ترمب يعوّل على سقوط سريع للنظام الإيراني بعد اغتيال المرشد، لكن واقع البلاد أكثر تعقيداً، فشبكات السلطة والحرس الثوري، إضافة إلى جماعات كردية وبلوشية ومناهضين في المنفى، تتنافس جميعها على مستقبل إيران، مما يجعل حسابات ترمب محفوفة بالوهم والخطر.
يمكن تفهم تهكم المرء على عبارة فلاديمير بوتين التي وصف فيها اغتيال إسرائيل والولايات المتحدة لآية الله علي خامنئي وعدد من كبار مساعديه بـ “القتل السفيه”، في حين أن هذا ما حاول فعله وفشل في تحقيقه مع رئيس أوكرانيا، فلقد كان غزوه لأوكرانيا كارثة دموية لروسيا لأنه لم يفهم هذا البلد.
إن اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل للمرشد الأعلى الإيراني عمل غير قانوني بصورة صارخة بموجب القانون الدولي، وقد يكون كارثياً بقدر حرب بوتين على أوكرانيا لأن ترمب لا يفهم هذا البلد.
على غرار بوتين، أحاط ترمب نفسه برجال ونساء يوافقونه الرأي، فقد أقال كل من أبدى تفكيراً مستقلاً، أولاً من أجهزة الاستخبارات، ثم من القوات المسلحة، وبعد ذلك أحاط نفسه بمتعصبي حركة “ماغا” داخل المكتب البيضاوي، وكذلك فإن إدارته شديدة التأثر بالمتطرفين المسيحيين الإنجيليين الذين دعموا بصورة عمياء الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة في مجازرها الجماعية للفلسطينيين في غزة، واستيلائها على الأراضي في الضفة الغربية.
يؤدي التفكير السحري والمعتقد الأيديولوجي إلى تشويه الواقع، وقد تعلم بوتين هذا عندما كان افتراضه، بناءً على المعلومات الاستخبارية التي تلقاها، أن كييف ستسقط في غضون أيام قليلة، فقيل له ما أراد سماعه، بدلاً من أن الأوكرانيين سيقاتلون من أجل البقاء، والآن دخلت أوكرانيا عامها الخامس من الحرب وهي في موقف أقوى، وأصبح الـ “ناتو” أكبر مع انضمام فنلندا والسويد إليه، بينما تواجه روسيا عقوبات دولية وهي في وضع المنبوذ.
كان بوتين وخامنئي حليفين، وقد زودت إيران روسيا بمسيرات “شاهد” التي تؤرق الأوكرانيين كل ليلة، والتي تُطلق الآن عبر الخليج رداً على قصف إسرائيل والولايات المتحدة، وبعد مقتل خامنئي بقصف إسرائيلي، زعم ترمب أنه استند إلى معلومات استخبارية أميركية، قال الرئيس الأميركي “إنها الفرصة الأكبر للشعب الإيراني لاستعادة بلاده”، وهو مُحق في ذلك، فربما أخبره الموالون له في واشنطن أن إزاحة رأس النظام، في غارة قتلت أيضاً قائد الحرس الثوري الإسلامي وكثيراً من كبار مستشاري المرشد الأعلى، ستبشر بثورة ديمقراطية في إيران.
قد يكون ذلك صحيحاً، فمن الواضح أنه ليس هناك أي تعاطف مع النظام الثيوقراطي، وتكشف استطلاعات الرأي أن 40 في المئة فقط من الإيرانيين يعتبرون أنفسهم مسلمين، و32 في المئة فقط يعتبرون أنفسهم مسلمين شيعة، وذلك وفقاً لدراسة استقصائية أجراها أكاديميون في جامعتي أوتريخت وتيلبورغ في هولندا عام 2020، شملت 50 ألف إيراني.
قُتل آلاف المتظاهرين المناهضين للحكومة على يد قوات النظام في يناير (كانون الثاني) الماضي، وقد انتفضوا في وجه القمع في حياتهم اليومية، ولكن أيضاً في وجه الفساد والاقتصاد المنهار في بلد تبلغ مساحته أربعة أضعاف مساحة ألمانيا.
من حق فريق ترمب افتراض أن الإيرانيين يريدون نهاية لحكم الملالي، وقد تحدثت الكاتبة والمذيعة البريطانية – الإيرانية راميتا نافاي عبر الهاتف مع أشخاص في أماكن عدة، بما في ذلك طهران، وضعوا هواتفهم خارج نوافذهم حتى تتمكن من سماع صيحات الفرح في الشوارع بعد إعلان مقتل خامنئي، لكن النظام لم يسقط، ويسيطر جهاز المخابرات، الذي لا يزال يديره الحرس الثوري الإيراني، على 40 في المئة من الاقتصاد الإيراني، حتى من دون زعيمه، وستقاتل هياكله بشدة للبقاء في السلطة، وفي الوقت الحالي لا توجد احتجاجات في الشوارع.
تواجه إيران قوى نافذة من الجماعات الانفصالية المسلحة، ويريد شعب البلوش في الجنوب الشرقي التحرر من طهران، ولديه أسلحة وسمعة في استخدامها بشراسة، وقد شكّل الأكراد الإيرانيون تحالفاً يضم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI) وحزب الحياة الحرة لكردستان (PJAK) وحزب الحرية لكردستان (PAK) ومنظمة “خبات” لأكراد إيران، وجزءاً من حزب “كومله” الكردستاني الإيراني، تكتلاً معارضاً لطهران.
لقد ناضلت أجيال من الأكراد الإيرانيين من أجل الاستقلال، وعانى هؤلاء قمعاً شديداً في ظل النظام الملكي قبل ثورة 1979، وقد برز رضا بهلوي، نجل الشاه الذي أطيح به عام 1979، بصفته شخصية محورية في التظاهرات المعارضة، وحمل كثر رايته خلال تظاهرات يناير الماضي، لكنه دان بالفعل تحرك الأكراد ووصفه بأنه “انفصالي” ويقوض الوحدة الوطنية، لكن الأكراد والبلوش يشكلون قرابة 12 في المئة من السكان، ولديهم القدرة العسكرية لدعم الجماعات الأخرى في مواجهة الحكومة المركزية، مثلما تفعل أقلية عربية صغيرة في الجنوب.
هناك أيضاً منظمة “مجاهدي خلق” التي يجب التعامل معها، فقد وفرت المنظمة التي كانت جزءاً نافذاً من ثورة 1979 إلى العراق، وحاربت إلى جانب صدام حسين ضد إيران، وهي الآن منفية وتشبه جماعة مسلحة أكثر منها حركة سياسية، وتتخذ من ألبانيا مقراً لها، ولها مؤيدون بارزون من بينهم رودي جولياني، عمدة نيويورك السابق والمحامي الشخصي لدونالد ترمب، وقد أعلنت المنظمة، والتي تُعرف أيضاً باسم “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية”، أنها شكلت “حكومة في المنفى” ووعدت الشعب الإيراني بالديمقراطية.
في غضون ذلك لدى بهلوي خطة لحكم البلاد مدة ثلاثة أعوام قبل إجراء استفتاء في شأن ما إذا كان ينبغي لإيران أن تكون ملكية أم ديمقراطية، ووعد بإنهاء الدعم للجماعات الإرهابية العالمية وبرنامج إيران النووي، ومن غير المرجح أن تتمكن أي من هذه القوى بمفردها من تحقيق الحرية لإيران، فجميعها بحاجة إلى انشقاق عناصر من النظام عن الحكومة المركزية، وقد تعلمت جميعها أن عدم مؤازرة الفائز في الثورات الإيرانية قد يكون قاتلاً.
اندبندنت عربية
© The Independent
