هجوم “داعش” على الرقة: خرق أمني أم رسالة من “قسد”؟ تقارير عربية غازي عنتاب أمين العاصي. العربي الجديد

عنصران من “قسد” في محيط سجن غويران بالحسكة، يناير الماضي (فرانس برس)

اخترق تنظيم “داعش” دفاعات “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ووصل إلى مركز أمني لها في قلب مدينة الرقة شرقي سورية، ما يفتح باب أسئلة حول هذا الاختراق، خصوصاً أنه يأتي في خضم التهديدات التركية بشنّ عملية عسكرية واسعة النطاق ضد هذه القوات في شمال سورية.

“قسد” وورقة “داعش”

وأعلنت قوى الأمن الداخلي “الأسايش” التابعة لـ”الإدارة الذاتية” الكردية في شمال شرقي سورية الخاضع لـ”قسد”، حظر تجوّل في مدينة الرقة أمس الثلاثاء، بعد هجوم وقع أول من أمس الإثنين، من خلية تابعة لتنظيم “داعش”، واستهدفت مركزاً تابعاً لهذه القوى.

وقُتل في الهجوم عدد من عناصر “الأسايش” في حادث قال “داعش” إنه جاء في سياق “الانتقام المتواصل لأسرى المسلمين في مخيم الهول (محافظة الحسكة)”.

وذكرت وكالة “أعماق” الناطقة باسم التنظيم، عبر تطبيق “تلغرام”، أن خلية للتنظيم مكوّنة من مقاتلَين تمكّنا من اقتحام مركز “الأسايش” في حي الدرعية بمدينة الرقة بعد قتل حارسه، واشتبكا مع آخرين داخل المقر. وأضافت أنّ الهجوم “الانغماسي المباغت” أسفر عن مقتل 6 أشخاص وجرح نحو 10 آخرين، كحصيلة أولية للعملية، بينما تمكّن أحد المهاجمين من الانسحاب خارج المقر بسلام، بحسب “أعماق”.

فرضت “قسد” حظر تجول أمس الثلاثاء في مدينة الرقة

وذكرت مصادر محلية في مدينة الرقة لـ”العربي الجديد” أن “المحلات التجارية أغلقت (أمس الثلاثاء) في المدينة باستثناء الأفران والصيدليات”، مشيرة إلى أنّ هناك اعتقاداً لدى الناس أن التنظيم “غير قادر على الهجوم على قلب مدينة الرقة بهذه البساطة”. وأضافت المصادر أنه “ليس لدى قسد أوراق ضغط على المجتمع الدولي لردع الجانب التركي عن شنّ عملية ضدها إلا ورقة تنظيم داعش. ما حدث الإثنين رسالة واضحة مفادها أن أي هجوم تركي على الشمال السوري سينعش التنظيم”.

وقال المتحدث باسم “قسد”، فرهاد شامي، أمس، لوكالة “فرانس برس”، إن “حملة التمشيط وملاحقة خلايا داعش المحتملة وحالة حظر التجول مستمرة إلى إشعار آخر” في الرقة. وأضاف “لدينا بعض المعلومات حول هجمات محتملة لداعش في عطلة أعياد رأس السنة في الرقة والحسكة والقامشلي، لذلك أعلنا حالة الاستنفار”.

ورأى شامي أن “تنظيم داعش يحاول تأكيد تأثيره وتواجده، خصوصاً بعد تعيين زعيم جديد له (أبو الحسين الحسيني القرشي)” إثر مقتل زعيمه السابق (أبو الحسن الهاشمي القرشي) في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي خلال اشتباكات في جنوب سورية. وكان القائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي، قد حذّر أول من أمس، من “تحضيرات خطيرة” يجريها “داعش”، مشدداً على أن “علينا ألا نتساهل معها”.

من جهته، رأى الناشط السياسي المقرب من “الإدارة الذاتية” إبراهيم مسلم، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “تنظيم داعش يريد استغلال الظروف المحلية والدولية لضرب قسد من الداخل”.

وأشار إلى أن “قوات سوريا الديمقراطية ليست بحاجة إلى افتعال عمليات من أجل إبراز خطورة التنظيم في حال شن الجانب التركي أي عملية في الشمال السوري”، مضيفاً: “أي عملية ستصب في صالح التنظيم بكل تأكيد لأنها ستخلق الفوضى، وتشغل قسد عن مهامها في محاربة التنظيم، ما يؤدي إلى إيقاظ خلايا التنظيم النائمة في المنطقة”.

احتمالان لهجوم “داعش” في الرقة

وجاءت العملية التي شنّها “داعش” على الرقة في خضم وعيد تركي بشنّ عملية عسكرية واسعة النطاق ضد “قسد” في الشمال السوري. وجدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطاب ألقاه الإثنين، عقب ترؤسه اجتماعاً للحكومة في المجمع الرئاسي في أنقرة، التأكيد على أن بلاده بصدد اتخاذ خطوات جديدة لسدّ ثغرات الحزام الأمني بعمق 30 كيلومتراً شمالي سورية للقضاء بالكامل على التهديدات التي تستهدف تركيا من الأراضي السورية، وفق وكالة “الأناضول”.

حوراني: من المحتمل أن تكون “قسد” سهلت للتنظيم تنفيذ العملية

ونقلت الوكالة عن أردوغان قوله: “سننتقل إلى مرحلة مكافحة جديدة لتدمير كافة البنى التحتية والموارد التي يستمد منها تنظيم بي كي كي (حزب العمال الكردستاني) الإرهابي الدعم والقوة إلى جانب قدراته العسكرية”. وجدّد عزم بلاده “مواصلة استراتيجيتها في القضاء على الإرهاب في معاقله”، مؤكداً أنها ستستمر في سياستها هذه، خلال عام 2023، على امتداد حدودها الجنوبية.

وفي السياق، أعلنت وزارة الدفاع التركية، في بيان أمس، عن “تحييد 12 إرهابياً من تنظيم “العمال الكردستاني/الوحدات الكردية” شمالي سورية. وأوضحت أن “تحييد الإرهابيين جرى في مناطق عمليتي غصن الزيتون ودرع الفرات”.

وتنظر أنقرة إلى “قسد”، التي تشكل الوحدات الكردية ثقلها الرئيسي، على أنها نسخة سورية من حزب العمال الكردستاني المصنف على لوائح الإرهاب في العديد من الدول. وكانت أنقرة على وشك شنّ عملية واسعة النطاق ضد “قسد” أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي على خلفية تفجير إسطنبول الذي وقع في الشهر ذاته، وأدى إلى مقتل مدنيين. واتهمت الحكومة التركية على الفور “العمال الكردستاني” و”قسد” بالوقوف وراء التفجير، إلا أن الطرفين نفيا أي صلة لهما به.

وقوبلت الاستعدادات التركية لطرد “قسد” من مناطق في الشمال السوري برفض روسي وأميركي، تجلى بخطوات سياسية وأخرى عسكرية على الأرض، ما دفع أنقرة إلى التراجع عن القيام بعملية كان من المتوقع أن تشمل مناطق: تل رفعت في ريف حلب الشمالي، ومنبج وعين العرب في ريف حلب الشمالي الشرقي.

لكن تصريحات المسؤولين الأتراك تشي بأن شنّ عملية برية ما يزال على سلّم أولويات أنقرة الساعية إلى إنشاء “منطقة آمنة” داخل العمق الجغرافي السوري لإبعاد أي خطر يمكن أن يهدد الأمن القومي التركي من قبل “قسد”.

من جهته، رأى النقيب المنشق عن قوات النظام، الباحث في “المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام”، رشيد حوراني، في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ هناك احتمالين إزاء الهجوم الذي شُنّ في مدينة الرقة الإثنين. وأوضح حوراني أن “الاحتمال الأول، هو أن يكون “داعش” قد استغل ربما حالة الارتباك في صفوف قسد بسبب التهديد المتواصل بشن عملية عسكرية تركية ضدها، مستفيداً من الرفض الشعبي لسياستها في كل من الرقة ودير الزور”.

وأضاف: “الاحتمال الثاني أن تكون قسد قد سهّلت للتنظيم تنفيذ العملية لدعم موقفها مع الجانب الأميركي وإيصال رسالة له بأن داعش لا يزال نشطاً، لكي يتصلب الموقف الأميركي في رفضه للعملية العسكرية التركية”.

ورجّح حوراني الاحتمال الثاني وراء الهجوم “بسبب توقيت تنفيذ العملية”، إذ تتزامن مع تهديد أنقرة بشن عملية عسكرية برية أو مواصلة الحملة الجوية ضد أهداف ومواقع “قسد” في شمال وشمال شرقي سورية.

ولطالما لوّحت “قسد” بورقة “داعش” للضغط على الولايات المتحدة وأطراف غربية للتدخل من أجل إيقاف التهديد التركي عند حدود معينة. وتدير هذه القوات مع التحالف الدولي 28 سجناً تضم نحو 12 ألف عنصر وقيادي من “داعش”، رفضت الدول التي يحملون جنسياتها استلامهم حتى الآن.

وكانت الرقة بمثابة عاصمة لـ”داعش” في سورية ما بين عامي 2014 و2017، قبل أن تشن “قسد” بمساندة من التحالف الدولي عمليةً ضد التنظيم لاستعادة المحافظة منه في يونيو/ حزيران 2017 وانتهت في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، ولكن بعد تدمير معظم أحياء المدينة ومقتل آلاف المدنيين.

تقارير عربية