في زمن الضجيج الإعلامي وتدفّق المعلومات والإشعارات والرسائل النصيّة وتسارع التعليقات على مختلف تطبيقات شبكات التواصل الاجتماعي، يبدو أن العالم أصبح اليوم أكثر امتلاءً بالكلام من أي وقت مضى. لكن فيض الكلام لا يعني بالضرورة حضور الحوار واتساع مساحته. فالكلمات قد تتضاعف، بينما تتراجع القدرة على اللقاء الحقيقي بين البشر.
هذا هو بالتحديد الموضوع الذي تعالجه الباحثتان الفرنسيتان آن-ليز شابير وغابرييل هالبيرن في كتاب بعنوان “كلماتنا المقيَّدة”، وفيه تطرحان الأسئلة الآتية: كيف نتكلم معاً؟ ماذا يحدث عندما لا يستطيع بعض الناس الكلام؟ وكيف يمكن لمجتمعٍ أن يكون عادلاً إن كان بعض أفراده محرومين من القدرة على التعبير عن أنفسهم؟ أو كيف يوجد الإنسان ويتصل بالعالم حين يكون عاجزاً عن الكلام؟
الكتاب الصادر في باريس عن منشورات “لوب” (2026) هو عبارة عن حوار بين الباحثتين يتجاوز المسائل اللغوية، ليقدم تأملاً عميقاً في معنى الكلمات وحدودها والعوائق التي تمنعها أحياناً من الوصول إلى الآخر، طارحاً المسألة من زاوية فلسفية وسياسية في آنٍ واحد. ولعله يذكرنا أن الكلام ليس مجرد تبادل للأصوات والعبارات، إنه علاقة إنسانية تحتاج إلى عناية فائقة كي تتحقق، وإن هذه العلاقة لا تقوم إلا بقدرٍ من الإصغاء والجهد المشترك.
تنطلق آن-ليز شابير وهي باحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية ومؤلفة لعدد من الكتب من تجربة شخصية مؤلمة. فقد أصيبت بمرض وراثي خطير هو “رنح فريدريخ” الذي يسبب تلفاً تصاعدياً للجهاز العصبي ويؤثر تدريجاً في القدرة على الحركة والكلام، لكنه لا يؤثر إطلاقاً على الوظيفة الإدراكية والقدرات الفكرية التي بقيت عند شابير لامعة. لذا اضطُر من أراد الإصغاء إليها والردّ على أقوالها أن يتعلّم الإصغاء بانتباه إلى طريقتها في الكلام. وهذه الحالة الخاصة قادت سريعاً شابير وزميلتها هالبيرن الحاصلة أيضاً على دكتوراه في الفلسفة والمؤلفة لعدد من الكتب إلى تبادل الرسائل واستكشاف هذه الأسئلة في شكل حوار، بغية التفكّر في التناقض الحاصل بين العقل المتوثب القادر على التفكير والتحليل، والجسد الواهن الذي يضع حدوداً للكلمة التي تحمل هذا الفكر.
إعاقة واضطراب
يبدأ الكتاب بإشارة شابير إلى وجود فئات في المجتمع تعاني من صعوبة في إيصال صوتها أو تخشى ألا يفهم كلامها. فعلى سبيل المثال، يمتلك الطفل الصغير أفكاراً ومشاعر، لكنه غالباً ما يُعامل كما لو أن كلامه غير مهم. وكذلك الحال بالنسبة للعديد من كبار السن الذين يشعرون بأن المجتمع لم يعد يصغي إليهم، أو المواطنين العاديين الذين يجدون أنفسهم عاجزين عن إيصال صوتهم في عالمٍ تهيمن عليه المؤسسات الكبرى والبيروقراطيات المعقدة. لكن المسألة تصبح أكثر تعقيداً مع الأشخاص المصابين بإعاقة نطقية، والتي هي في المقام الأول، وبحسب تعبير شابير، “مرض في العلاقة مع الآخرين”.
لا تتعلق الإعاقة النطقية، أي الاضطراب الذي يؤثر على القدرة على التواصل الشفهي، بالجسد فحسب، بل بطريقة تعامل المجتمع مع هذا الجسد المختلف العاجز عن إخراج الصوت بسهولة، أو المتعذر عليه الأداء النطقي. ولأن عدم فهم الناس لكلام شخص يعاني من اضطراب في النطق، أو تقاعسهم عن بذل الجهد اللازم لاستيعاب ما يقول، يؤدي إلى نشوء فجوة بين الطرفين، تتحول المسألة من مجرد مشكلة طبية إلى قضية إنسانية واجتماعية.
لكن في كل هذه الحالات، لا تكون المشكلة دوماً في القدرة على الكلام، بل في القدرة على الإصغاء والافتقار إلى آذان مستعدة لسماع الآخر. لذا تطرح الكاتبتان سؤالاً بسيطاً لكنه عميق الدلالة: إذا كان الإنسان يحتاج دوماً إلى بضع سنوات لكي يتعلم الكلام، فلماذا يحتاج أحياناً إلى عمر كامل لكي يتعلم الإصغاء إلى الآخر؟
يسلّط هذا السؤال الضوء على مفارقة أساسية في الثقافة المعاصرة التي تركز غالباً على تعليم التعبير عن الذات وعلى تنمية مهارات الخطابة والكتابة، لكنها لا تولي الاهتمام الكافي لتعلم مهارات الإصغاء، على رغم أن الإصغاء هو الشرط الأول لأي حوار حقيقي.
لذا اختارت الباحثتان تقديم أفكارهما في شكل حوار، علماً أن اختيارهما هذا ليس اختياراً أدبياً، بقدر ما هو اختيار ذو دلالة فلسفية واضحة، لأنه منذ سقراط وأفلاطون، مثّل الحوار الطريقة المثلى للبحث عن الحقيقة في تبادلٍ مشتركٍ للآراء يمكّن المتحاورين من فهم بعضهم بعضاً، بغية الاقتراب معاً من المعنى.
لكن الحوار الحقيقي ليس سهلاً. فهو، لكي يستقيم، يتطلب التواضع والاعتراف بأن كل إنسان يتكلم بطريقة ما، أو “بلغة مختلفة”، انطلاقاً من التجارب والذكريات والحساسيات الخاصة، وهي كلها عناصر تؤثر في طريقة فهم الأفراد لكلماته، فضلاً عن أن الفهم المتبادل لا يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى صبر واستعداد دائم لتبديد سوء الفهم.
أخلاقيات الحوار
من هذه الزاوية، يدافع الكتاب عن “أخلاقيات الحوار” في زمنٍ يزداد فيه الميل إلى الخطاب الأحادي أي “المونولوغوس” الذي يتغاضى عن ضرورة التعلّم الصبور للمعنى الذي يحاول كلّ شخص قوله إلى الآخرين. ولئن كان بعض الناس يتجاهلون الخوف من سوء فهم أقوالهم، فإنهم يواصلون كلامهم متغاضين عن ضرورة التعلّم إلى الاستماع إلى الآخر، فضلاً عن أن الكثير من النقاشات العامة لا تهدف اليوم إلى التواصل والفهم المتبادل، بقدر ما تهدف إلى التفوق على الآخر، مما يحوّل الكلام إلى أداة للصراع بدل أن يكون جسراً للتواصل.
وعلى رغم أن الكتاب ينطلق من تجربة ذاتية وتأملٍ فلسفي، فإنه ينفتح في الوقت عينه على أفقٍ سياسي واضح. فالتساؤل حول “الكلمة المقيّدة” يتحول إلى مساءلةٍ أعمق لـ”عدالة توزيع القدرة على الكلام” داخل المجتمع. من هنا تبرز أسئلة جوهرية: من هم الذين تُقصى أصواتهم من المجال العام؟ ومن هم الذين يُمنحون سلطة إسماع أصواتهم؟ ومن الذي يمتلك صلاحية الحكم على ما إذا كان كلامٌ ما جديراً بالإصغاء أم لا؟
لعل هذه الأسئلة التي تطرحها الباحثتان تذكّرنا بأن الديمقراطية لا تقوم فقط على حق التصويت، بل أيضاً على إمكانية المشاركة في النقاش العام. ولئن كانت بعض الأصوات تُهمَّش، فإن تجاهلها يجعل بالتأكيد الحوار الديمقراطي ناقصاً. لذلك تدعو آن-ليز شابير وغابرييل هالبيرن إلى إعادة التفكير في الطريقة التي ينظم بها المجتمع فضاءاته الحوارية في المدرسة وفي الإعلام وفي المؤسسات والحياة اليومية. لأن الإنصات ليس مجرد فضيلة فردية، بل شرط أساس لبناء مجتمع أكثر عدلاً.
من الأفكار الجميلة التي يطرحها الكتاب أن الكلمة، على رغم قوتها، تظل دائماً “هشّة”. فقد يُساءُ فهمها، أو تُقتطع من سياقها، أو تضيع في الضجيج العام. لكن هذه الهشاشة هي بالضبط ما يجعل من الكلمة إنسانية، لا بل إنسانية جداً. فاللغة ليست أداة ميكانيكية لنقل المعلومات بأقصى درجات الدقة، بل هي مجال للتلاقي بين الذوات، تنطوي في آنٍ معاً على إمكان الالتباس وسوء الفهم، كذلك تتيح أفقاً لتفاهم عميق مع الآخر.
الكتاب، إذاً، دعوة إلى التروّي في عالم متسارع، وإلى إعادة التفكير في معنى الكلام ذاته. فالمشكلة لا تكمن في ندرة الكلام، بل في عجز الناس عن منح الكلمات ما تستحقه من وقت واهتمام لفهمها. وهذا ما يبرزه هذا الحوار الحيوي بين المفكرتين، اللتين تكشفان عن أبرز العوائق التي تحول دون تحقق الفهم الحقيقي بين الناس، بدءاً من اضطرابات النطق التي تعقّد عملية التواصل.
هذا الحوار الذي أجرته الباحثتان الفرنسيتان آن-ليز شابير وغابرييل هالبيرن هو دعوة إلى تعلّم الإصغاء من جديد. فالإصغاء ليس مجرد مهارة تقنية؛ إنه موقف أخلاقي يقوم على الاعتراف بالآخر وبحقه في أن يُسمَع. ولئن كانت القدرة على الكلام من سمات إنسانيتنا، فإن القدرة على الإصغاء أيضاً تُعدّ شرطاً لا يقلّ أهمية عنها. فالحوار الحقيقي لا يبدأ إلا حين نكون مستعدين لمراجعة مواقفنا، أو على الأقل لفهم وجهة نظر الآخر. من هنا تبرز ضرورة عدم إغفال أولئك المحرومين من القدرة على التعبير والنطق السليم، والإنصات إليهم باحترام، في دعوة واضحة إلى تغيير نظرتنا وإعادة التفكير في المكانة التي يخصّصها مجتمعنا للأصوات الهشّة.
اندبندنت عربية
