يعدّ القرن التاسع عشر قرن ظهور فلسفة التشاؤم، وخيبة الأمل، وزوال السحر عن الحياة؛ تلك الهبة التي أخرجتنا من العدم؛ وكما يقول أورفيوس: “من ابتسامتكَ، يا جوبيتر، وجِدت الآلهة، لكن من حزنكَ ولِد الإنسان”. هكذا أصبح التشاؤم واليأس وانعدام الجدوى مصير إنساننا الحديث، حتى غدا الموت يزدهي على الحياة، وغدا ما كان منبوذًا من الحكمة منهجًا فلسفيًا؟
يناقش الروائي والمترجم الأميركي إدجار سالتوس (1855 ــ 1921) في كتابه “فلسفة خيبة الأمل”، الصادر عن دار الوراق لعام 2026، بترجمة سها السباعي، فلسفة التشاؤم التي كرّسها آرثر شوبنهاور في كتابه “العالم إرادة وتمثلًا” لعام 1818، متناولًا عددًا من المفكّرين الذين أغنوا هذه الرؤية، من جاكومو ليوباردي، إلى إدوار فون هارتمان. وهو إذ يفعل ذلك يبيّن بأنّ هذا الفكر التشاؤمي لا يختصّ بزمننا إلّا من ناحية المنهج والبحوث الفكرية، وإنّما يظهر عبر تاريخ البشرية بشكل متكرّر، لكن ليس بشكل منهجي، فالشاعر اليوناني بيندار يرى بأنّ البشر ظلال حلم، فيما المسرحي سوفوكليس يجزم بأنّ أعظم النعم بأنّ لا يُولد الإنسان. وتكرّرت تلك العبارات التشاؤمية مع كبار مفكري وشعراء وفلاسفة العصور القديمة، فهيراقليطس يرى الوجود على الأرض عذابًا ممضًّا. وحتى أفلاطون، صاحب النظرة التفاؤلية، يظهر ازدراءه للحياة، بالقول في الدفاع عن سقراط “إذا كان الموت هو انحسار كل إحساس، وإذا كان أشبه بنوم لا يضطرب بفعل حلم، فيا له من نعمة لا مثيل لها”. وذهب تلميذ أرسطو هيجيسياس إلى القول بأنّ الموت لا ينتزعنا من النعم، بل من النقم، حتى أنّ الملك بطليموس منعه من إلقاء الخطب بسبب نزعته التشاؤمية. ولم يختلف الرومان عن الإغريق، فالفيلسوف سينكا يقول: “الموت أروع صنائع الطبيعة”. ومع تقدّمنا في الزمن نحو العصور الحديثة ظهرت تلك النزعة التشاؤمية بوضوح، فشكسبير يقول: “عندما أتأمل الحياة، أجدها خدعة/ ومع ذلك، فالناس وقد غرّهم الأمل/ يفضلون الخداع، ويثقون بالغد، ويظنون أنّه سيكافئهم/ والغد أكذب من الأمس”. ذكر سالتوس كثيرًا من الآراء عن التشاؤم من قبل كتاب وشعراء ومفكّرين، لكن كانت مقولة الفيلسوف لايبنتز التفاؤلية، هي المنتشرة والمسيطرة بين جموع الناس، بأنّ هذا العالم أفضل العوالم الممكنة. هذه النظرة التفاؤلية للحياة كانت مدعومة بالدين والسياسة والثقافة العامة، ومع ظهور كانط، وخاصة في كتابه “نقد ملكة الحكم” بدأت تلك الرؤية بالتغيّر، حيث أعلن بأنّ لا أحد يرغب بإطالة هذه الحياة، وأن السعادة مستحيلة فيها. واتبعه في ذلك الفيلسوف فيشته، وناقض مقولة لايبنتز، وقال بأنّ هذا العالم أسوأ العوالم الممكنة. هكذا بدأت تتكرّس فلسفة التشاؤم، وكان من أول روادها الشاعر جاكومو ليوباردي (1798 ــ 1837).
“غامض هو كل شيء، إلّا ألمنا”…
هكذا صرخ جاكومو ليوباردي. هنالك من يعتمد على التحليل النفسي لتفسير تشاؤمية ليوباردي، فلقد نشأ في كنف أب صارم ومتزمّت، بالإضافة إلى جسد عليل، ومع ذلك هنالك إجحاف يقع على ليوباردي، فالتشاؤم لديه لم يكن ردّة فعل، بل كان منهجًا تفكيريًا وضعه في كتابه “أوبريتي مورالي/ أعمال أخلاقية صغيرة” الذي كتبه بين عامي 1824 و1832، وهاجم فيه كل أشكال الوهم بالسعادة التي تخدع الإنسان في هذه الحياة، من الدين، إلى الحبّ، إلى الفلسفة. وقد كان يرى بأنّ الحياة شريرة مهما تم تبريرها، وهي محصلة لقوى غير واعية. ولقد صب هذه الأفكار في عدد من المقالات والحوارات. ففي إحداها، يسأل المومياوات عن الموت، وماذا بعده؟ لكنها لم تجبه إلّا بالصمت! وفي أخرى، يتابع حياة رجل يبحث عن معنى الحياة، فيرتحل عبر العالم، لربما يتحصّل على جواب، ومن خلال تجواله، تجيبه قوى الطبيعة بأنّها غير ملزمة إلّا بواجب واحد، وهو إدارة عجلة الكون، وفيها يدعم الموت الحياة وتدعم الحياة الموت. ومن ثم يتابع استجوابه لهذه القوى عن الذي من أجل متعته يستديم هذا الكون البائس، ولأي غرض يفعل ذلك؟ وما إن ينتهي من سؤاله حتى يُفاجأ بأسدين جائعين يفترسانه.
تتعاضد أفكار ليوباردي عن أنّ الحياة شرّ، حتى عندما تظهر له بارقة أمل، ومع ذلك ينتهي إلى القول: “مرّ وقت كنت أحسد فيه الجهلاء والذين يحسنون الظنّ بأنفسهم. اليوم لا أحسد الجهلاء، ولا الحكماء، ولا العظماء، ولا الضعفاء، وإنّما أحسد الموتى، ولن أود أن أبدل وضعي إلّا معهم”. غريب هذا التشاؤم الذي عانى منه أهم شاعر إيطالي، والذي قال يومًا لبلده: “ليكن دمي، أيتها الآلهة شعلة في قلوب الإيطاليين”. للحقيقة، لم يقدّر شعر ليوباردي في زمنه، ولم تنصفه الحياة، لربما هذا منبع تشاؤمه الذي رفعه لدرجة فلسفية، حيث قدّم مرافعة مدوية ضد بؤس الحياة في كتابه “أوبريتي مورالي” كان لها أثر على من جاء من بعده من فلاسفة ومفكّرين وشعراء. وعلى الرغم من نزعته العدمية، ظلّ يحض على الأخلاق، والقيام بالواجب، لكنّه رفض العزاء الأخير متمثلًا قول فولتير: “نحبّ الحياة، لكن في العدم خير لا يمكن إنكاره”.
الكاهن الأعظم
| شوبنهاور: بورتريه لـ كوبيستا بوهوميل/ 1908 (Getty) |
ينتصب شوبنهاور (1788 ــ 1860) في رواق الفكر الفلسفي كحارس للتشاؤم النبيل، محطمًا مرايا التفاؤل الزائف التي نصّبتها الفلسفات الميتافيزيقية الكبرى، ليعلن أنّ الوجود في جوهره ليس إلّا تجليًا لقوة غاشمة وعمياء دعاها “الإرادة” في كتابه: “العالم إرادة وتمثّلًّا”. هذه الإرادة ليست تعبيرًا عن حرية أو وعي، وإنّما هي جوع كوني لا يشبع، وتدفّق مهووس نحو البقاء بلا غاية أو مقصد، فالوجود في نظره ليس سوى تمثّلات أو صور واهية في مرآة هذه الإرادة الكونية الجامحة غير الواعية، ووقود بشري يحترق لتستمر دورة الحياة العبثية، فكل ما نراه من جمال في الطبيعة أو تعقيد في العمران ليس سوى قناع يخفي خلفه صراعًا دمويًا أزليًا، حيث يأكل الوجود نفسه ليحيا. إنّ التراجيديا البشرية عند شوبنهاور تتلخّص في حركة البندول الوجودي بين الألم والملل، التي تحكم مصائرنا، فنحن كائنات محكومة بالرغبة، والرغبة بطبيعتها نقص وحرمان، ما يعني أنّ الألم هو الحالة الأصلية والجوهرية، وما اللذة إلّا توقّف عارض ومؤقّت لهذا الألم، فإذا ما تحقّقت الرغبة وانطفأ سعيرها سقطنا لتوّنا في بئر الملل القاتل الذي ينهش الروح ببروده، لنهرب منه مرّة أخرى نحو رغبة جديدة وألم جديد، وهكذا نظل نتأرجح بين شقّي الرحى بلا هوادة، في عالم اعتبره شوبنهاور: أسوأ العوالم الممكنة، على عكس ما روّج له المتفائلون من ليبنتز إلى هيغل، فالعالم سجن محكم، صُمم بحيث تكون المعاناة هي القاعدة، والسكينة هي الاستثناء النادر.
وعلى الرغم من هذا اليأس الوجودي، يفتح شوبنهاور ثقبًا صغيرًا للضوء عبر التأمّل الجمالي، فالفنّ يمنحنا إغفاءة مؤقتة عن ضجيج الرغبات، فينسى المتأمّل ذاته الفردية ويتحرّر من قيود الزمان والمكان، ليختفي في الجوهر الكوني للعدم في لحظة من السكون الخالص، لكنّه خلاص هشّ لا يدوم، ممّا يدفعه لاقتراح مخرج أكثر جذرية، يتجلّى في الشفقة، وهي أن يدرك الإنسان أنّ أنين الآخرين هو صدى لأنينه الخاص، وأنّ الكلّ يعاني تحت وطأة الإرادة الواحدة، ممّا يولد تعاطفًا يكسر حواجز الأنانية الصلبة ويقود الإنسان إلى إنكار هذه الإرادة وإغلاق دائرة المعاناة، وذلك عبر الزهد والتقشف، وهو المسلك الذي استلهمه من حكمة الشرق القديمة، حيث يروض الإنسان رغباته حتى تنطفئ تمامًا، لا بالانتحار الذي رآه تأكيدًا أحمق للإرادة، بل بوأد المشيئة داخل الجسد، ليصل الكائن إلى حالة من اللاشيء أو النيرفانا، حيث يسكن البندول عن الحركة، ويتحلّل الوعي من عبء الوجود، ليصير الموت حينها ليس فناءً مرعبًا، بل عودة إلى الصمت العظيم الذي سبق ضجيج الولادة، فالحياة كانت وفق نظر شوبنهاور مجرد خطأ ميتافيزيقي وجب تصحيحه بالوعي والزهد.
الفناء الكبير
يُحكى أنّ شوبنهاور راهن النادل في المطعم الذي كان يتناول فيه غداءه في فرانكفورت بإعطائه قطعة من الذهب إذا تحدّث الضبّاط الذين يجتمعون فيه بغير الخمر والنساء والغناء. لكن لو كان شوبنهاور يسكن في برلين وأعطاه الزمان عمرًا لكان التقى بأحد ضباط المدفعية الذي قادته ظروفه المرضية لأن يستقيل من السلك العسكري ويصبح فيلسوفًا ويتبنّى التشاؤم مذهبًا. ولد إدوارد فون هارتمان عام 1842 وتنقّل بين مواهب عدة، من رسام إلى موسيقي، إلى أن استقر كمفكّر وشرع في كتابه “فلسفة اللاوعي”. حاول من خلال هذه الفلسفة أن يجمع الندّين الأبديين هيغل وشوبنهاور، الأول بطرحه عن الروح الكلية وتنظيم الكون العقلي. والثاني عن رؤيته لتلك الإرادة العمياء التي تحكم الكون بلا هوادة. ويرى بأنّ مذهب التطور التشاؤمي عبر العلم يجب أن يحرّر الإنسان من حبّ الحياة، ومن ثم إعادة الوجود إلى العدم. وهو يرى بأنّ مصلحة هذا اللاوعي الذي يحكم الكون تتعارض مع مصلحتنا، فمن مصلحتنا ألّا نعيش ما دامت الحياة معاناة. ومن مصلحته أن نعيش ليأتي آخرون بدلًا منّا. وهو يرى بأنّ السعادة إحدى الأوهام التي يوقعنا فيها هذا اللاوعي، وقد ثبت بأنّ السعادة غير متحقّقة في الماضي، ولا يمكن تحقيقها مستقبلًا. ولو قدر لشخص أن يضع المتع التي يعيشها والنقم التي يعاني منها، لرجحت كفة الآلام على لحظات السعادة العابرة الوهمية. وعليه، يطرح الجواب الذي سيقود البشرية للتخلص من العناء في هذه الدنيا بأن يقود التطور العلمي إلى إدراك كم من المعاناة التي يعيشها البشر مهما حاولت تلك القوة المسماة باللاوعي الكوني أن تزين لهم الحياة، سواء من خلال حياة مؤمّنة مطالبها، أو آخرة تعد بالسعادة. إنّ التطور التشاؤمي الذي نظّر له هارتمان يدعو إلى سعي علمي يحقّق كل الغرائز والشهوات والعواطف والمتع والأفكار. وعندما تنجز أجمعها يتحرّر الإنسان من سطوة هذا اللاوعي ويغرق في الفناء التام إراديًا.
التشاؤم
لقد استند أستاذ التشاؤم شوبنهاور إلى التعاليم البوذية والانمحاء في النيرفانا حتى يتخلّص الإنسان من عبء الحياة. ألم يقل بوذا قبل أن يبتدئ مشواره بأنّ الحياة معاناة، وعلى الإنسان أن يفكّ جميع تعالقاته مع هذا الكون حتى يرتقي إلى اللحظة التي يميت فيها حتى الموت ذاته في الفناء الأبدي. هذه الرؤية البوذية لا يختلف عنها المتشائم الحديث، إلّا في أنّه أسقط الخرافات الهندية عن التشاؤم، لكنه أصرّ على المحافظة على القيم الأخلاقية كما تنصّ البوذية. وإذا كانت البوذية تسعى إلى العدم الشامل، فبالمقابل كان ليوباردي وشوبنهاور وفون هارتمان يصرخون: “يا لها من فرحة غامرة، بعد كل هذه المعاناة، عبر الركام وفوق المقابر الجماعية، أن نتمكن أخيرًا من إطلاق صرخة الخلاص هذه: لا بشر بعد الآن تحت السماء! نحن الأخيرون!”.
إنّ كتاب “فلسفة خيبة الأمل”، لإدجار سالتوس، ليس شرحًا بالمعنى المدرسي للفلسفة التشاؤمية، وإنّما يكاد أن يكون درسًا في استخلاص السعادة الحقّة! حيث قال هؤلاء المتشائمون، بأنّها لم توجد ولن توجد! فهل كانوا حقًّا يقصدون ذلك؟ عاش شوبنهاور حياة هانئة جدًّا، وكانت عائلة فون هارتمان مثالًا للعائلة المثالية في برلين، حتى أنّ زوجته كانت إحدى المنافحات عن فلسفة التشاؤم، وأصبح جاكومو ليوباردي شاعر إيطاليا الأول بعد مماته. لقد قام هؤلاء المتشائمون عبر تعرية الحياة وبالقول عنها بأنّها معاناة أبدية؛ بتعليم الآخرين كيف يقتنصون لحظات الفرح الأبدية، يا للمفارقة!
* كاتب من سورية.