لقد انتهى زمن “إيران الدولة” رسمياً وما نراه اليوم هو الفصل الأخير لنظام انتحر من فرط تضخم مخالبه ولن يجد مسعود بزشكيان في نهاية المطاف أحداً ليعتذر له سوى بقايا دولة حطمها حراسها.
لم يعد نفوذ الحرس الثوري الإيراني مجرد تمدد سياسي أو اقتصادي داخل بنية النظام الإيراني، بل استحال إلى حالة استحواذ هيكلي كامل حوّل الدولة الإيرانية من كيان سياسي إلى منصة عمليات عسكرية عابرة للحدود، وإيران لم تعد دولةً تمتلك حرساً ثورياً بل حرسٌ ثوري يمتلك دولة، هذه العبارة ليست توصيفاً دعائياً بقدر ما هي فرضية تحليلية لفهم طبيعة واقع السلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم.
وبما أننا نعيش اليوم مشهد “الوراثة العسكرية” الصرفة فقد أجهز الحرس فعلياً على ما تبقى من إرث المؤسسة الدينية التقليدية مستغلاً الفراغ القيادي والسياسي والارتباك الذي خلفه غياب “المرشد” ليفرض واقعاً تكون فيه الرئاسة الإيرانية مجرد أداة شكلية لا تملك حق القرار السيادي.
هذا الاستحواذ ليس مجرد إزاحة للسلطة بل هو تحويل لمفهوم “الدولة” إلى “خزان وقود” لآلة الحرب التي يديرها جنرالات الحرس الثوري الإيراني واستمرارية الترسانة الصاروخية التي تمنح الحرس شرعيته الوجودية، نعم الحرس الثوري كان ولا يزال يعمل كدولة عميقة داخل الدولة.
وحيث إن هذا التحول المفصلي الذي خلفه غياب المرجعية العليا قد يفسر بوضوح حقيقة “المنطقة الرمادية” التي تديرها طهران في هذه الحرب بخاصة تجاه دول الجوار في منطقة الخليج العربي فإن دفع الحرس الثوري الإيراني بالرئيس مسعود بزشكيان على سبيل المثال لتقديم اعتذار مباشر لدول الخليج العربي لم يكن توجهاً حقيقياً للانفتاح بل “تحريض استراتيجي” صُمم بدقة لإرباك تقدير الموقف لدى العواصم الإقليمية بالمنطقة.
وعلى رغم محاولات تصوير الأمر كصراع داخلي إلا أن الحرس الثوري الإيراني يمارس التضليل السياسي ببراعة، إذ يطلق الرأس المدني للاعتذار وامتصاص الضغوط الدولية بينما تواصل منصاته العسكرية القصف الميداني والتحريض في آن واحد لترك الرأي العام في حالة تشويش دائمة.
اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ثم التراجع بعد تدخل الحرس الثوري ليس مجرد خلاف داخلي، بل آلية مزدوجة لإدارة الحرب والدبلوماسية، الرئيس يختبر رد فعل الخليج والدول الغربية والحرس الثوري يفرض سقف القوة العسكرية ويعيد ضبط الخطاب، التناقض العلني نفسه هنا أصبح سلاحاً نفسياً: وأي خطوة خارجية بالتأكيد تُحسب مرتين قبل التنفيذ والرئاسة مجرد واجهة بينما الحرس الثوري هو من يحدد مسار الحرب والسياسة الخارجية فعلياً.
أحد أهداف هذا التناقض المسيس هو الإرباك السياسي ليس أكثر والذي أعقبه الاعتذار الرئاسي ليس كنوع من “جس النبض”، فالحرس يستخدم بزشكيان كـ “رادار سياسي” لقياس حجم التوقعات والتنازلات الممكنة قبل توجيه الضربة التالية ما يجعل الدبلوماسية في هذه الحرب مجرد أداة لتحقيق الأهداف وليست وسيلة لإنهاء الصراع.
وفي سياق هذا التحرك ينتهج الحرس الثوري الإيراني استراتيجية “تمييع المسؤولية” عبر تمرير تطاولات أذرع “محور المقاومة” للقيام بعمليات الاعتداء غير المصرح مصدرها على منطقة الخليج، وهذا الانفلات الظاهري في الأدوار يبدو مقصوداً، إذ كلما بدا المشهد أكثر فوضوية أصبح من الصعب على الخصوم تحديد مركز القرار الحقيقي أو خطوط الردع الفعلية، وحيث إن الصمت المتعمد للحرس تجاه تحركات هذه الميليشيات في العراق والمنطقة لا يمكن تفسيره كفقدان للسيطرة فإنه يبدو كقرار مركزي لضمان تشتيت مصادر التهديد ومنح طهران قدرة فائقة على “الإنكار العملياتي”.
وبناءً عليه يسعى الحرس الثوري الإيراني لضرب العمق الخليجي عبر وكلاء يظهرون كلاعبين مستقلين ما يسمح له بابتزاز المنطقة أمنياً مع الاحتفاظ بـ “براءة رسمية” تمنع تحول المناوشات والاعتداءات إلى مواجهة شاملة قد تهدد مفاصل وجوده في الداخل.
إن “خصخصة الاعتداء” هذه تمثل ذروة الخبث الاستراتيجي الإيراني، فالحرس الثوري يدير الحرب بعقلية “المقاول العسكري” على ما يبدو الذي يوزع المهام على أطراف متعددة ليظل هو “الأصيل” المستفيد من النتائج من دون تحمل تبعات المسؤولية القانونية أو العسكرية المباشرة.
غير أن التساؤل الأكثر إلحاحاً هنا يكمن في اختلال بوصلة الاستهداف العسكرية لدى الحرس الثوري، فعند قياس حجم ونوعية الأهداف الحيوية التي ضُربت في دول الجوار، نجدها تتفوق بمراحل من حيث الدقة والتأثير التدميري عما تم توجيهه نحو إسرائيل، وهذا الاستنتاج يفضح العقيدة الحقيقية للحرس الثوري، إذ أحد الاحتمالات لقراءة المشهد على ما يبدو هي أن إسرائيل مجرد “عدو وظيفي” لازم لشرعنة التسلح والاعتداء وبسط النفوذ الإقليمي بالمنطقة حيث تظل دول الجوار بالنسبة له هي “الهدف الجيوسياسي” الحقيقي المطلوب إخضاعه والعبث في حدوده الاستراتيجية وتغيير توازناته القسرية.
ومع أن الحرس يمارس استعراضاً منضبطاً مع الخصوم البعيدين (أميركا وإسرائيل) للحفاظ على قواعد اشتباك تمنع زوال النظام ،إلا أنه يمارس “تغولاً استراتيجياً” ضد المحيط القريب من دول الجوار، مما يعني أن الحرس الثوري يعي تماماً أن مواجهة إسرائيل هي “مباراة صفرية” قد تنهي وجوده، لذا فهو يكتفي بـ “المناوشة المدروسة” بينما يرى في الخليج ساحة لـ الحسم الجيوسياسي الذي يضمن له البقاء كقوة مهيمنة وحيدة في المنطقة.
ولنقرأ المشهد أكثر وبالنظر إلى العمق الحربي الحالي فإن الحرس الثوري يدير اشتباكاً معقداً مع الولايات المتحدة وإسرائيل يعتمد على “تفتيت ساحة المعركة”، هو لا يخوض حرباً كلاسيكية بل يدير “اشتباكاً موزعاً” يستهدف استنزاف الخصوم في نقاط جغرافية متباعدة من الخليج العربي إلى لبنان.
وبما أن الحرس الثوري يسيطر على “مقر خاتم الأنبياء” باعتباره غرفة التحكم والقيادة القتالية الموحدة للقوات المسلحة الإيرانية، فإنه يمتلك دورة حياة عسكرية لا تتأثر بالعقوبات الدولية المفروضة على الدولة، إذ تُحول الموارد المستقطعة مباشرة إلى تمويل الطائرات المُسيّرة والصواريخ الباليستية ما يجعله الممول والمنفذ للصراع بمعزل عن أي رقابة حكومية، وهذا الاستقلال المالي والعملياتي يمنح قادة الحرس الثوري القدرة على الاستمرار في حرب طويلة الأمد حتى لو انهارت مؤسسات الدولة المدنية تماماً.
إن استمرار هذا التغول يعني أن الدولة في إيران أصبحت “رهينة” بالمعنى الحرفي للحرس الثوري، فالمؤسسة العسكرية لا تحتاج للدولة إلا كغطاء قانوني لعملياتها، وهي تستثمر في الحالة القائمة الآن من فراغ للسلطة ومناخ الحرب لإجهاض أي محاولة للإصلاح الداخلي قد تخلص النظام من قبضة جنرالات الحرس الثوري، ومن دون تصعيد خارجي سيفقد الجنرالات قدرتهم على السيطرة.
وبالنظر إلى ما سيؤول إليه هذا المشهد فإننا لا نواجه احتمال مواجهة كبرى فحسب، بل نرى ملامح تفكك النظام من الداخل، فالصدمة التي ستواجهها المنطقة هي أن الحرس الثوري في سعيه لابتلاع الدولة قد خلق فجوات عميقة في السلطة ستؤدي حتماً إلى تفكك سلطة الجنرالات نفسها وتحولها إلى إقطاعيات عسكرية متصارعة بمجرد زوال الغطاء الشكلي للمرجعية.
ولهذا فإن الواقع يشير إلى أن القادم ليس “إيران قوية ومهاجمة” بل “جغرافيا ممزقة” تسيطر عليها أجنحة الحرس المتناحرة، إذ سيتحول السلاح النووي من أداة ردع دولي إلى أداة ابتزاز متبادل بين مراكز القوى العسكرية لتأمين نفوذها الخاص.
لقد انتهى زمن “إيران الدولة” رسمياً وما نراه اليوم هو الفصل الأخير لنظام انتحر من فرط تضخم مخالبه، ولن يجد بزشكيان في نهاية المطاف أحداً ليعتذر له سوى بقايا دولة حطمها حراسها.
إن “الاعتذار” الذي صدر عنه لدول الخليج المجاورة لم يكن سوى نعي دبلوماسي للدولة الإيرانية وتسليماً رسمياً بأن مفاتيح الحرب والسلم لم تعد في يد من يرتدي “البذلة” أو “العمامة” بل في يد من يمسك بـ “الزناد”.
اندبندنت عربية
