فلاح حكمت اسحق. كاتب عراقي
ما السرّ الأعظم في لطفية الدليمي؟ ما المَعْلمُ الشاخص فيها والذي يجعل منها لطفية الدليمي، الإنسانة المتفرّدة التي نعرف؟ لو سئلتُ هذا السؤال سأقولُ من غير كثير تدبّر وتفكّر: هو تلك الإبتسامة الكارزميّة في الوجه النضر. لطفية الدليمي روائيّة مميّزة، ومترجمة رائعة، وكاتبة مقالةٍ ذاتُ حرفنة مدهشة، وقارئة عظيمة لتاريخ الأفكار وتطوّرها المفاهيمي في شتّى صنوف المعرفة، فضلاً عن ذائقة عيشٍ تمازجُ الحسّ الرواقيّ بنكهة أبيقوريّة تشكّلُ عالمها الخاص بدءاً من أثاث بيتها وحتى طقوس تناول الشاي وكيفيّة تحضيره. كلّ حقلٍ من هذه الحقول، المعرفيّة والحياتيّة، تستحقُّ فيه لطفية الدليمي أن تحوز مراتب متقدّمة بجدارة واستحقاق كامليْن. الثقافة لدى لطفية الدليمي تتعشّقُ عضوياً مع الحياة وتجعلُ منها مركّباً فريداً ذا خواص مدهشة تنفتح على عوالم قريبة من الكشوفات العرفانيّة المبهرة. مع ذلك أنا أرى سرّها الأكبر كامناً في إبتسامتها الكارزميّة المرتسمة في وجهها النّضِر.
سئلتُ مرّة من أصدقاء خُلّصٍ ذاتَ ليلةِ رأس سنة قبل عقد من الزمن: ما الأمنية التي تختارها بعيداً عن الرغبات الفرديّة؟ قلتُ: أتمنّى أن أرى كلّ العراقيين أفضل منّي شأناً وأعلى مقاماً في القدرة العلمية والمالية. لا ضيرَ من أن أكون في المرتبة الاخيرة بينهم شريطةَ أن يتعلّموا رسْمَ الإبتسامة على وجوههم. يكفيني أجراً أن أراهم صباحاً وهم يقابلون بعضهم بوجه رقيق مبتسم، بعيد عن مرتسمات (الغَنْدَبَة) التقليدية العراقيّة المعروفة. أريدُ وجهاً ينمّ عن سلامة أرواحهم وطيب مكنونات قلوبهم، ثمّ أردفت: أعرفُ أنّ أمنيتي خاسرة لن تتحقق. أمّا لماذا لن تتحقق فتلك حكاية طويلة.
العراق جغرافية منذورةٌ للأزمات وصانعةٌ للشخصيات العنفيّة والإشكاليّة وغير المتصالحة مع نفسها والآخرين. هذه هي الصورة العامّة من غير تفاصيل مرهقة. العراقيُّ ينشأ منذ بواكيره الأولى في شبه دولة، ليس فيها نظام تأمين صحي أو خدمات إجتماعيّة، يعيشُ بالقدرة ورحمة المقادير العمياء يوماً بيوم من غير علاقة بشكل المستقبل رغم أنّ إمكانات العراق المالية تكفي وتزيد لخلق دولة رعايةٍ إجتماعيّةٍ نموذجيّة في منطقة الشرق الأوسط في الأقلّ (دعونا من المنطقة الإسكندنافيّة وبعض أوربا). هذا الحال جعل من حياة العراقي حالة طوارئ ممتدّة من غير هدنة، ثمّ جاءت الحروب وتوابعها فخلقت منّا -نحن العراقيين- هياكل مخرّبة وأرواحاً مبتورة ونفوساً تتوقّعُ الأزمات كلّ حين. كيف نتوقّعُ من شخوص تعيشُ وسط هذه البيئة القاتلة للروح أن تتعلّم رسم الإبتسامة على وجوهها؟
لطفيّة الدليمي عاشت كلّ الخراب الذي عاشه العراقيون. عانتْهُ مثل كلّ عراقي ولم تكن بمنجاة منه أو مستثناة من أفاعيله المميتة؛ بل أنّها في فواصل زمنيّة محدّدة كان نصيبها من المعاناة أكبر من جُرعة المعاناة المعيارية المحدّدة للعراقيين لأسباب عديدة؛ لكنّها في كلّ حياتها لم تنسَ أن ترسم الإبتسامة على شفتيها حتى باتت إبتسامتُها الكارزمية الساحرة جوازَ مرورها لقلوب وعقول مُحبّيها الكُثْر.
يمكن أن يكون الإنسان عُرْضةً لصُنوفٍ من العذاب أو القهر أو المعاناة. مِثْلُ هذا يمكنُ أن يحصل في أيّة رقعة جغرافية من العالم؛ لكنّ أحد إمتيازاتنا الإنسانيّة الفريدة هو قدرتُنا على تجاوز هذه الظروف الشاقة بقوّة الروح ونبل القلب وعدم السماح للكراهية والحقد والغلّ بالتموضع العنيد في مستوطنتنا الروحيّة. هذا بالضبط ما فعلته لطفية الدليمي. ليس لها من صورةٍ إلّا وترى فيها إبتسامةً أو ظلّ ابتسامة على وجهها المشرق. حتى لو لم تكن تبتسم فالناظرُ لها يحسبُ أنّ هناك ابتسامة خفية في وجهها. المثيرُ أنّ جرعة الإبتسامة والإشراق في وجهها تكثّفت مع السنوات؛ وهو ما يشي بأنّها كانت ماضية بثبات في ترسيخ عوامل السكينة والسلام في قلبها وروحها. أشهدُ -ويشهد معي كثيرون- أنّها نجحت في مسعاها بتفوّق كبير؛ فظلّت نقية الطويّة تنشرُ المحبّة وتبشّرُ بالسلام والوداعة واللطافة وكلّ ما يحسّنُ نوع الحياة البشريّة. أظنُّ أنّ منشوراتها الأخيرة كانت ترجمة مخلصة لبعض ما يجول في قلبها وعقلها. كانت دروساً مجّانية لكلّ من تلوّثت روحُهُ أو لم تتلوّثْ بعدُ، بفعل قصديّ أو من دونه، بأدران الجشع والغلّ والحقد والكراهية. خاطبتْهُ لطفية الدليمي بقلبٍ مُحِبّ: لا تحسبْ نفسك ذكياً أو ألعُباناً. أنت تخسرُ روحك. انقذْ نفسك قبل فوات الأوان. هذه هي الفكرة وراء مقالاتها؛ لكنّما لغتها كانت شفيفة تنضح بالحبّ والرغبة في تمرير هذه الخبرة المخلصة لكلّ من يقرؤها. لطفيّة الدليمي لا تعظُ أو تكتب بنبرة متعالية. هي تقدّمُ خبرتها المخلصة في إطار من المحبّة والتعاطف والرغبة في جعل حياة الآخرين أفضل نوعاً وأعلى مقاماً في المراتب الإنسانيّة.
تقول واحدة من مأثورات حِكَمِنا المُتَداولة، ولعلّها في الأصل عبارةٌ إنجيليّة: مِنْ فَضْلَة القلب يتحدّثُ اللسان. بالكيفيّة ذاتها يمكن القول: من فضلة الروح ينطق الوجه. ما يجول في روحك ترتسمُ مفاعيلُهُ على وجهك. لن تستطيع المداهنة والخداع. كلماتك ستفضحك. عيونُك ستشي بك. وجهك سيحكي تفاصيل عن دواخلك. هناك روابط خفية بين العقل والجسد لن تستطيع التحكّم بها كما تفعل بالريموت كونترول مهما أوتيت من قوّة أو توهّمت من فائض قدرة لديك في التوجيه والتحكّم. وجهُكَ سيحكي حكاية دواخلك كاملةً من غير نقصان، وسينطقُ بالحقيقة من غير زيف. وجهُكَ هو شاشةٌ لا تكذبُ لما يتفاعلُ داخلك.
بعضُ البشر يستمرئ الخداع. يحسبُ نفسه ذكياً ألمعيّاً، يتلاعبُ بالكلمات ويدسُّ سمّاً في عسل، وما درى أنّ وجهه يسبقه في الإعلان عن حقيقة ما يستبطنُ في دواخله. منكشفٌ أنتَ. مقروءةٌ بواطنُك. لكن لماذا هذا الجهد المضاعف غير المنتج: جهدُ صناعة الكراهيّة، ومن ثمّ جهدُ تغليفها بمساحيق تجميل بائسة بغية جعلها منتجاً قابلاً للتسويق واسع النطاق؟ علامَ هذا الجهد الضائع؟ أنت تأكلُ من روحك كما تفعلُ الأرضة في شجرة يابسة. تنخرُ روحك وتجعلها أرضاً خربة تتآكلُ وتتعفّن، وقبل هذا تجعلُ من نفسك نموذجاً مكروهاً مهجوراً. ليس منّا مَنْ يهفو لمصاحبة روحٍ نخرتها الكراهيّةُ وجعلت منها مستوطنة لا تصلح إلّا لنعيق الغربان.
لستُ في حاجة لتأكيد حقيقة أنّ لطفية الدليمي فاضت بمحبتها على الجميع، وتجاوزت عن محافل كثيرة تُصنَعُ فيها الكراهيّةُ مثل أغذية مسرطنة، وانكفأتْ في عزلة منتجة خلّاقة، وبخاصة في السنوات العشرين الاخيرة، لتعمل بدأب في تنضيج مشروعها المعرفيّ متعدّد الألوان والإتجاهات؛ ومن أجل هذا ظلّت المحبوبة، (البرنسيسة)، القريبة من القلب، الدافئة، التي لا تجود سوى بطيّب الكَلِم، وقد نجحت بإمتياز عظيم في قهر الكراهية وترويضها ومن ثمّ طَرْحِها في وادي النسيان. ليس هذا بالجهد المُيسّر والمتاح في بيئة ثقافيّة قاسية ليس بوسعك في مواجهتها سوى واحدٍ من خياريْن: أن تترك نفسك تنساق مع التيّار الجارف بكلّ حمولته من الشوائب، أو أن تختار عزلتك المنتجة بعيداً عن حسابات السوق وقوانينها السائدة. هذا جهدٌ ملحميٌّ يتطلّبُ عقوداً من التدريب الشاق والإنضباط الصارم والترفّع عن الصغائر. ما كلّ امرئ بقادر على هذا القدر من الضبط والإمساك بلجام الروح وهو يرى أمامه مشاهد مؤلمة تورثُ القهر والإكتئاب. لطفية الدليمي لم تسمح لأيّ حدثٍ طارئ أن يثلم طاقة روحها في محبة الناس والمثابرة في العمل المنتج. أعمالها تحكي عن جهودها من غير كثير ادّعاء. قناديلها المضيئة في كلّ أحد كانت درساً حقيقيّاً في فنّ الكتابة المقاليّة. كلُّ مقالة كانت تحملُ فكرة جديدة مميزة حتّى أنّ كثيرين صاروا يفتتحون أيام الأحد بقراءة قنديلها. صار قنديلُ الأحد مثل تميمة بركة وشفرة سرّية للسعادة المجانيّة. الأمرُ ذاته ينسحبُ على موضوعاتها المترجمة والمؤلّفة. لن تجد ما يشي بملء فراغات. ثمّة شواهد على جهد منظّم دقيق يتناولُ موضوعات ستراتيجيّة في الثقافة العالمية بكلّ تلاوينها.
كلّما أردنا استذكار ميراث لطفية الدليمي أرى من المنطقيّ أن نجعل إبتسامتها الكارزمية في وجهها النضر البوّابة الأولى لهذا الإستذكار. هذه الإبتسامة سيحتاجها محبّوها بقوّة، وستكون ملاذهُمْ عندما يخفت منسوب الأمل وهم يرون تسونامي الكراهيّة يتدفّقُ حتّى ليكاد يغلقُ نوافذ الرجاء في حياة إنسانيّة معقولة لكلّ البشر في الأرض.
لطفية الدليمي. يا صاحبة أجمل ابتسامة كارزمية في وجه نضر يشعُّ بالبهاء والوداعة، ستبقين عظيمة محبوبة في قلوب مُحبّيك الكثار، وأوقنُ أنّهم سيستمدّون القوّة والأمل كلّ صباح من التطلّع في وجهك وابتسامتك. أنت الوحيدة التي كسرتِ توقّعي أيتها المعطاءة، وجعلتِني أؤمنُ أنّ المحبّة أعظم اقتداراً في الفعل من الكراهية حتى لِمَنْ يعيشُ في قلب مفاعل ذري (بشري) يفيض بالكراهية ومشتقاتها القبيحة.