليون دولار سنوياً، وهو ما كان يشكل معظم موازنته السنوية. ولكن من الصعب على طهران اليوم إرسال مبلغ يقارب هذا الرقم. فقد تعرضت البنية التحتية الإيرانية لدمار واسع بفعل الضربات الأميركية والإسرائيلية، ويعاني اقتصادها سوء الإدارة والعقوبات. وخلال الأعوام الثمانية الماضية، تراجعت القدرة الشرائية للإيرانيين بأكثر من 90 في المئة. وكانت الاحتجاجات الداخلية في يناير (كانون الثاني) الماضي، التي شهدت قتل الحكومة الإيرانية لآلاف من مواطنيها، قد اندلعت أساساً بسبب انهيار العملة الإيرانية وأزمة أوسع نطاقاً تتعلق بالقدرة على تحمل كلف المعيشة. وقد تعمد الحكومة الإيرانية المقبلة، حتى لو هيمن عليها رجال دين أو متشددون من الحرس الثوري، إلى قطع المساعدات عن “حزب الله”، أو في الأقل تقليصها بصورة كبيرة، إما بسبب ضائقتها المالية أو نتيجة التزام محتمل بفعل ذلك في إطار اتفاق وقف إطلاق نار مستقبلي مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد برر حربه، جزئياً، بالإشارة إلى دعم طهران لـ”الميليشيات الإرهابية”.
ويعاني “حزب الله” أيضاً أزمة في مجال مكافحة التجسس. فمن خلال تفجيرات أجهزة البيجر وسلسلة من الاغتيالات، أثبتت إسرائيل أنها اخترقت صفوف الحزب بعمق (وقد حققت الاستخبارات الإسرائيلية نجاحاً مشابهاً في إيران). ويتعين على “حزب الله” الآن تطهير صفوفه من الجواسيس وتأمين أنظمة اتصالاته، وهي مهام شاقة في زمن السلم، ويكاد يكون من المستحيل إنجازها في ظل الحصار الإسرائيلي. ومن المرجح أن قادة الحزب يواجهون صعوبة في التواصل في ما بينهم، وصعوبة في الثقة ببعضهم بعضاً.
علاوة على ذلك، بدأت الفصائل المنافسة داخل لبنان تتحدى “حزب الله” بطرق شتى، ويبدو أنها أقل خوفاً من الحزب بعد تراجعه. فقد انتشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان لنزع سلاح قوات “حزب الله” هناك والحلول محلها، وهي خطوة لم يكن من الممكن تصورها قبل عام 2023، بل وقام الجيش بتفتيش منازل بحثاً عن أسلحة تابعة لـ”حزب الله”، استجابة لمطالب إسرائيلية، إضافة إلى ذلك، باتت قوات الجيش اللبناني تسيطر الآن على مطار بيروت، الذي استخدمه “حزب الله” لأعوام لإدخال الأسلحة والإمدادات جواً. وخلال نوفمبر، كسر الرئيس اللبناني جوزيف عون أحد المحظورات باعترافه بأن البلاد “لا تملك خياراً سوى التفاوض مع إسرائيل” (سواء في شأن ترسيم الحدود أو، على نحو أكثر طموحاً، التوصل إلى اتفاق سلام).
ومن المرجح أن يزداد خصوم “حزب الله” جرأة مع معاناة إيران في الجولة الأخيرة من القتال. فخلال يوم الإثنين، ورداً على هجوم “حزب الله” على إسرائيل، أعلنت الحكومة اللبنانية حظراً على الأنشطة العسكرية لـ”حزب الله”، وهو حظر لا تملك القدرة على فرضه، لكن الدلالة الكامنة وراءه تظهر استعداداً أكبر لمواجهة الحزب.
إتمام المهمة
تكمن أكبر ميزة لـ”حزب الله” في ضعف خصومه المحليين. فالجيش اللبناني غير راغب، وربما غير قادر، على مواجهة الحزب بصورة مباشرة في مختلف أنحاء البلاد. وعلى رغم أن عدداً من الشخصيات داخل الحكومة اللبنانية تعارض “حزب الله”، فإنها منقسمة هي الأخرى، ولها تاريخ من الانقلاب على بعضها بعضاً.
كما لا يزال الحزب يحظى بدعم (وإن كان على مضض) داخل المجتمع الشيعي في لبنان، الذي يشكل نحو 40 في المئة من السكان. فكثير من المسلمين الشيعة اللبنانيين ينفرون من فساد “حزب الله”، وابتزازه لهم، وعنفه، لكن ليس لديهم بديل واضح. فهم يعتمدون على الحزب للقتال من أجل حصتهم من النفوذ في النظام السياسي اللبناني. فالسلطة في لبنان مقسمة على أسس طائفية، وقد حقق “حزب الله” نتائج جيدة في الانتخابات البلدية التي جرت خلال مايو (أيار) 2025.
وسيفعل الحزب كل ما في وسعه لمقاومة الهدف الإسرائيلي والأميركي المتمثل في نزع سلاحه بالكامل. فالسلاح عنصر أساس في هويته، بل إن راية الحزب نفسها تتضمن بندقية هجومية. ومع ذلك، قد يكون هناك أمل في نزع جزء من السلاح. فقد أجرى الحزب العام الماضي مناقشات داخلية حول آليات تنفيذ ممكنة لذلك الاحتمال. وحديثاً، قدم الجيش اللبناني رؤية لنزع سلاح “حزب الله” داخل المنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والأولي.
“حزب الله” منهك، لكنه لم يهزم
وبإمكان الولايات المتحدة مواصلة إضعاف “حزب الله” من خلال تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، بما في ذلك الجيش اللبناني. بعض المساعدات العسكرية والمالية قد تهدر أو تسرق، وقد تثبت برامج أخرى عدم فعاليتها، كما حدث خلال الماضي. وعلى رغم أن التقدم المحرز في بناء قوات الجيش اللبناني كان محدوداً، لكن الاستثمار فيها لا يزال يستحق العناء. ويتعين على واشنطن أيضاً تقديم الدعم للدولة اللبنانية لكي تتولى هي، لا “حزب الله”، عملية إعادة إعمار البلاد. فوفقاً لتقييم البنك الدولي لعام 2025، يحتاج لبنان إلى 11 مليار دولار لإعادة الإعمار، وهذا لا يشمل الأضرار الناجمة عن جولة القتال الأخيرة. وسيلجأ المواطنون اللبنانيون، وبخاصة الشيعة منهم، إلى “حزب الله” للحصول على الخدمات إذا عجزت الحكومة عن توفيرها. وينبغي أن يكون هدف الولايات المتحدة زيادة نفوذ الحكومة تدريجاً في لبنان، وخلق مساحة لظهور بدائل أقل عنفاً من “حزب الله”.
وينبغي للولايات المتحدة أن تعمل بحذر على توحيد الرؤى بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل. وعليها تشجيع الحكومة اللبنانية على التفاوض في شأن وقف لإطلاق النار مع إسرائيل، مع وعد بسلام أكثر ديمومة في نهايته. وينبغي أن يكون الانسحاب الإسرائيلي من لبنان جزءاً من هذه المفاوضات، فما دامت إسرائيل مستمرة في احتلال أراض لبنانية، يمكن لـ”حزب الله” أن يزعم أن عليه البقاء مسلحاً للدفاع عن سيادة لبنان. وهدف واشنطن يجب أن يكون إثبات أن المفاوضات، لا المقاومة، هي التي ستؤدي إلى تغيير إيجابي في لبنان، وأن تصرفات “حزب الله” التصعيدية لها كلفة يتحملها المواطنون اللبنانيون. وبهذه الطريقة، إما أن يذعن “حزب الله” للمفاوضات أو يخاطر بتحمل مسؤولية جر المدنيين اللبنانيين إلى الحرب مجدداً.
وأية نجاحات أميركية ضد إيران، سواء في المجال العسكري أو على طاولة المفاوضات، يمكن أن تسهم أيضاً في إضعاف “حزب الله”. فحتى لو لم تتمكن واشنطن من إقناع طهران بالتخلي عن وكلائها، يمكنها استنزاف إيران إلى حد يجعلها غير قادرة على الاستمرار في تمويلهم بسخاء، مما يقوض صورتها كراعٍ موثوق. علاوة على ذلك، ينبغي للولايات المتحدة وحلفائها استغلال ضعف موقع طهران ودعم خصوم “حزب الله” في الداخل. وفي أقل تقدير، فإن استمرار هذا الضغط سيبقي “حزب الله” في حالة ارتباك وضعف.
دانيال بايمان أستاذ في كلية علوم السلك الدبلوماسي بجامعة جورج تاون، ومدير برنامج الحروب والتهديدات غير النظامية والإرهاب في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 4 مارس (آذار) 2026
اندبندنت عربية
