زهير الجزائري….كاتب عراقي. جريدة المدى
صناعة الذاكرة
مشكلة الذاكرةّ أنها قابلةّ للتشكل. العقائد الكبيرة، ومنها الإسلام تعمل على تشكيل ذاكرتنا وفقها. يُقدّر عدد المسلمين في العالم لعام 2025 بنحو 2.04 إلى 2.4 مليار نسمة، وهو ما يمثل أكثر من 25% من إجمالي سكان العالم. يختلف المسلمون في قومياتهم وشكل إسلامهم، لكن هناك ثوابت متفق عليها. (الذكر) و (التذكر) حسب (لسان العرب) هو حفظ الشيء والتذكير به قولاّ من خلال الصوت أو الكلمة المكتوبة لشخص آخر لمنع النسيان. القرآن يعتبر النسيان عاهة ذهنية و أحيانا يقترن بالإهمال و بإغراءات الشيطان للضعف الإنساني. لذلك يركز على التذكير الذي يقوم به شخص آخر أو أداة أخرى بافتراض أن الإنسان مطبوع على النسيان و ليس على التذكر التلقائي. استخدام التكرار كوسيلة للتذكير. والتذكير يركز على ممنوعات الدين ووصايا الله المدرجة في كتابه. و ترد كلمة (ذكر) و (تذكير) أكثر من ٢٥٠ مرة في القرآن. عند صعودي أو نزولي من البيت إلى الشارع يذكرني تسجيل في المصعد الكهربائي في عمارة بمنطقة الدقي في القاهرة بأن أبدي امتناني لله على ما وفره لنا من تسهيلات، و يطلب مني امتناناّ لله عند ركوب التاكسي، و يذكرني التلفزيون بنار جهنم عند جلوسي للفطور في الفندق… هذا هو أمر الدين، والدين متطابق مع المتدين البسيط. حتى لو لم يكن المتلقي قادراّ على حفظ النص المقدس. بإستطاعته أن يحفظ عن ظهر قلب آياته التي تمس حياته اليومية. التكرار يلتقي مع ذات عاجزة تتجه عمودياّ إلى الله طالبة العون ومؤمنة تماماّ بقدرة الخالق المطلقة. التمرد على الدين هو دين بحد ذاته، مشاهد القصف الإسرائيلية للبيوت في غزة كانت تشحنني بالغضب والعجز في نفس الوقت، الأطفال الذي يخرجون من تحت الركام و هم يصرخون من الهلع، الأب الذي يحاول يائساّ أن يرفع السقف عن صدر أولاده، الأم التي رفعت يدها للسماء التي تأتي منها صواريخ الإبادة.. كل ذلك حملني إلى أن أناديه بين الغضب والنسيان: أييييين أنننننت!؟
هناكّ إلى جانب الدين تدخلات السلطة، رمزية كانت هذه السلطةّ أم حقيقية. وهي مشحونة بالقوة تجمع بين الإكراه و الإقتناع متداخلين. حين يتعذر الثاني يتهيأ الأول و بيده عصا غليضة لفرض ذاكرة السلطة بالعنف. يصف (بول ريكور ) هذا التلاعب بالذاكرة الجماعية بأنه» تدخل عامل مقلق ومتعدد الأشكال يلح بين المطالبة بالهوية وبين التعبيرات الجماعية للذاكرة». هذا التدخل الآيديولوجي متسلل أو معلن، يخيف من عدو أبدي متربص ويعد بمستقبل باهر يوتوبي . السيرورة الآيديولوجية متسللة وخفية على الصعيدين غير معترف بها. القوميون العرب خلطوا بين الآيديولوجيا و اليوتوبيا مفترضين وجود عصر ذهبي إسلامي عربي موحد. لم نر هذا العصر الذهبي و لا نتخيله لكننا نحفظ أوصافه ونتخيله نقيضاّ لهزائمنا الحالية. التاريخ الرسمي الذي نقرأه في المدارس يصفه لنا بالكلمات دون أن تحوله مخيلتنا إلى صور، مع ذلك نحفظة في ذاكرتنا الإستظهارية. صناعة الذاكرة وإعادة صياغتها مرتبط دائما بالسلطات المهيمنة. بالآيديولوجيا النازلة من فوق يمكن دمج الجزء بالكل وشرعنة العلاقة بين الحاكمين والمحكومين الكلام هنا ما يزال لريكور . هناك تناوب بين مطلب الشرعية الآتي من فوق وبين رد المحكومين بالتصديق والإيمان. تتنوع التقاليد والطقوس للتعبير عن هذه المعادلة. هناك مهرجانات و احتفالات ومناسبات متواصلة لتحقيق ذاكرة جمعية في عراق البعث بمناسبة عبد ميلاد القائد. تغيرت صورة القائد ورمزيتها، و تغيرت معه الذاكرةّ التلقينية لأجيال من العراقيين الذين نشأوا تحت سلطته.
عند عودتي للعراق بعد 2003 أردت أن أستبطن ذاكرة الشبان الذين ولدوا وكبروا تحت السلطة المطلقة لصدام حسين. في الطريق إلى المدرسة يرون صورته كل ثلاثة دقائق ويرون صورته مكبرة أمامهمّ عند مدخل المدرسة، هذا إذا لم تكن المدرسة ذاتها تحمل اسمه، سينشدون له عند رفع العلم ويجدونه أمامهم في الصف فوق سبورة الدرس ويبتسم لهم حين يفتحون كتاب الدراسة.. ما من مفر! إنه يحتل ّ ذاكرتهم. سألتهم عما يمثله لهم وما تبقى منه فيهم. وقد التقيت عشرين من هذا الجيل في بيت مهندس ذو ماض يساري .ابنته رتبت اللقاء :
– كان ابونا و زعيمنا و بطلنا، و هو الوحيد الذي يخيفنا .
هكذا قال لي واحد من هذا الجيل.
أردت أن أختبر معارفهم عما قبله سألتهم عن ثورة تموز 1958 و عبد الكريم قاسم فأجابني صبيح عماد ( 17سنة ) :
– نعم سمعت بثورة تموز ، اليست هي التي قام بها صدام حسين .
-لا, قام بها عبد الكريم قاسم .
– الذي حاول صدام اغتياله ؟
– نعم ! لكنه فشل…
– وصارت ردة تشرين التي اعتقل فيها صدام ثم هرب من السجن …
تاريخ البلد قبل و بعد صدام صار يدور حوله . هو بالنسبة لهذا الجيل محور التاريخ وصانع أحداثه الكبرى، ولا يعرفون قائدا غيره. للتحكم بالذاكرة الجماعية و توجييها واستخدامها توفرت طرق بالغة القوة في للتأثير على المجموعات. استخدام تقاليد جماعية جديدة مثل الاحتفالات بعيد ميلاد القائد التي تمتد من على طول شهر أبريل من كل عام. وفي بلد يعتبر الاحتفال بعيد الميلاد طقساّ مسيحياّ اختار القائد يوما رمزياّ لتثبيت يوم عيد ميلاه كيوم ختامي لسلسلة من الاحتفالات ففي السابع من الشهر هناك احتفالات بتأسيس الحزب الذي ينتمي إليه وفي السابع والعشرين عيد ميلاد القائد العربي صلاح الدين الأيوبي الذي والد في نفس مدينة تكريت قبل ستمائةّ عامّ الذي حرر مدينة القدس من الصليبيين، بعده بيوم واحد فقط، ولكن بعد عاما (تصادف) أن ولد حفيده صدام حسين في الثامن والعشرين من الشهر، العديد من الشبان الذين قابلتهم تدربوا طويلاّ للمشاركة في المسيرات المستمرة للاحتفال بعيد ميلاده. واحد منهم قال لي انه تدرب لمدة أربعين يوما على ترديد المقطع الذي يخصه:
يورانيوم
يورانيوم
ضربونا باليورانيوم
لكننا سنناضل
متحدين في عراق منتصر ومسالم
عاش
عاش
أبونا صدام حسين
في هذه الاحتفالات تتظافر سلسلة من التقاليد، الحشد الشاب من الطلاب المشاركين، الأزياء الموحدة، المشية العسكرية الموحدة، والحفظ الاستظهاري للقسم الذي سيردده الحشد أمام منصة التحية التي يقف عليها القائد.
لا ضرورة لاستحداث مناسبات جماعية جديدةّ. الطبقة، بعضهم يسميها طغمة، اكتشفت بالتقادم والخبرة أن الأفضل هو استثمار التقاليد الشعبية القديمةّ مثل الزيارات السنويةّ لأئمةّ الشيعةّ. تدري أن الحشد الذاهب لكربلاء مشياّ على الأقدام ينكر هذه الطغمة وينكر وجودها معه، بل ويشتمها مع تمجيده لثورة الحسين. مع ذلك تشجع الطغمة و تموّل المسيرات المليونية نحو ضريح الأمام الحسين. خلال المسيرات وفي ذروتها يبتعد القادة عن حماياتهم وينزلون من سياراتهم المصفحة ويرتدون الجلابيات السوداء إسوة برعاياهم ليحققوا نوعا من الوحدة الآنية بين القاعدة والقيادات في وحدة الطائفةّ. الذاكرةّ تدعم وحدة وهويةّ الجماعة، لكنها يمكن أن تكون عنصر تشوية للمجتمع، فبدلا من أن تكون الهوية ذات طابع ثقافي تنغلق الطائفةّ على نفسها في مواجهة آخر. يرى المفكر المغاربي (حسن أوريد) في كتابه ( فخ الهوية) أن المرحلة الراهنة تشهد ما يسميه ب “الهوس الهوياتي”، أي انتقال الهوية من عنصر ثقافي غني ومتعدد إلى عقيدة مغلقة تستعمل لتحديد من ينتمي ومن يقصى. أي عندما عندما تصبح الهوية سؤالاّ سياسياّ متوتراّ لا سؤالاّ ثقافياّ مفتوحاّ. تجليات “الهوس الهوياتي” يبرز في طريقة التعامل مع الاختلاف الثقافي نفسه، من خلال تحويل اللغة إلى معركة وجود، و تحويل التاريخ إلى محكمة، وتحويل الذاكرة إلى أداة إدانة، وقراءة الحاضر بمنطق المظلومية الدائمة.