تركت فترة الستينات والسبعينات بصمتها الثقافية في الحياة الأوروبية والأميركية بشكل خاص وفي العالم بشكل عام. كانت فترة انصهرت فيها أحداث الزمن فرشحت في شوارعها حركات اجتماعية فنية سياسية وتيارات فوضوية رافضة لسياسات الحروب والكوارث الاقتصادية التي لا تتوقف عن سحق الإنسانية.
وكانت حرب فيتنام التي أعقبت الحربين العالميتين والقنبلتين النوويتين إحدى ذرى الوجع الإنساني ذلك الوقت في الغرب. أجيال بأكملها تغربت في موقفها الأخلاقي الرافض للعنف والتوحش وانفكت عن موقف بلادها الداعم للحرب، وعن انتمائها للهويات القاتلة رافضة الكراهية والعنصرية في فعل تضامن رمزي مع الشعوب التي تنفيها الحروب خارج التاريخ كي تمحو انتماءها لهذا التاريخ فتمحو بالتالي سرديتها الثقافية والحضارية العميقة.
برزت إبان حرب فيتنام حركات فنية مدنية تحررية ذات انتشار كوني واسع، اعتنقت كلها الحرية. أطلقت صرخة في وجه الكون، بدت كأنها بلا برنامج سوى موقفها المناهض للحرب. وكانت مقولتها الشجاعة والبسيطة التي جمعت أجيال الشباب في العالم حولها هي “اصنعوا الحب لا الحرب”.
تنقلت هذه المقولة وتخطت الحدود والرقابات والحواجز والأيديولوجيات وحطت في أماكن الصراعات، وتم التصرف بها ونقلها وتغييرها بحسب الظرف، لكنها بقيت مرجعية. الأجيال التي أطلقت هذه الصرخة، أنكرت سياسات الحروب وثقافات الاستبداد وتجلى موقفها من الرأسمالية بمقاطعة الاستهلاك. وبالمظهر الذي عبرت عنه بالتقشف والالتصاق بالطبيعة، كانت الثورة في الشكل أيضا، وفي التحرر من المظهر السائد المعبر عن نظرة جمالية تخدم السوق الرأسمالية. حتى إنها استرخت واسترسل الشعر الطويل والبنطال الواسع، حاولت هذه الموجة في مظهرها الجديد المسترسل والمسترخي الانتماء إلى زمن آخر يبتعد بها عن صرامة الشكل العسكري والرسمي واعتمدت مفردة السلام في أدبياتها.
كانت الفلسفة والشعر والفنون والموسيقى دينامو حركات التحرر الاجتماعي والثقافي والسياسي في العالم. وكانت حركة الهيبيز وفرقة البيتلز وأغنيات بوب ديلان وجوان بيز وموسيقى البوب وغيرها من فرق وتيارات ثقافية اجتماعية تحررية، امتدادا للحريات المدنية، عكست الاضطرابات التي سادت العقد وجسدت أشكالا ثورية النزعة ورافضة، بلغت ذروتها في انتفاضة الطلاب والعمال في مايو/أيار 1968 في فرتسا التي امتدت إلى أميركا وأوروبا واتسعت موجاتها لتبلغ كل مكان.
رفضت كلها عبث الحروب وصرخت في وجه الكون تلك الصرخة التي بدت حينذاك عارية حرة مختلفة لكنها بالتأكيد ليست مجرد كليشيه، فالحرية الكامنة في الفرد تجعله يسلك هذا الطريق “اصنعوا الحب لا الحرب”.
جيل عالمي قرر رفض الحرب، مرددا مقولات مثل “إذا لم يستطع صوتك وقف الحرب فلا تعطِ صوتك في الانتخابات لأحد”، مشاركا في فضح صناع الحروب، والتحرر من الحدود من أجل الوصول إلى الآخر. كل هذا كان عنوان تلك المرحلة التي قال فيها جون لينون للجمهور المكتظ الذي جاء لسماعه في نيويورك تحت المطر: “أنتم الوحيدون القادرون على وقف هذه الحرب. ربما تمطر الآن قطرات فوق رؤوسكم، لكنها تمطر قنابل فوق فيتنام، امنحوا السلام فرصة”.
لا تزال الأجيال الشابة والتي قبلها، تبحث عن معنى للوجود وعن صوتها المختلف المستقل في عالم يسيل من حرب ليدخل في أخرى. لا تزال الإنسانية تبحث عن بصمتها وعن صيغتها في المقاومة وعن مستقبل آمن للبشرية وعن التمسك بالمكتسبات الإنسانية عبر النضال الإنساني الطويل للحركات المدنية التي خطت مواثيقها مفردات المساواة والحرية وحقوق الإنسان.
في السنوات التي سبقت حرب فيتنام، كانت نكبة فلسطين تجثم على صدر الإنسانية. هذا المخاض الإنساني وضعته العولمة والليبرالية المتوحشة، في قدر واحد تغلي فيه متى شاءت أقدار الشعوب. ليبرالية تمحو ثقافات وتحتل حضارات، وتغزو شعوبا بذات روح المقامرة والمجانية والعبث كما في لعبة الفيديو.
أطلق عصر العولمة وثقافة الاستهلاك على العالم اسم القرية العالمية. بدت التسمية مخادعة ولطيفة ومحببة وغريبة، كدعابة متوحشة من التكنولوجيا المتوحشة.
اليوم، ونحن في قلب الحرب التي لم نخرج من جوفها منذ نكبة فلسطين مرورا بحروب الاستبداد والإبادة في المنطقة، نعيش وقائع الحرب الثلاثية الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية التي تهدد، بين ما تهدده، دول الخليج العربي في مكانتها الاقتصادية وأمانها.
اليوم، ألتفت إلى تلك الحركات التحررية العالمية التي أنتمي أيضا إليها، حين ملأت شوارع العالم في السنوات الأخيرة مساندة قضية فلسطين ضد الإبادة، تلك الأجيال التي عاشت هنا وهناك والآن وآمنت بالديمقراطيات والحريات الاجتماعية والفردية وجردتها الاستبدادات من إمكانية أن يكون لها رأي في وقف الحروب. وها نحن نلتقي على تخوم الحروب مرة أخرى. فلتكن الصرخة الآن: “اصنعوا الحياة لا الموت”.
