فصيل عسكري سوري يسلِّم واشنطن جثّة زعيم “داعش”… أي دور للواء الثامن في درعا؟  المصدر: دمشق – النهار العربي

وحدات من اللواء الثامن السوري
 المصدر: دمشق – النهار العربي
ذكرت مصادر إعلامية سورية معارضة أن “اللواء الثامن” في النظام السوري، الذي أصبح، منذ أواخر العام الماضي، تابعاً لفرع الأمن العسكري في المنطقة الجنوبية بعد فكّ ارتباطه مع الفيلق الخامس المدعوم من روسيا، قام منذ أيّام باستخراج جثة أبو عبد الرحمن العراقي الذي سادت شكوك واسعة أنه هو نفسه زعيم “داعش” أبو الحسن الهاشمي القرشيّ وسلّمها إلى القوات الأميركية في الأردن، وفق ما ذكرت شبكة “درعا 24” المحليّة.
ويلقي هذا التصرّف بمزيد من التعقيد والغموض على بنية “اللواء الثامن” وتبعيته الحقيقية، كما يزيد من الشكوك حول الأدوار التي يقوم بها والارتباطات التي تجمعه مع أطراف دولية وإقليمية مختلفة.
وما عزّز من هذه الشكوك أن واشنطن كانت قد استعادت استخدام مصطلح “الجيش السوري الحر” للدلالة على الجهة التي قامت بقتل زعيم “داعش” -وفق روايتها- في مدينة جاسم بدرعا منتصف شهر تشرين أول (أكتوبر) الماضي، علماً أن “الجيش السوري الحر” لم يعد له أيّ وجود على أرض الواقع منذ توقيع اتفاق التسوية عام 2018 بين الجيش السوري والفصائل المسلحة في المنطقة الجنوبية.
وكانت مختلف القوى والأطراف قد تخلت عن استخدام هذا المصطلح حتى إعلامياً طوال السنوات الماضية إلى أن أعادت واشنطن إحياءه فجأة بمناسبة مقتل زعيم “داعش”.
والمفارقة أن “اللواء الثامن” اضطر تحت وطأة الحملات الأمنية التي قادها الجيش السوري في مناطق عدة من درعا بهدف تجديد أو تعديل اتفاقات التسوية، إلى تغيير تبعيته من مرتبات الفيلق الخامس الذي تدعمه روسيا إلى فرع الأمن العسكري في الجنوب السوري بقيادة اللواء لؤي العليّ. ويعني ذلك أن واشنطن تطلق مصطلح “الجيش السوري الحر” على فصيل تابع للأمن العسكري، وأن الفصيل الذي قام باستخراج جثة زعيم “داعش” وعبر بها الحدود السورية الأردنية وقام بتسليهما إلى القوات الأميركية في عمّان هو فصيل يعمل تحت لواء فراع الأمن العسكري السوري!.
وفي مؤشر على عدم وضوح العلاقة بين “اللواء الثامن” وفرع الأمن العسكري، أجرى قائد اللواء أحمد العودة زيارة مفاجئة إلى أنقرة قبل نحو أسبوعين، الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات والشكوك حول هامش الحرية والاستقلال اللذين يتمتع بهما “اللواء الثامن” ومدى تأثيرهما في علاقة التبعية التي يفترض أنها تربطه مع فرع الأمن العسكري.
ويرى البعض أن “اللواء الثامن” هو وليد تسوية عام 2018 التي حصلت بتوافق دوليّ بين روسيا وأميركا، وتوافق إقليمي تمثل في موافقة كل من الأردن ودول الخليج وإسرائيل على تمريرها، وبالتالي فإن هذا اللواء يقوم بأدوار وظيفية معقدة وشائكة من الطبيعي أن تنعكس على شكل تصرفات غير مفهومة أو يصعب قراءة مدلولاتها نظراً لتعدد ارتباطاته المحلية والإقليمية والدولية.
ويوظِّف الجيش السوري قوات “اللواء الثامن” من أجل تنفيذ حملات أمنية في مناطق من درعا لا يستطيع الجيش الوصول إليها لأسباب مختلفة قد يكون أهمها: أن بنود التسوية لا تسمح له بالقيام بمثل هذه المهام في المناطق التي تتواجد فيها فصائل التسوية، وكذلك رفض وجهاء العشائر التعاون معه بسبب الحساسيات التي ترسبت نتيجة صدام السنوات الماضية من عمر الأزمة السورية. وقد كان آخر هذه الحملات تلك التي تعرضت لها مدينة جاسم وأدّت إلى مقتل أبو عبد الرحمن العراقي الذي تعتقد واشنطن أنه هو زعيم “داعش” أبو الحسن الهاشميّ، وقد تبنى مصدر أمني سوري مسؤولية دمشق عن قتل زعيم التنظيم، فيما نسبته واشنطن إلى “الجيش السوري الحر”.
وفي المقابل، ثمة اعتقاد شائع بين المراقبين للمشهد في الجنوب السوري أن الولايات المتحدة ودول الخليج والأردن يعملون على توظيف “اللواء الثامن” من أجل التصدي لجهود طهران الرامية إلى توسيع نفوذها في الجنوب السوري بمحاذاة الحدود مع الأردن من جهة ومع الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل من جهة ثانية.
وتأكيداً على هذه الازدواجية في الوظيفة، توقف مركز دراسات الحوار، وهو مركز دراسات سوري معارض، عند عبارة وردت في بيان الرئاسة الأميركية حول مقتل زعيم “داعش”، إذ ورد فيه “إن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بمواجهة التهديد العالمي لتنظيم داعش، وهي على استعداد للعمل مع الشركاء الدوليين”. ورأى المركز أن هذه العبارة تنطوي على إيجابية من واشنطن لموسكو لا سلبية؛ تتمثّل برغبة الأميركيين بتجديد التعاون مع الروس في الجنوب السوري لاستهداف الوجود الإيراني، وذلك عبر “اللواء الثامن” المدعوم روسيّاً وصاحب الشراكة الواضحة مع حلفاء واشنطن في الوقت ذاته.
وهو ما يعني بالنتيجة أن دور اللواء بات ضمانةً لاستمرار اتفاق 2018 الذي تمّ بموجبه تفكيك فصائل المعارضة في مقابل أن تبتعد ميليشيات إيران مسافة نحو 70 كلم عن الحدود، وهو أمرٌ لم يحصل إلى الآن.
ولكن يبقى التساؤل الأهمّ الذي يطرح نفسه هو: هل تعتبر ممارسات اللواء الثامن دليلاً على هوامش الحرية والاستقلال التي يتمتع بها والتي تمكّنه من اتخاذ إجراءات والقيام بزيارات خارجية، لا يسمح بها القانون السوري لضباط على رأس عملهم؟ فضلاً عن إقامة علاقات مع دول أجنبية. أم أنه قد ينطوي على مؤشر على رغبة واشنطن وموسكو ودمشق في ترك قناة سرية يمكن من خلالها تنسيق بعض النشاطات التي تضمن المصالح المتقاطعة بين هذه الدول؟
وتأتي عملية تسليم جثة العراقي، الذي شكك تنظيم “داعش” في أن يكون هو زعيمه المقتول، لتعزيز مشروعية هذا التساؤل خصوصاً أن دمشق كانت لها مصلحة كبيرة في الاستحواذ على جثة العراقيّ وتشريحها للتأكد من هوية صاحبها، وبالتالي منح صدقية أكبر لرواية مسؤوليتها عن قتله. ولكن بما أن الجثّة وصلت إلى القوات الأميركية في الأردن، فيبدو أن علاقة دمشق مع اللواء الثامن اصبحت على المحك، ولعلّه سيكون نتيجة ذلك أن تظهر إلى العلن بعض أسرار هذا اللواء وحقيقة الأدوار التي يقوم بها.