ملخص
يمثل مقتل قائد الباسيج غلام رضا سليماني لقطاع من المجتمع الإيراني أكثر من مجرد تصفية قائد عسكري، إذ ينظر إليه باعتباره أحد رموز القمع المنهجي. شارك سليماني في فترة الحرب الإيرانية – العراقية في الثمانينيات وتدرج في الحرس الثوري، إلى أن أصبح على رأس المؤسسة التي تضم متطوعين مدنيين موالين للنظام، مهمتهم نشر قيم النظام ومساعدة قوى الأمن في عمليات القمع.
أعلن الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء الـ17 من مارس (آذار) 2026، مقتل رئيس منظمة الباسيج التابعة للحرس الثوري الإيراني غلام رضا سليماني، إلى جانب عدد من مساعديه ونوابه، في هجوم استهدف طهران. وفي أعقاب ذلك، أفاد وزير الدفاع الإسرائيلي بمقتل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في النظام الإيراني، خلال هجمات فجر الثلاثاء.
موقعه وتأثيره في النظام
ويعد غلام رضا سليماني من الشخصيات الأقل حضوراً إعلامياً، لكنها شديدة التأثير في منظومة القمع داخل النظام الإيراني، إذ لم يكن اسمه متداولاً على نطاق واسع مقارنة بقادة آخرين في الحرس الثوري، لكنه كان يتبوأ موقعاً يتصدر أحد أهم أذرع السيطرة الداخلية للنظام، وهو الباسيج.
وذكر الجيش الإسرائيلي أنه استهدفه في هجوم ليلي على طهران، داخل معسكر خيام أنشأته قوات الباسيج حديثاً، بعد تضرر عدد كبير من مقارها في ضربات سابقة، وفق الرواية الإسرائيلية.
تصريحاته الأخيرة
وقتل غلام رضا سليماني، الذي كان قد صرح في آخر خطاب علني له بتاريخ الثامن من فبراير (شباط) الماضي، قبل 19 يوماً من بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية – الأميركية ضد النظام الإيراني، بأن إسرائيل لا تملك القدرة على خوض حرب كبرى لأكثر من 10 أيام. ومع ذلك، قتل في اليوم الـ17 من هذه “الحرب الكبرى”. وكان معروفاً بمواقفه المعارضة لإحياء المناسبات والتقاليد الإيرانية القديمة، ويأتي مقتله في وقت تزامن مع احتفالات آخر أربعاء في التقويم الفارسي (چهارشنبه سوری)، وقبيل ثلاثة أيام من عيد النوروز، وذلك بأمر من بنيامين نتنياهو.
دوره في القمع الداخلي
ويمثل مقتل سليماني، بالنسبة إلى قطاع من المجتمع الإيراني، أكثر من مجرد تصفية قائد عسكري، إذ ينظر إليه باعتباره أحد رموز القمع المنهجي. وقد أشار الجيش الإسرائيلي في بيانه صراحة إلى دور الباسيج في قمع الاحتجاجات داخل إيران، مؤكداً أن القوات التابعة له اضطلعت، خلال فترات مختلفة، بينها الاحتجاجات في السنوات الأخيرة، بقيادة عمليات الاعتقال والقمع العنيف.
حياته المبكرة ومسيرته العسكرية
ولد غلام رضا سليماني عام 1964 في مدينة “فارسان” بمحافظة جهارمحال وبختياري غرب إيران، وينتمي إلى جيل القادة الذين برزوا خلال الحرب الإيرانية – العراقية، واكتسبوا شرعيتهم داخل بنية النظام من خلال مشاركتهم في الجبهات. ووفق سيرته المنشورة في مصادر مقربة من السلطة، انضم إلى الحرس الثوري مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وشارك في الحرب ضمن اللواء 44 المعروف بـ”قمر بني هاشم”، ثم تولى مناصب قيادية على مستوى السرايا والكتائب. وتضم سجلاته المشاركة في عدد من أبرز العمليات العسكرية، من “طريق القدس” و”فتح المبين” إلى “بيت المقدس” و”خيبر” و”بدر” و”والفجر 8″ و”كربلاء 4 و5″ و”والفجر 10″، وهي الخلفية التي يعتمد عليها النظام في ترسيخ شرعية قادته الأمنية.
مسيرته القيادية بعد الحرب الإيرانية – العراقية
وبعد انتهاء الحرب، واصل مساره داخل الحرس الثوري، متنقلاً بين قيادة اللواء 57 المعروف بـ”أبو الفضل” ومسؤوليات في باسيج محافظة لرستان، وصولاً إلى قيادات في فرق عسكرية عدة، بينها الفرقة 19 المعروفة بـ”فجر” و41 المعروفة بـ”ثار الله” و14 والمعروفة بـ”الإمام حسين”. ومع تأسيس القيادات الإقليمية (أي المحافظات الـ10) للحرس الثوري، تولى قيادة اللواء “صاحب الزمان” في محافظة أصفهان لنحو 11 عاماً.
رئاسته لمنظمة الباسيج
وفي يوليو (تموز) 2019، عينه المرشد السابق علي خامنئي رئيساً لمنظمة الباسيج، في خطوة نقلته من قائد إقليمي إلى أحد أبرز أركان منظومة الأمن الداخلي في النظام الإيراني. فالباسيج، في بنية النظام، لا يعد مجرد قوة أيديولوجية، بل يمثل الذراع الميدانية للحرس الثوري في السيطرة على الأحياء والجامعات والنقابات والمدارس والفضاء العام، لا سيما خلال فترات الاحتجاج.
مهمته في ضبط الداخل الإيراني
وتنبع أهمية سليماني من موقعه هذا، إذ كان مسؤولاً عن ضبط الداخل الإيراني، وليس حماية الحدود، من خلال إدارة عمليات القمع والتعامل مع الاحتجاجات. ويستخدم الباسيج في اللحظات السياسية والاجتماعية الحساسة لنشر الخوف، وتنظيم مجموعات الضغط، وتعقب المعارضين، ودعم الأجهزة الأمنية في عمليات القمع.
خطة “الأمن المرتكز على الأحياء”
وخلال السنوات الست الماضية، عمل سليماني على توسيع نطاق نفوذ الباسيج وتعزيز قدراته القمعية، من خلال تنفيذ خطة “الأمن المرتكز على الأحياء”، التي أفضت إلى إنشاء نقاط تفتيش دائمة لعناصر الباسيج في مختلف المدن. وتشير تقارير متعددة إلى استخدام هذه المراكز في مضايقة المواطنين واعتقالهم، بل وفي بعض الحالات قتلهم. وفي هذا السياق، جرى تسليح عناصر الباسيج في الأحياء بالأسلحة النارية، وتحولت مقارهم إلى مراكز احتجاز موقتة وأماكن لممارسة التعذيب.
العقوبات الدولية
وفي السابع من ديسمبر (كانون الأول) 2021، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على سليماني، مؤكدة أنه يقود أحد أبرز أجهزة الأمن الداخلي في النظام الإيراني، وأن الباسيج لعب دوراً محورياً في قمع احتجاجات نوفمبر (تشرين الثاني) 2019.
كما أدرجه الاتحاد الأوروبي على قائمة العقوبات، معتبراً أن الباسيج استخدم القوة المميتة في قمع تلك الاحتجاجات، وأن سليماني، بصفته رئيساً للمنظمة، يتحمل مسؤولية القمع العنيف والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في إيران.
ويرتبط اسمه بصورة وثيقة بأحداث نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، التي اندلعت عقب رفع أسعار الوقود، وقمعت بعنف غير مسبوق. وقد وثقت منظمة العفو الدولية مقتل 321 شخصاً، في حين قدرت وكالة “رويترز” عدد الضحايا بنحو 1500 قتيل. وبحسب هذه التقارير، استخدمت القوات الأمنية الذخيرة الحية ضد المتظاهرين وحتى المارة.
وربط كل من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة عقوباتهما ضده بهذا السجل، مشيرين إلى دوره في اتخاذ القرار وقيادة عمليات القمع، وأكدت الحكومة البريطانية وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسؤوليته عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من خلال موقعه على رأس الباسيج ومشاركته في توجيه أداء الأجهزة الأمنية خلال تلك الاحتجاجات.
استمرار دوره القمعي
وظل سليماني، بعد تلك الأحداث، أحد أبرز وجوه استمرار سياسة القمع. فقد استهدفته العقوبات الأميركية ضمن إطار حقوق الإنسان، وأدرجه الاتحاد الأوروبي في قائمته في الـ12 من أبريل (نيسان) 2021، فيما أعادت المملكة المتحدة إدراجه في الـ10 من أكتوبر (تشرين الأول) 2022، خلال احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية”، باعتباره من المسؤولين عن العنف ضد المتظاهرين، ويعكس هذا التوافق بين الدول الغربية اعتباره أحد المسؤولين المباشرين عن آليات القمع الداخلي في إيران.
أحداث وقائع قمع الاحتجاجات
وتعود أحدث الوقائع المرتبطة بدوره القمعي، التي وصفت بأنها الأوسع في تاريخ النظام الإيراني، إلى يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، حين شاركت قوات الباسيج تحت قيادته، إلى جانب أجهزة أمنية أخرى، في عمليات قمع واسعة خلال يومين فقط، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المشاركين في الاحتجاجات الشعبية، واعتقال أكثر من 100 ألف شخص.
وعلى رغم ذلك، فضل سليماني البقاء بعيدا من الأضواء مقارنة بقادة الحرس الثوري الأكثر حضوراً إعلامياً، فلم يكن شخصية كاريزمية داخل القاعدة الاجتماعية للنظام، ولا خطيباً بارزاً في وسائل الإعلام، غير أن هذا الحضور المحدود كان جزءاً من وظيفته. فالنظام لم يعتمد فقط على الرموز، بل احتاج إلى شخصيات تنفيذية أكثر صرامة، قادرة على إدارة شبكات الباسيج في المدن والأحياء والجامعات والمؤسسات، وتعبئتها عند الحاجة.
دوره في الحفاظ على جاهزية الباسيج
وخلال فترة رئاسته لرئاسة منظمة الباسيج التي استمرت ست سنوات، اضطلع سليماني بهذا الدور، إذ تمثلت مهمته الأساسية في الحفاظ على جاهزية أحد أبرز أدوات القمع في النظام الإيراني، وهو ما يجعل مقتله حدثاً مكلفاً للنظام، ويحمل في الوقت نفسه دلالات رمزية لدى شريحة من المعارضين وعائلات الضحايا.
