دولة الهند بثقلها السياسي والاقتصادي وتقدمها العلمي والتكنولوجي هي دولة نووية وشريكة في أبحاث الفضاء، كما أنها دولة اكتفاء ذاتي من الحبوب الغذائية، فضلاً عن تأثيرها الكبير في دول الجوار بجنوب آسيا، ومن عجب أننا في منظمة التعاون الإسلامي لم نتحمس لعضوية الهند فيها ربما مجاملة لباكستان أو حرصاً على تفردها بتمثيل الهنود مسلمين وغير مسلمين.
شاءت ظروف حياتي الدبلوماسية أن أخدم في السفارة المصرية بنيودلهي لأعوام أربعة كاملة، وكان ذلك في نهاية سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته (1979-1983) وقد تأثرت كثيراً بعظمة الأمة الهندية والتشابه الكبير الذي يربط بعض مظاهر الحياة لدينا بمظاهر الحياة لدى الهنود.
أقول ذلك بمناسبة ما شهدته على شاشات التلفزة عند هبوط طائرة رئيس وزراء الهند حالياً ناريندرا مودي والاستقبال غير المسبوق الذي جرى له عند وصوله إلى مطار تل أبيب لأنني عندما خدمت في نيودلهي كانت لا تزال عاصمة دعم شديد للقضية الفلسطينية، وكان المفكر اللبناني كلوفيس مقصود مديراً لمكتب الجامعة العربية هناك، وكانت له حظوة كبيرة وقبول شديد لدى الساسة الهنود.
كانت المواقف الهندية حاسمة في تأييدها للحقوق الفلسطينية والإيمان الشديد بشرعية المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وأتذكر الآن أنني كتبت مقالة في مجلة السياسة الدولية لمحت فيها إلى احتمال تحول مرتقب لمواقف الهند تجاه الصراع العربي- الإسرائيلي.
كانت قراءتي صادرة عن متابعة دقيقة للتواصل غير المعلن بين نيودلهي وتل أبيب واحتمالات التعاون بينهما في مجالات تصنيع السلاح وتطوير العلاقات العسكرية بين إسرائيل وجمهورية الهند التي تضم وقتها ما يزيد على 150 مليون مسلم ينتمون إلى ثقافة ذلك البلد الكبير وتلك الأمة العظيمة.
وكان ذلك في وقت ترفع الهند رايات الحياد الإيجابي وعدم الانحياز وتسمي الشارع الأطول في العاصمة والواصل بين المطار وقلب المدينة باسم الزعيم العربي الراحل عبدالناصر رفيق نهرو وصديق الهند خلال ستينيات القرن الماضي.
ما زلت أتذكر أن العلاقات بين القاهرة ونيودلهي تدهورت بشدة بعد سياسات كامب ديفيد 1978 التي تبناها الرئيس المصري الراحل أنور السادات ووفدت حينها رياح باردة على تلك العلاقات، وقامت الكيمياء العكسية بدورها في العلاقات بين السادات وأنديرا غاندي حتى إنه عندما أوفد الرئيس المصري الوزير بطرس بطرس غالي برسالة إلى رئيسة وزراء الهند استقبلت المبعوث المصري على مضض ووضعت الرسالة جانباً على المنضدة ولم تفتحها للقراءة، وفقاً للتقاليد الدبلوماسية المرعية في مثل تلك المواقف.
ولم يكُن الموقف الهندي في ذلك الوقت نابعاً من عداء حقيقي لمصر وسياساتها، وإنما كان مجاملة لدول الرفض العربي وحفاظاً على المصالح الهندية في منطقة الخليج والعمالة التي تحتفظ بها في تلك الدول، وبالعودة لمقالتي التي كتبتها في ذلك الوقت حينما لمحت إلى احتمالات التقارب المنتظر بين الهند وإسرائيل يومها قامت الدنيا ولم تقعد، فاحتج السفير الهندي في القاهرة لدى وزارة الخارجية على تلك المقالة، وكأنما يقول “حاشا لله أن نفكر في إقامة علاقات مع إسرائيل، بعد التاريخ الطويل والحافل من الدعم للقضية الفلسطينية في مختلف أطوارها” ومضت أحوال كثيرة وتدفقت أمواج في نهر العلاقات الهندية بعد ذلك.
ولاحظ المراقبون بوادر التعاون الخفي سياسياً وتقنياً بين تل أبيب ودلهي في وقت تباعدت سياسة الهند بالتدريج من الاتحاد السوفياتي السابق واقتربت من السياسة الأميركية عموماً، ثم كان مصرع أنديرا غاندي ووصول ابنها الأكبر راجيف إلى سدة الحكم التي احتلها من قبل جده ثم أمه، إلى أن لقي مصرعه هو الآخر وتبدلت الطرق وتغيرت المواقف وأصبحنا أمام موقف مختلف بكل صراحة ووضوح.
ولقد زرت الهند بعد 10 أعوام من انتهاء خدمتي فيها، وشعرت بأن التحولات التي كنت أتحدث عنها وكانت إرهاصات غير مؤكدة أصبحت واقعاً للعيان وحقائق لا تخفى على أحد، وكنت أقول لرفاقي في تلك الرحلة مخاطباً الهند “كم تغيرت يا هند؟” ولكنها العلاقات الدولية والمصالح المتغيرة والأهداف المتعددة.
وعندما وصل مودي إلى رئاسة الحكومة الهندية وهو المعروف بعدائه للوجود الإسلامي في الهند الذي يشاركه فيه كثير من المتطرفين الهندوس الذين يرون أن الإسلام هو المسؤول الحقيقي عن تقسيم القارة الهندية وتنويع نسيجها السكاني بقيام دولة باكستان، في مخالفة صريحة لتعاليم المهاتما العظيم غاندي ومواقفه التي كانت ترفض التعصب الديني والتطرف السياسي وتؤمن بالمقاومة السلمية وسياسة اللاعنف.
وها هي الهند تطل علينا بوجهها الجديد في غزل واضح بين الدولتين على حساب القضية الفلسطينية وحقوق شعبها الذي عانى ويعاني كما لم يعانِ شعب آخر في إقليم غرب آسيا بل الشرق الأوسط كله، وفي غمار هذه الذكريات حول سياسة الهند الخارجية أطرح ملاحظتين لهما ارتباط شديد بما جرى أخيراً وهما:
أولاً، إن ظهور دولة باكستان وربما بنغلاديش أيضاً اقتطاعاً من الجسد الهندي لمصلحة العالم الإسلامي أمر لا يغيب عن الوجدان الهندوسي الذي لا ينسى أن دولة المغول الإسلامية كانت صاحبة المسؤولية الأولى في دخول الإسلام وانتشاره في شبه القارة الهندية، حتى إن معظم الآثار الباقية من مساجد وأضرحة وقباب رائعة ومآذن تاريخية هي في مجملها آثار إسلامية يقف في مقدمتها تاج محل شاهداً على عظمة وروعة العمارة الإسلامية في الهند.
وعلى رغم التجانس السكاني الأصلي لمجموع الهنود في العالم وفي موطنهم بالدرجة الأولى، فإن ذلك لم يمنع من حدوث اضطرابات طائفية بين المسلمين والهندوس من وقت لآخر، كما أن مشكلة كشمير المتنازع عليها في شمال غربي الهند ستظل سبباً في تجدد الخلاف، بل الصدام العسكري بين دولتي الهند وباكستان، خصوصاً أنهما تملكان أسباب الردع النووي إضافة إلى قوة عسكرية لا يستهان بها. ولذلك كله فإن الموقف الهندي من إسرائيل لا يخلو من هذه الخلفية التي تشكل المعادلة بين طرفي العلاقة القائمة بين الدولة الهندية والأمة الإسلامية.
ثانياً، إنني أزعم أننا كعرب ومسلمين لم نكُن موفقين في احتواء الهند ربما باستثناء السعودية وبعض دول الخليج العربي التي حافظت في مجملها على علاقات متميزة بمسلمي الهند، ولفت نظري أخيراً اتصال رئيس وزراء الهند مودي بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، داعماً للمملكة بعد العدوان الإيراني على أراضيها في غمار الفوضى الذي أحدثها ذلك العدوان في الشرق الأوسط.
دولة الهند بثقلها السياسي والاقتصادي وتقدمها العلمي والتكنولوجي هي دولة نووية وشريكة في أبحاث الفضاء، كما أنها دولة اكتفاء ذاتي من الحبوب الغذائية، فضلاً عن تأثيرها الكبير في دول الجوار بجنوب آسيا، ومن عجب أننا في منظمة التعاون الإسلامي لم نتحمس لعضوية الهند فيها ربما مجاملة لباكستان أو حرصاً على تفردها بتمثيل الهنود مسلمين وغير مسلمين.
وكان من نتائج ذلك التباعد الذي جرى بين الهند وبعض العواصم العربية والإسلامية ذلك التحرك الصامت الذي بدأنا ندرك آثاره ونكتشف أبعاده، بل إن الاستقبال الحار الذي لقيه رئيس وزراء الهند خلال زيارته الأخيرة لتل أبيب دليل على اقتراب القوى الكبرى من الحركة الصهيونية وإسرائيل.
وبالمناسبة فإن الصين أيضاً تتمتع بعلاقات دافئة مع إسرائيل منذ أعوام مضت، والزيارات المتبادلة بين إسرائيل ونظيراتها من القوى المؤثرة في السياسات العالمية أصبحت أمراً لا يخفى على أحد. ولعل الحرب الأخيرة بين واشنطن وإسرائيل في جانب وإيران الثورة الإسلامية في جانب آخر خير شاهد على ما نقول!
اندبندنت عربية
