غلب على تعليقات زعماء الدول المجاورة لإيران في معرض تنديدهم بالقصف الذي يطاول بلدانهم منذ 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط) شعور عارم بالصدمة. رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية محمد بن عبد الرحمن آل ثاني اختصر الإحساس العام المنتشر من أنقرة إلى مسقط، مروراً ببقية عواصم بلدان الخليج، بقوله لتلفزيون سكاي نيوز البريطاني، الأحد الماضي، إن الهجمات الإيرانية “خيانة كبرى”. شعور طبيعي بالنسبة إلى عواصم سعت بالفعل إلى التوسّط علناً وسراً لتفادي شن حرب ضد إيران، كالدوحة ومسقط على الأقل. ولم تكن نصيحة دونالد ترامب قبل بضعة أشهر للمسؤولين الإيرانيين بضرورة شكر أمير دولة قطر لأنه حال باتصالاته دون قصف بلدهم، سوى إفصاح عن هوية مَن كان يحاول فعلاً إبعاد شبح الحرب.
والإحساس بالصدمة والخيانة والاستفزاز ونكران الجميل تجاه القصف الإيراني ينمّ عن تمسّك المصدومين بقواعد طبيعية للسياسة في عالم لم تعد فيه سياسة ولا فيه معايير. وليست مصادفةً أن تسمع انطباعات متشابهة للمسؤولين القطريين حيال الغدر الإسرائيلي لدولتهم الوسيطة، والخيانة الإيرانية لجهود الدوحة نفسها التي كانت تنقل رسائل من علي لاريجاني وإليه قبل أيام فقط من بدء العدوان الأميركي ــ الإسرائيلي على إيران، وهو حال عُمان، الوسيط المزمن في كل ما يتعلق بطهران. والسياسة الطبيعية مثل ما يفهمها المُفاجَأون بهذا المنسوب من العدوانية الإيرانية، منطقها بسيط: تعهدات رسمية بألا تُستخدم القواعد الأميركية في المنطقة لمهاجمة إيران، في مقابل تحييد تلك البلدان عن الهجمات الإيرانية، فإذ بهذه البلدان، قطر مثلاً، تتلقى الصواريخ الإيرانية بعد أقل من ساعة من بدء الهجوم الأميركي ــ الإسرائيلي على طهران كما ذكّرنا رئيس الوزراء القطري في مقابلته المذكورة أعلاه. والحصيلة كما نعرفها بعد مرور 12 يوماً على الحرب: 2500 صاروخ وطائرة مسيّرة من إيران على إسرائيل، في مقابل 3000 صاروخ وطائرة مسيّرة على بلدان الخليج. ومَن يستمع للمبشّرين بالرواية الإيرانية هذه الأيام يراهم اكتشفوا أنّ وجود قواعد أميركية في بلدان الخليج تهديد بحدّ ذاته لإيران، ويبرّر قصف البلدان التي تستضيفها، من دون أن يتوفر من يخبر المبشرين هؤلاء بأن المعاهدات العسكرية للبلدان لا تتعلق بأهواء جيران أو أطراف ثالثة، وإلا لتوجّب على القيادة الإيرانية استئذان جيرانها قبل أن تبرم اتفاقاتها العسكرية العملاقة مع بلدان كبرى مثل روسيا والصين.
قبل ساعات من تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى خلفاً لوالده الأحد الماضي، روى محسن حيدري، أحد أعضاء مجلس خبراء القيادة المكلف تسمية المرشد، أن وصية علي خامنئي نصّت حرفياً على ضرورة أن يكون خليفته “مكروهاً من الأعداء”. كان بإمكان صاحب الوصية وناقلها أن يحدّدا هوية الأعداء، لكن الحرص على صيغة الجمع تختصر الكثير من أيديولوجيا نظام يرى الكون عدواً منذ 1979، ولم يكن له يوماً صديق أو حليف إلا إن كان الحلف يُقاس بقصائد غزل مثل تلك التي كانت تتنقل بين طهران وكاراكاس وهافانا. أما حلف منظمة شنغهاي وتحالف البريكس، فليسا أكثر من خرافتين سياسيتين يستحق نيل جائزة مَن يجد لهما أثراً هذه الأيام أو بياناً أو كلمة مفيدة بشأن الحرب الإقليمية التي تكاد أن تقضي على أحد الأعضاء المؤسّسين في هذين التنظيمين الكرتونيين، إيران. وفي سبيل تذكّر كم أن نظام الملالي لم يكن له صديق يوماً لأن العالم كله عدوّ بالنسبة إليه ما لم تتمدّد إليه الثورة الإسلامية وولاية الفقيه، تبرز ضرورة استعادة ما كشفه محمد جواد ظريف حين كان لا يزال وزيراً للخارجية الإيرانية، وحرفيته أن “الروس وضعوا ثقلهم لإفشال التوصل إلى اتفاق 2015 النووي”، وذلك في حوار سرّي سُرّب في إبريل/ نيسان 2021 ربما لحرق السياسي الإيراني المعتدل قبل شهرين من الانتخابات الرئاسية، وقد أتت بأصولي بوزن إبراهيم رئيسي رئيساً في ذلك العام.