دوّنَ حسين الشرع سيرته الذاتية في ثلاثة كتب (روايات) هي: الرؤوس الحامية (صدرت طبعته الجديدة عن دار الفكر في العام 2025) وبغداد مدينتي (صدرت طبعته الجديدة عن الدار نفسها بالتاريخ ذاته) والشقة 43 (صدرت طبعته الجديدة عن دار ميسلون في العام 2025 أيضاً). وخلت كلها من ذكر ولده الشهير أحمد لأسباب منطقية؛ فحين كتبَ الأبُ «الرؤوس الحامية»، في بداية التسعينيات، كان ابنه طفلاً، وعندما كتب السرديتين التاليتين كان معروفاً بلقب «أبي محمد الجولاني». ولم يكن من المُلائم الإفصاحُ عن نَسَبِه حين نَشرت دار نقش الإدلبية هذه الكتب أول مرة، في عامَي 2020 و2021، بطبعات مُغفَلة.

ظهر خبير اقتصاديات النفط في الحياة السورية العامة بعد وقت قصير من تَسلُّم ولده حكم دمشق. ورغم أنه أوضحَ مراراً، بحق، أنه مواطن عادي لا يشغل وظيفة رسمية ولا صفة استشارية؛ إلا أن الفضول حول شخصيته ودوره ظلَّ يُراود مُتابعي البودكاستات التي أُجريت معه، كما انتظر منها المشاهدون جوانب من سيرة ابنه، وهو ما لم يَرِد إلا لماماً في المقابلات. قبل أن يصدر كتابه الجديد ذاكرة الأسماء عن دار ميسلون، في العام 2026، والذي لا يحمل معلومات معقولة عن سيرة الابن (والأب) فقط، بل يهدف إلى بناء جسر بينهما عبر عنوان فرعي يحتاج إلى تفسير مُسبق: «أمجد مظفر بين زمنين ‘1963-1970’ و‘2004-2011’».

فحين كتبَ حسين الشرع روايته «الرؤوس الحامية»، التي لم تحصل على موافقة الرقابة في عهد البعث؛ سجّلَ سيرة مقاومته لهذا الحزب يافعاً ثم شاباً، حين تخفى بطله (نفسه) تحت اسم «أمجد مظفر» الذي لا يخلو مُكوِّناه من دلالات معتدّة واضحة. لكن المفاجأة كانت عندما اكتشف الأب أن ابنه اختارَ انتحال الاسم نفسه حين دخل إلى العراق وحمل بطاقة شخصية مزوَّرة دخل بها السجن وخرج منه بعد سنوات من دون أن يُكشَف، كما دلت الوثائق التي أفرجت عنها السلطات العراقية مؤخراً.

لا يقتصر الأمر على التقاطِ الابن للاسم من أحاديث والده في البيت. بل يحمل استخدام الاسم المستعار نفسه دلالات أعمق حول تعلّق الأسرة بالعراق ورمزيته إلى درجة عدِّ الأبِ بغداد «مدينته»، وسفرِ الابن، سراً، للقتال دفاعاً عنها في شباط (فبراير) 2003، عندما فوجئ الأب باتصال ابنه منها. ورغم أنه «أصيب بالدهشة وأبدى استنكاره» كما يقول، إلا أن الجملة التي كانت تجول في أعماقه هي: «لو كنتُ شاباً لذهبت».

ففي أوضحِ ربط بين فصلي الكتاب، اللذين يحملان عنواني «أمجد مظفر الأول» و«أمجد مظفر الثاني»؛ يقول حسين الشرع إن أمجد الأخير مثّلَ بداية لمرحلة جديدة للثورة ضد الاستعمار الجديد ومواجهة غزو واحتلال جديدين في القرن الحادي والعشرين لبلد «عربي إسلامي ذي مكانة مهمة في تاريخنا القديم والمعاصر». فكان «تجسيداً لوحدة الأمة وضرورة الدفاع عنها، خاصة حين تشتد الأزمات وتفرض قضايا تتطلب التضحية والفداء». متجاوزاً خلافاته مع ابنه الشاب حول توجهاته الإسلامية.

بتنضيد المعلومات السِّيَرِية المتناثرة في الفصل الثاني نعرف أن أحمد وُلد في الرياض، في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1982، عندما كان والده يعمل في وزارة البترول والثروة المعدنية السعودية. وكان أصغر إخوته؛ ماهر وحازم وجمال، الذين باتوا معروفين، وعلي.

بحسب والده حظيَ أحمد برعاية الجميع وخاصة والدته. وكان «طفلاً رائعاً منذ صغره، هادئاً، مطيعاً، بعيداً عن الشغب المعتاد لدى الأطفال». وحين عادت الأسرة إلى دمشق سكنت في حي المزة فيلات شرقية. ثم بلغ سنَّ الدراسة فكان مُجِدَّاً ومجتهداً وأكملَ المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية في الحي. وعندما نجح في البكالوريا التحق بالتعليم المفتوح (في قسم الإعلام) لأن علاماته لم تكن كافية للقبول في إحدى كليات جامعة دمشق.

كان له أصدقاء كُثُر، يُمارس معهم لعب كرة القدم في ملاعب المدارس المجاورة. وكان، مثل أي شاب في عمره، يرتدي الجينز ويُطيل شعره، لكنه بقي «هادئاً متزناً» ولم تمرّ عليه سن المراهقة بما تحمله عادة من تمرد واضطراب. إلا أن ارتياده للمساجد كان النقلة النوعية الحقيقية في حياته، فمنذ ذلك الحين بدأ تَغيُّرُهُ يظهر بوضوح ولاحت عليه مظاهر «التدين المبالغ فيه» بحسب أبيه. وتأثر بما كان يراه من معاناة الفلسطينيين على يد المحتل الإسرائيلي، وربما كان هذا من أهم الدوافع التي قادته لاحقاً للذهاب إلى العراق للدفاع عنه، كما يفكر شاب متحمس.

لكن هذه الرحلة لم تَطُل. فبعد أيام من سقوط بغداد بيد الأميركان كان بين مجموعات من الشباب السوريين في طريق العودة، ليواجه لومَ والده لأنه تَطوَّعَ للقتال وهو لا يعرف استخدام السلاح وسؤاله: «بماذا ستحارب؟». وبعد أيام طلب من أبيه السماح له بمشاركة صديق له في فتح متجر لبيع الموبايلات وصيانتها في محل تملكه العائلة، فوافق والده الذي فوجئ، من مكتبه المجاور لتجارة العقارات والاستشارات الاقتصادية، بأن زبائن ابنه رجال ملتحون بجلابيات قصيرة يمكثون ساعات طويلة في «مكان رزق». ومع تكرار الأمر انفجرَ غضبه في وجوههم، فانسحبوا بصمتٍ وظلَّ ابنه مطرقاً إلى أن عاتبه في اليوم التالي: «كيف تقرّعني أمامهم وأنا أميرهم؟».

في هذه المرحلة كان أحمد قد تَحوَّلَ إلى ارتداء الجلابية وصار يُطيل البقاء في الجامع. فإذا عاد إلى المنزل وشاهد إحدى المذيعات تُقدّم نشرة إخبارية، مما يتابعه والده في العادة، أغلق التلفاز مُحتجَّاً على ظهور امرأة على الشاشة، مما كان يتسبّب في حدوث مُشادّة بينه وبين أبيه، يخرج بعدها ممتعضاً في الغالب. ثم اختفى وحاول السفر إلى السعودية فحالت الأسرة بينه وبين ذلك وأعادته إلى البيت، حيث اعتزلَ في غرفته ولم يعد يُواظب على ارتياد الجامع، ثم عرف والده أن الإمام كان وراء منعه من ذلك خشية إثارة الشبهات الأمنية حوله وحول بقية الرواد.

في العام 2005 عاد أحمد إلى العراق، تهريباً مع صديقَي الحي ليث عباس وبسام الحصري. ويظهر الأول في هذه الأيام كشبه مرافق فيما كُلِّف الثاني بإدارة أوقاف السويداء. وعاد الرفيقان من العراق بعد أيام لأنهم وجدوا أن البيئة غير مواتية، فيما تابع أحمد طريقه إلى الموصل حيث اعتُقل بعد وقت ليس طويلاً.

في السنوات اللاحقة لم تعرف الأسرة شيئاً عن ولدها رغم مراجعات الأب للفروع الأمنية واستخدامه لعلاقاته. فقد ردّت رئاسة الجمهورية (عن طريق الوزير منصور عزام) بأنه غير موجود لدى أي من السجون المدنية أو العسكرية. ونفى فايز النوري، رئيس محكمة أمن الدولة العليا، مرور اسمه في سجلاتها. وفيما أحالَ اللواء محمد ناصيف شبهة اعتقاله على الأمن السياسي، نفت الشعبةُ أنه عندها. وحتى عندما جرى تبادل معتقلين بين السعودية وسوريا لم يكن من بينهم، على الرغم من تسليم المملكة لماهر إدلبي (محافظ دمشق الحالي) الذي سافر معه مرتين إلى هناك.

في رمضان 2012 وصلت إلى الأسرة رسالة بالتوجه إلى القامشلي حيث قادهم عدة مراسلين إلى منزل في حي حديثِ البناء. وبعد ساعة من الانتظار دخل عليهم أحمد قائلاً بلهجة عراقية: «كيفكم إن شاء الله زينين؟».

كان ذلك أبو محمد الجولاني، وكانت تلك بداية حقبة أخرى.