الحذلقة والتذاكي آخر ما تحتاجه الحروب التي لا تترك لمتابعيها وضحاياها مزاجاً قابلاً لهضم المزاح الثقيل. والحذلقة كما التذاكي يمتهنهما في العادة الطرف الأضعف في المعركة، لأن الأقوى لا يحتاج إلى حيل عقلية ولا لغوية لتبرير مواصلة استعراض قوته. هو يفرض إرادته بالقتل والقصف والأوامر، وليس مضطرّاً إلى اختراع عالم مختيَّل غالباً ما يكون شيّده فعلاً، لكن قبل أن يشنّ الحرب، مثلما فعلت إدارة جورج بوش الابن لاحتلال العراق في مثل هذه الأيام قبل 23 عاماً بمبرّرات كاذبة، ومثلما صنع دونالد ترامب لتبرير شنّ الحرب على إيران قبل أسبوعين. والطرف الأقوى، الأميركي في هذه الحالة، بعد أن يكذب الأكذوبة التأسيسية، ينصرف إلى تحقيق الانتصارات العسكرية في انتظار ترجمتها سياسياً. أما الأضعف، إن كان فاقداً الحكمة والرؤية والصواب السياسي، على ما هو حال القيادة الإيرانية، فغالباً ما يراكم الأخطاء الاستراتيجية المميتة كجعل قصف بلدان الخليج هدفاً حربياً يسمو على إصابة البوارج الأميركية والأهداف الإسرائيلية، ثم اختراع خرافات لا تخفّ وطأتها إن حاول تطويقها بهامش ضئيل من العقلانية اللفظية.
ينطبق التوصيف أعلاه على قول وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في حواره مع “العربي الجديد” الأحد الماضي، إنّ طهران حصلت على معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تطلقان هجمات باتجاه دول عربية، وأن الأميركيين طوّروا طائرة مسيّرة مشابهة لـ”شاهد” الإيرانية سموها “لوكاس”، وتُستخدم لقصف دول عربية. أما هامش العقلانية اللفظية أو “خطّ العودة” الذي يحافظ عليه الوزير الإيراني، فيترجمه إغلاق سبقه الصحافي بعبارة “هذه المعلومات قيد الدراسة”، أي أن القيادة الإيرانية شبه واثقة من المعلومات التي وصلت إليها، ولكنها في سبيل المهنية والموضوعية، تمعن في دراستها.
ورواية قصف الحليف (الأميركي) حليفه (بلدان الخليج) مقتبسة من أدبيات عريقة للناطقين باسم المحور الذي تقوده طهران. لا بل إن أعداء القيادة الإيرانية يهوون قتل أنفسهم، كما كان يفعل السوريون حين يقصفون أنفسهم بالفوسفور والأسلحة الكيميائية، لتوريط النظام السوري وحزب الله وحكام طهران في المقتلة. ولطالما أخبرنا مردّدو الرواية الإيرانية في لبنان أن رفيق الحريري وبقية ضحايا الاغتيالات السياسية لسنوات 2005 وما بعدها قتلهم الإسرائيليون، لا النظام السوري ولا حزب الله ولا إيران. وفق المنطق نفسه، تقصف الولايات المتحدة هذه الأيام منشآت نفط وغاز وموانئ وفنادق ومطارات ومباني سكنية في بلدان هي حليفة رئيسية لها في الخليج العربي، لإلصاق التهمة بإيران وتسميم العلاقات الثنائية مثلما يخبرنا الوزير الإيراني. يريد إقناعنا أنه مع كل التطوّر التكنولوجي الذي نعرفه، كل الكوكب غافل عن أنّ من يقصف بلدان الخليج هو أميركا وربما إسرائيل، لا إيران. الأقمار الاصطناعية والمعلومات الاستخبارية والعقل والمنطق، جميعها يجهلها العالم إلا القيادة الإيرانية التي تعلم ما لا يدركه غيرها.
ربما وجب تعديل اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الهادفة إلى الحد من وحشية الحروب، عبر إدخال بنود عليها تفرض على المتحاربين احترام العقول وذكاء البشر. لو قال الوزير عراقجي إن صاحب قرار قصف بلدان الخليج هو الحرس الثوري، وإن ذلك يعكس كره النظام الإيراني جيرانه العرب لأسباب طائفية وسياسية وتاريخية وقومية، ولو أشار إلى أن أيديولوجيا نظامه تقوم على عقدة الذئب الذي يرى نفسه في حرب وجودية دائمة وسط أعداء لا حلّ إلا بالقضاء عليهم وإلا قضوا عليه، ولو جاهر بأن قصف بلدان الخليج لحظة انتظرتها قيادته طويلاً، منذ الحرب الإيرانية ــ العراقية ربما، ولو اعترف بأن قصف الجيران يترجم نظرة حكام طهران لشكل علاقات ما بعد الحرب في حال بقي النظام صامداً فوق الركام، لو قال هذا وغيره من دون مزحة أنّ الأميركيين يقصفون حلفاءهم العرب لتحريضهم على طهران، لنال احتراماً هو بأمسّ الحاجة إليه، حتى من ضحاياه، على صراحته على الأقل.