ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
مع كلّ حرب جديدة، نشعر أن شيئاً ما في هذا البلد يصبح أكثر هشاشة: فكرة الاستقرار، وفكرة الدولة، وحتى فكرة أن الحياة يمكن أن تستمرّ بشكل طبيعي، أصلاً ما هي الحياة الطبيعية؟ حقّاً لا أعرف ماذا تعني!
لا أعرفُ كم حرباً عشتُ في هذه البلاد…
أحاول أحياناً أن أعدّها، لكنّ الذاكرة تختلط فيها السنوات والمحطّات بحيث أعجز عن تحديد رقم واضح. تحضرني دوماً مشاهد حين قررّت ذاكرتي أنها لحظة البداية في العام ١٩٨٧، حين اختبرت معنى عبارة “سكّوا ركابي”، بعدما سقطت قذيفة على المنزل المقابل لنا في محلّة البطريركية في بيروت، خلال “ميني حرب” بين “الحزب الاشتراكي” وحركة “أمل”…
كان أهلي في الجنوب وكنت في المنزل مع شقيقي وحدنا، اختبرتُ صوت الصاروخ قبل تحطّمه وكأنه خرق أذني، وعرفت معنى الرعب حين عجزت قدماي عن الوقوف. أزيز الصاروخ حين يشقّ الهواء قرب الأذن، كأنه سكّين من الريح يمرّ على حافّة الرأس. صوت حادّ، خاطف، يسبق الانفجار أو يتبعه بلحظة، لكنّه يترك في الجسد رجفة لا تُنسى.
كنّا نمزح، أو نحاول أن نمزح كي نتحمّل الخوف، فنقول ونحن نضحك: “إذا سمعنا الأزيز فهذا يعني أننا ما زلنا أحياء. أما إذا لم نسمع شيئاً فيعني أننا متنا”. الصوت الذي يفترض أن يرعبك يتحوّل إلى دليل نجاة، طالما سمعته، فأنت لم تمت بعد.
كرّت بعدها سبحة اكتشاف نوع الأصوات وقوّتها ومعنى القلق والرعب. كنت أنام في غرفتي وأنا أرى أضواء نارية بعيدة تلمع ليلاً فأعرف أنها اشتباكات أو رشقات، رغم خوفي من رصاصة طائشة تطالني وأنا نائمة، لكنّي لم أغادر غرفتي… تآلفت من ذلك الوقت مع فكرة العيش على حافّة الحروب والاقتتال، ومحاولة التكيّف معها بوصفها جزءاً من حياة يومية تشقّ مسارها رغم كلّ شيء.
سنوات طويلة مرّت وها أنا أجد نفسي مرّة أخرى داخل المشهد نفسه. دورة جديدة من القصف والنزوح، دورة أخرى من الخوف على الأهل والأصدقاء والبيت، وعلى من نحبّ، وعلى فكرة أن ينهض هذا البلد مرّة أخرى.
ما يثقل القلب ليس فقط الحرب وقسوتها، بل هذا الإحساس بأننا نعيش التكرار، كأن التاريخ في لبنان لا يتقدّم، بل يدور حول نفسه. المشاهد التي نراها اليوم تبدو مألوفة إلى حدّ مرعب، صور الأبنية تتهاوى والبيوت المدمّرة، والأهالي يقفون أمام منازلهم المتشظيّة محاولين أن يفهموا ما الذي بقي لهم وسط كلّ هذا الدمار. أسأل أمّي كلّ يوم “في شي أخبار عن بيت الضيعة؟”.
أقلق على الأقرباء، لكن لا أستطيع مقاومة هاجس لازمني منذ الحرب الماضية بشأن منزل العائلة في قريتنا تبنين، هل سينجو منزلنا هذه المرّة؟
السؤال ملحّ كلما رأيت كيف تتحوّل قرى في الجنوب إلى ركام، وكيف تستحيل الحياة إلى موت عميم. عائلات تُقتل بكاملها تحت القصف، وأطفال تُنشر صورهم بعد موتهم، كأنّ حياتهم اختُصرت فجأة إلى خبر عاجل وصورة أخيرة.
هزّتني صورة تلك الحاجّة الضائعة في مركز نزوح. امرأة مسنّة تقف وسط خيمة وكلام الصورة يقول إنها من بلدة كفرفيلا، لكنّها لا تعرف أين يسكن أولادها. في الصورة بدت نظرتها حائرة، كأنّها تبحث في وجوه المارّة عن خيط يقودها إلى بيت ما، أو إلى ذاكرة لم تعد تتماسك كما كانت.
أن تنتهي امرأة في هذا العمر حائرة لا تعرف إلى أين تذهب، هو مشهد يختصر شيئاً عميقاً في مأساة لبنان. بلد صغير، لكنّ ذاكرة أوجاعه أثقل من أن يتحمّلها البشر، حتى يضيع بعضهم في شوارعه كما لو أنهم غرباء في وطنهم.
لكنّ التكرار لا يقتصر على المشاهد فقط. الكلمات أيضاً تعيد نفسها، والتحليلات باتت مستنسخة كأنها نصّ محفوظ يلوكه الجميع، حتى أنا أجدني أكرّر الفكرة ذاتها والموقف ذاته، وكأنني أخاف أن أفقد عقلي أنا أيضاً وسط هذا الجنون. ومع ذلك، فإن كثرة التفسيرات لا تجعل الألم أخفّ، بل ربما العكس.
يتسلّل شعور غريب إلى النفس. ليس فقط الخوف أو الحزن، بل نوع من التعب العميق. التعب من الوقائع والصور التي تتكرّر، ومن الكلمات التي تتكرّر، ومن محاولة إيجاد معنى لحروب تبدو أحياناً أكبر من قدرتنا نحن البشر على الفهم. ليس لأن ما يحدث دون معنى، بل لأن المعنى نفسه أصبح ثقيلاً إلى درجة يصعب حملها.
نقف في هذه اللحظة تحت رحمة قرارات قادة بعيدين عنا وقوى كبرى، نقف ومعنا بلدنا، البلد الصغير لبنان مرّة أخرى، على حافّة مصير قاتم. بلد عاش حروباً كثيرة إلى حدّ أن كلّ جيل فيه يحمل ذاكرة حرب مختلفة، ومع ذلك يجد نفسه دائماً أمام حرب جديدة.
زمليتنا جنى كتبت مدوّنة قارنت فيها بين تعامل والديها مع الحياة في الحرب، وبين تجربتها هي التي بدأت تختبر معنى الخوف والقلق وأصوات الصواريخ… كم هو محزن أن نتوارث الحرب عن أهلنا ونورثها لأبنائنا وربما أحفادنا…
مع كلّ حرب جديدة، نشعر أن شيئاً ما في هذا البلد يصبح أكثر هشاشة: فكرة الاستقرار، وفكرة الدولة، وحتى فكرة أن الحياة يمكن أن تستمرّ بشكل طبيعي، أصلاً ما هي الحياة الطبيعية؟ حقّاً لا أعرف ماذا تعني!
ومع ذلك، ورغم كلّ هذا الخراب، يحاول الناس أن يعيشوا يوماً آخر، أن يحموا من تبقّى من أحبائهم، وأن يجدوا في وسط العنف لحظة صغيرة من الحياة. ربما هذا هو المعنى الوحيد الذي يبقى في مثل هذه اللحظات: أن نحاول النجاة، وأن نتمسّك بما تبقّى من إنسانيتنا، حتى عندما يبدو العالم من حولنا وكأنّه فقد معناه بالكامل.