قبل اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى بيومين فقط، كتبت مقالاً في هذه الصحيفة بعنوان «الشرق الأوسط بعد ثلاثين عاماً» ومحاولة قراءة مسار منطقة اعتادت أن تتحرك بين استقرار هش وانفجارات مفاجئة، لكن بعد أن دارت عجلة الحرب فعلياً، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً ووضوحاً: إلى أين يمضي الشرق الأوسط بعد هذه الحرب؟
لكن قبل السؤال عن نهاية الحرب أو ما بعدها، لا بد من العودة إلى سؤال أكثر بساطة: لماذا اندلعت الحرب أصلاً؟ كثيرون ربطوا المواجهة بالبرنامج النووي لإيران أو تهديدها لإسرائيل وبخاصة بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، غير أن الواقع يقول إن المشكلة ليست البرنامج النووي بقدر ما هي عقلية سياسية حكمت إيران منذ نحو 5 عقود، عقلية ترى في تصدير الثورة مشروعاً سياسياً، وتتعامل مع النفوذ الإقليمي بوصفه امتداداً طبيعياً لفكرة الصراع الدائم، وهي عقلية في تقديري لم تتغير منذ الخميني إلى المرشد السابق الراحل علي خامنئي، والأقرب أنها مستمرة مع المرشد الحالي مجتبى خامنئي.
وهذه العقليات لم تتغير رغم العقوبات الطويلة، والحصار الاقتصادي، ولا حتى رغم التحولات الكبرى التي شهدها العالم. فبينما كانت دول المنطقة تعيد ترتيب أولوياتها حول التنمية والاستقرار، بقيت طهران تتحرك وفق معادلة مختلفة هي الردع قبل التكامل، والصراع قبل التنمية.
ولهذا شهدت المنطقة مشهداً غير مسبوق من التصعيد هذه الأيام، فهنالك أكثر من ثلاثة آلاف صاروخ وطائرة مسيّرة أُطلقت من إيران، استهدفت دول الخليج والبنية التحتية للطاقة والمنشآت الحيوية، رغم أن دول الخليج أعلنت بوضوح أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها لأي عمل عسكري ضد إيران، بل إن بعض هذه الدول اختارت طريق التهدئة وبناء التفاهمات، كما حدث في اتفاق بكين الذي أعاد العلاقات بين السعودية وإيران، كما أن بعض الاقتصادات الخليجية، وعلى رأسها الإمارات، كانت لسنوات رئة اقتصادية لإيران في ظل العقوبات، وأيضاً قطر التي كانت علاقتها مميزة، وعمان التي لعبت دور الوسيط أثناء مفاوضات البرنامج النووي.
ولهذا يبدو استهداف المنشآت الخليجية خلال هذه الحرب غير مبرر سياسياً ولا استراتيجياً، لكن يبقى السؤال عن العقلية التي تدير المشهد في إيران، فاستهداف دول الخليج لا يضيف لإيران قوة، بل يفتح عليها جبهات لا تحتاجها، وهنا يبرز سؤال: ألا تحتاج إيران اليوم إلى رجل رشيد أكثر من حاجتها إلى مرشد؟ رجل يدرك أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس بعدد الصواريخ التي تطلقها الدول، بل بقدرتها على بناء اقتصاد منتج، واستقرار سياسي، وعلاقات متوازنة مع محيطها.
إيران ليست دولة فقيرة بالموارد، بل تمتلك مقومات تجعلها قادرة على أن تكون واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في الشرق الأوسط؛ فلديها الموقع الجغرافي الاستراتيجي، وسوق ضخمة، وموارد طاقة هائلة، لكن هذه المقومات ظلت لعقود أسيرة رؤية سياسية تعتبر النفوذ الإقليمي بديلاً عن التنمية الداخلية.
ونعود للشرق الأوسط، وأن ما يجري اليوم في المنطقة ليس مجرد حرب فقط، بل ربما يكون بداية لتشكيل وترتيب المنطقة والبيئة الاستراتيجية، كما ذكر المؤرخ الأميركي جون لويس غاديس أن الحروب الكبيرة لا تنهي الصراعات فقط، بل تعيد ترتيب البيئة الاستراتيجية التي تعمل داخلها الدول؛ بمعنى أن نهاية الحرب قد تكون بداية لنظام إقليمي مختلف عمّا كان قبله، ويمكن فهم الحديث المتكرر في واشنطن عن شرق أوسط جديد، وهو بالمناسبة ليس تعبيراً جديداً؛ فقد ظهر في الأدبيات السياسية الأميركية منذ عقود، لكنه يعود للواجهة كلما شهدت المنطقة تحولات كبرى، والفكرة في جوهرها تقوم على إعادة ترتيب موازين القوى بحيث تقوم المنطقة على شبكات من التحالفات الاقتصادية والأمنية بدلاً من صراعات المحاور المفتوحة. وذكر الباحث الأميركي كينيث بولاك أن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة تتجه تدريجياً نحو بناء نظام إقليمي يعتمد على الشراكات الاقتصادية والتكامل الأمني بين الدول، بدلاً من إدارة صراعات لا تنتهي.
لذلك المنطقة بين اختبار لنموذجين مختلفين في إدارة الدولة، النموذج الأول يقوم على فكرة أن النفوذ يُبنى عبر الصراعات المفتوحة وشبكات الأذرع المسلحة ومحاولة التوسع الجغرافي أو الهيمنة السياسية، أما النموذج الثاني فيراهن على التنمية والاستقرار وبناء الشراكات الاقتصادية الإقليمية.
لذلك النموذج الأول سيبقي المنطقة ملتهبة والصراع مستمراً والمزارع خصبة لمزيد من التطرف والمتطرفين وزيادة المخاطر الأمنية، أما النموذج الثاني لا بد أن ترافقه قرارات شجاعة لتصفير وتسوية جميع النزاعات وأولها تسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي لبدء علاقات طبيعية بين دول المنطقة لتكون التنمية الخيار الأول والأهم للشرعية السياسية، والبوصلة التي تقيس بها الدول قدرتها على التقدم والاستقرار، والتجارب السابقة أثبتت أن أي نظام إقليمي لا يمكن أن يستقر ما لم ينبع من داخل المنطقة نفسها.
لذلك يطرح السؤال: أي شرق أوسط سيولد؟ السنوات المقبلة وحدها ستجيب عن هذا السؤال. لكن ما يبدو واضحاً منذ الآن أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة تشكيل عميقة، وأن الدول التي ستجلس إلى طاولة القرار في المستقبل لن تكون تلك التي أتقنت إدارة الصراع فقط، بل تلك التي فهمت في الوقت المناسب أن التنمية قد تكون أحياناً أقوى من الحرب نفسها.
الشرق الاوسط
