خضر سلمان…. المصدر الجمهورية .نت-
-
1. فَرادة الثورة الأميركية كانت موضوع دراسة حنة آرنت في كتابها «في الثورة»، حيث لاحظت كيف انشغلَ «الآباء المؤسسون» بتأمين إطار مؤسساتي مرن لتفعيل الحريات السياسية والمُواطَنة النشطة، والنصّ في الدستور على الحق في الحرية والسعي إلى السعادة، والتي تُفهَم في الحياة الأميركية كـ«سعادة خاصة» وهي الحق في الثروة والتملك، و«سعادة عمومية»، وهي المَسرَّة الناجمة عن الشعور بالتحقق السياسي للمشاركة في الشأن العام والإدارة الديمقراطية للمجتمع.2. جاءت البنية الأساسية للعمل المسرحي من الهوامش الريفية لليونان القديمة، من طقوس جامحة لعبادة ديونيزيوس، حيث كانت هناك جوقة تنشد بأداء درامي ومُتلهِّف، وممثلٌ يلعب دور ديونيزيوس متفاعلاً مع الجوقة، وأقنعة.3. يَعرفُ هواة الفلسفة أن أول «إعلان» لـ«موت الله» عند نيتشه جاء في شذرة عنوانها «المجنون» من كتاب «العلم المَرِح»، عن شخص يستنهض الناس في السوق بصوت مصدوم: «الله مات، ونحن قتلناه، كيف محونا الأفق بممحاة، الأرض انفلتت من مدارها..» إلى آخر الأبيات الشهيرة، بينما يسخر السامعون منه كونه يقول الشيء الذي يعرفونه جميعاً ولا يتطرقون إليه.4. نيتشه والفلسفة، جيل دولوز، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت، الطبعة الأولى 1993 الفصل الخامس: الإنسان الأعلى ضد الديالكتيك، ص 247.5. من النص المترجم للعربية بعنوان: دولوز بصدد نيتشه، جيل دولوز، ترجمة حسن أوزال، موقع مجلة محمد عابد الجابري. يشكل هذا النص مع النص الآخر المترجم للعربية بعنوان: قلب الأفلاطونية نافذة معقولة على القراءة الدولوزية لمشروع نيتشه الفلسفي.
-
بالنسبة للرقص فالناس نوعان، مَن يرقص، ومَن قد يأخذ في حركات متشنجة تُعاكس عفوية الرقص وخِفّته، كما لو أن الجسد يعترف بعجزه وقيوده. وحين يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن نيكولاس مادورو يقلّد «أسلوبه» في الرقص، فإن نرجسيته وسوءَ فهمه هما مَن يتكلم، فالحقيقة أن كليهما يتشنج بطريقة من يُجامِل ولا يُراقِص.
نظرية للرقص؟
يُقرَأ فريدريك نيتشه كفيلسوف مادي، في تَقابُل مع التقليد المثالي المُهيمن على تاريخ الفلسفة، الذي يبدأ من الحالة المثالية «ideal» وما ينبغي أن يكون، في حين يبدأ الفكر المادي مما هو كائنٌ في الواقع، الواقع الذي ليس مَعيباً أو ناقصاً إلا من منظور مثالي. فعند اسبينوزا، المادي الأصيل الآخر، «يعني الواقعُ والكمالُ الشيءَ نفسه».
فإذا كان نيتشه من عُتاة الماديين، فلأنه أحضر إلى الفلسفة مَفهمةً لأكثر الأشياء استعصاءً على المفاهيم وتنفيراً للفكر المثالي، بل ما يُشكل موضوع رفضِ المثالية ومَحكمتها: الحياة!
وكما أن الحياة كمفهوم مادي أوسعُ من البيولوجيا، فالأمر نفسه ينطبق على الفلسفة المادية، التي هي أكثر من ذلك الفهم «الميكانيكي» للعلاقات بين الإنسان وظروفه من طبيعة واقتصاد، والذي يصفه كارل ماركس والأدبيات الماركسية بـ«المادية المُبتذلة».
والمكانة الممنوحة للحياة في فلسفة نيتشه هي ما يدفعُ أيضاً إلى قراءته كفيلسوف براغماتي، وهو رأيٌ لا تنقصه الرجاحة. وبالرغم من أن الفلسفة البراغماتية، ربما جزئياً بسبب ارتباطها العضوي بتجربة أميركا السياسية والاجتماعية الفريدة، 1 قلَّما تُفهَم في فضاءاتنا الثقافية المختنقة بمثاليتها إلا كمُرادِف للانتهازية والميكافيلية، فإن أطروحتها الجوهرية تتميز بالبساطة: أن عالم الفكر أداةٌ في خدمة الحياة، وأن الأفكار تُقَاس لا بصلاحيتها النظرية بمعايير الصواب والخطأ المنطقي، بل بفائدتها العملية.
وقد تبنّى نيتشه شخصيةً من الميثولوجيا الإغريقية التي كان يَعرفُها بتفصيلٍ تخصصي، باعتبار أن تخصصه الأكاديمي كان في اللغات القديمة، وهي شخصية الإله ديونيزيوس، إله النشوة والإفراط، وبتحديدٍ أكثر إله مواسم قطاف العنب وتحضير النبيذ وتحولات الطبيعة وصيرورة النبات، إله الحياة، وإله التراجيديا والمسرح والفنون، 2 حيث يحكي في كتابه الذي ينتمي لمرحلة متقدمة من عمله وتفكيره هكذا تكلم زرادشت (1885)، عن زرادشت الذي اعتكفَ في جبلٍ لسنينَ، ثم نزلَ يُبشر بفكرٍ ديونيزي وحياةٍ ديونيزية، إذ كان هاجس نيتشه يتمثل في إيجاد بدائل وسبل إحداث التَحوُّل في «المسيحية» الكامنة في الحداثة، وفي مفاهيمها وتصوراتها للعالم، ذلك أن الحداثة لم تكن في نظره أكثر من مسيحية مُعلمَنة. وبمعنى آخر فالحداثة العلمانية هي أقل حداثة وعلمانية مما تزعم، والمُثُل العليا الحديثة هي مُثُل المسيحية نفسها، «الروح القدُس» المُتجسّد في مُجتمعِ المؤمنين يصيرُ الأمة َالقومية، فيما العالميةُ «universality» هي في الأساس خطاب المسيحية كأول ديانة عابرة للإثنيات والحدود الإقليمية، والإنسانُ العالمي «الحديث» هو الإنسانُ الذي خلقته عصور المسيحية.
ودون إغفال السياق الأوروبي للسجال ولحظته التاريخية أواخر القرن التاسع عشر، ففكرة نيتشه أن المسيحية أفادت من العمارة الفلسفية للمثالية الأفلاطونية، التي ظهرت في فترة «انحطاط» للحضارة اليونانية المتأخرة، مُكرِّسةً «المَثَلَ الأعلى الزُّهدي» ومُحيلةً محاكمة الحياة و«نفي العالم الوحيد الذي يوجد حقاً» إلى مبدأ وقيمة، مُحدِثة في التاريخ انقلاباً شاملاً قضى على روح العصور القديمة، المنفتحة على الحرية والتعددية الوثنية.
ورغم التشابه في خطوط عامة بين المسيح وديونيزيوس، مثل الموت والقيامة وعبور الحدود بين البشري والإلهي، فبينما يُمثّلُ شخصُ السيد المسيح ذروةً توحيدية «monotheistic» في رفعه على الصليب، مُكثِّفاً في جسده المعذَّب الإنسانيةَ وموحِّداً الإنسانيَّ والإلهيَّ، وبينما يُمثِّلُ الصَلبُ صيغةً قصوى من «الافتداء»، فإن ديونيزيوس يُمثِّلُ روح البراءة وغيابَ عامل الذنب، وتُمثِّلُ قُدرته الإلهية (التحوُّل) إمكاناً مفاهيمياً ثرياً لإيصال العدمية إلى نهاياتها المنطقية وتجاوزها، كما يُمثِّلُ موت ديونيزيوس نقيضاً موضوعيّاً لموت المسيح على الصليب، حيث تَفتَّتَ مِزقَاً بين أسنان الوحوش الأسطورية (التيتان) بعد أن كان قد حوّلَ نفسه إلى ثور خلال محاولته الفرار منها، في نوعٍ من توكيدٍ رمزيٍّ أقصى للتعددية اللانهائية، الكامنة في كل وهمٍ بالوحدة.
والعدمية عند نيتشه تُفهَم كـ إرادة نفي الحياة لدى المُتعَبين، التي تتخذ قيماً تتناقضُ مع الحياة، لتؤدي في مآلاتها المتأخرة، في نتيجة منطقية، إلى انعدام قيمة القيم؛ هذا الحدث المأساوي الذي رمزَ إليه نيتشه بـ موت الله، والذي يشْرط وضعيتنا الروحية كناسِ الحداثة، حيث بينما قد نذهب إلى دُور العبادة، ونقول «الله» في كلامنا، نستبطنُ في الوقت نفسه إدراكاً مُشتركاً لـ«لامعنى» قيمِنا المشتركة. ينسحب هذا على جميع القيم الحديثة، فمن الذي «يؤمن»، بمعنى ذلك الإلزام الذاتي والأصيل بالديمقراطية، مثلاً، بالوطن أو بالثورة، بالعقل أو التقدم أو الحرية.. إلخ؟. 3 وضعٌ من التسطُّحِ القِيَميّ ينحدر فيه اتزانُ الأخلاق إلى مزايدة، وروحيةُ الدين إلى طائفية، ورحابةُ الثقافة إلى صراع، وإلى آخر ما هنالك من تجلّيات العدمية في كافة مناحي الحياة. وبعيداً عن أن يكون داعيةً للأصولية أو رومانسية المحافظة على التقاليد، فنقطة نيتشه هي أن لا مفرَّ للإنسان من إعادة التقييم الشاملة والنقدية، ومن خلق وإبداع ذاته وأخلاقيّاته، دون سندٍ غيبيٍ قديم أو شموليٍ حديث يُمليها عليه، فأقلُّ من ذلك هو بمثابة استثمار في العدمية وعودة الشيء نفسه.
وقد كان الإله ديونيزيوس يُعرَف في ثقافة الإغريق القدماء، بـ«مواهب» ثلاث هي الشرب والرقص واللعب، اقترحها نيتشه قيماً مضادة للعدمية، مُستبدِلاً فقط بالشرب، كقيمة، الضحكَ، ليكون الضحك والرقص واللعب، هي القِيَم النيتشوية بألف ولام التعريف.
قيمٌ ألهمت تياراً نقدياً تحررياً عُرِف بـ ما بعد الحداثة، وضمَّ مروحة واسعة من المفكرين يجمعهم أن نيتشه أحد مصادرهم إن لم يكن المصدر الرئيسي لرؤيتهم، من جاك ديريدا إلى ميشيل فوكو، وجيل دولوز وجان فرانسوا ليوتارد.
والضحك واللعب والرقص لحظاتٌ حيوية كثيفة ومُحرِّرة، وهي لحظات طبيعية (تنتمي إلى الإنسان في كينونته المادية الحية)، وفي الوقت نفسه تعكس ثلاثتُها تجربةً مُتعالية تخصُّ الإنسان في جانبه المُدرِك (الميتافيزيقي)، إذ لا يستطيع غائبُ الوعي أن يضحك على نكتة، أو ينخرط في لعبة، أو يرقص بجمالية: «إن الضحك واللعب والرقص، مُسنَدَةً إلى زرادشت هي قدرات التحويل: يُحوِّلُ الرقصُ الثقيلَ إلى خفيف، ويُحوِّلُ الضحكُ الألمَ إلى فرح، وتُحوِّلُ لعبةُ رمي النرد الأرضيّ إلى عُلْويّ، وبإسنادها إلى ديونيزيوس كمبدأ كوني، يُثبِتُ الرقصُ الصيرورةَ ووجودَ الصيرورة، ويُثبِتُ الضحكُ والقهقهاتُ المُتعدِّدَ وواحدَ المُتعدِّد، ويُثبِتُ اللعبُ الصدفةَ وضرورةَ الصدفة». 4
وفي فشلِ «الرئيس» في الرقص، فشلُ الجناة في النسيان والانفصال، وفشلهم في البراءة في أبسط صورها وفي التخفُّف من الحقد والعداء، وفشلُ منظومة الإنسانية الحديثة في إنتاج نُخَبها: «يصف نيتشه الدول الحديثة كخلية النمل، حيث لا ينتصر الرؤساء والأقوياء سوى بفضل ما يميزهم من دناءة وهزْل». 5 (يتّسمُ مجتمع النمل بالامتثال والهرمية العمياء، والتنظيم الآلي systemization).
ولالتقاط عُمق المنظور النيتشوي، بوسعنا إِعمالُ الرقص معياراً جاداً لتقييم أنفسنا، ولتقييم الفاعلين السياسيين والاجتماعيين لأزمنتنا، الآباء وقادة الرأي، المفكرين والعلماء والفلاسفة.. لنلمحَ على الفور عيباً عميقاً ومحدوديّةً جذريةً لجسدٍ لا يجيد أبسط الأشياء؛ التبخْتُر، مكبوتاً مُغترِباً مكبَّلاً بركام التواريخ الممتدة للحزن المُصبوبِ في الأرواح، أرواحِنا التي ليست في نهاية الأمر إلا مَجازاً أدبياً للحمنا الحي، ليبقى الأمر – بحسب نيتشه – متعلقاً بنوعية «إرادة القوة» التي نختار أن نُسْلِمَ لها قِيادَنا ونمضي في تَدفُّقها، من حيث نُبلها أو دناءتها، وليكون لنا على الأقل أن نرغب، نرغبَ في الرقص ونتركَ لهذه الرغبة أن تفعل فعلها في حيواتنا. قد يكون بعيداً مثل حلم، ولكن ربما، في مكان عام أو خاص، أو حتى لوحدك، فأياً من كنتَ لك الحق في أن تتمايل طلباً لـ«حريةٍ حرة»، باستعارة التعبير اللطيف للشاعر الفرنسي أرتور رامبو.
فكي ترغب في الرقص مُخلِصاً في رغبتك، ليس عليك أن تكون نمطاً بعينه من الأشخاص أو أساليب الحياة أو المواطنيات؛ ليس عليك أن تكون سانّا مرين رئيسة وزراء فنلندا السابقة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الناشطة الاجتماعية والبيئية التي نشأت في كنف أسرة مثلية من الطبقة العاملة، التي ظهرت، خلال فترة ولايتها (2022) في مقطع فيديو من حفلةٍ منزلية، وهي ترقص مع أصدقائها بتبسُّطٍ، ما أثار جدلاً في البلد ومطالباتٍ من المعارضة بمحاكمتها، وأُلجئت للخضوع لاختبار فحص مخدرات، كانت نتيجته سلبية، وتبيَّنَ أنها كانت فقط تحتفل.
حادثةٌ توضّح أننا، كإنسانية، بعد كل شيء، ما نزال بعيدين عن المثال النيتشوي.
-