جرائم قتل بشعة في الخرطوم: انفلات أمني متعمّد؟  المصدر: النهار العربي الخرطوم – نشأت الإمام

 المصدر: النهار العربي
الخرطوم – نشأت الإمام
مسرح إحدى الجرائم في العاصمة الخرطوم.
صحت العاصمة السودانية الخرطوم، صبيحة اليوم الأول من السنة الميلادية 2023، على وقع جريمة بشعة راح ضحيتها شاب وفتاة وجدا مقيدين ومقتولين مهشمي الرأسين في ضاحية الحزام جنوب المدينة، والتحقيقات جارية للتعرف إليهما وإلى ظروف قتلهما.
وخلال الأسبوعين الماضيين، وقعت حوادث قتل عديدة في مناطق متفرقة من العاصمة، حيث وجد سكان حي الفردوس – وهو من الأحياء الراقية في وسط الخرطوم – جثة صاحب دكان صغير في الحي وهو مقيد اليدين ورأسه مهشم، وهرعت الشرطة إلى مكان الحادث وطوقته لكن لم تسفر تحرياتها عن شيء، بخاصة أن دكان المقتول لم يتم العبث به أو سرقته.
وفي اليوم الذي تلاه وجدت الشرطة جثتين أخريين في منطقة السوق العربي في وسط الخرطوم، إحداهما مقيدة داخل كيس رمي تحت أحد الأنفاق، والآخر لبائع متجول وجد مهشم الرأس، وبحسب تقرير التشريح فقد تعرض القتيل للضرب في مختلف أنحاء جسده قبل أن يتم تهشيم رأسه بآلة حادة.
عصابات منظّمة
وارتفعت وتيرة جرائم النهب في الشوارع في الفترة الأخيرة وتقوم بها عصابات منظمة تقود الدراجات النارية ومسلحون بأسلحة نارية وبيضاء، من دون أن تقوم الشرطة بدورها في ملاحقتهم وفرض هيبة الدولة وإحلال الأمن، ما يطرح علامات استفهام كبيرة عن دور الشرطة في مكافحة مثل هذه الجرائم المنظمة والدخيلة على المجتمع السوداني.
ويرى الخبير الأمني جعفر الأمين، في حديث إلى “النهار العربي”، أن “الوضع الاقتصادي يعد أبرز المهددات الأمنية، إذ يسعى البعض للتكسب عبر جرائم النهب والسرقة، وفي حالة تراخي القبضة الأمنية فإن ضعاف النفوس يجدون أن مثل هذه الأفعال يمكن أن تمر من دون عقاب أو متابعة من الأجهزة الأمنية، فتصير ممارسة هذه الجرائم بالنسبة إليهم أمراً عادياً وبسيطاً يمكنهم القيام به من دون خشية تُذكر من العواقب المترتبة عليه”.
وأضاف: “كذلك الانتشار غير المسبوق للمخدرات وسط الشباب يجعلهم يحاولون القيام بمثل هذه الجرائم كنوع من المغامرات أو لسد حاجتهم المتواصلة للمال من أجل الحصول على جرعات المخدرات، وفي بعض الأحيان يقومون بمثل هذه الجرائم التي تبدأ عندهم بالسرقات الصغيرة ثم تتطور لتصل إلى جرائم القتل والسلب وهم مغيبون تماماً وواقعون تحت تأثير المخدرات، ما يجعلهم يسرقون وينهبون وربما يقتلون من أجل المال”.
ولفت الأمين إلى أن وجود الكثير من قوات الحركات المسلحة داخل الخرطوم له أثر أيضاً في مثل هذه الجرائم، وقال: “معظم هذه القوات ليست قوات نظامية بالشكل المعروف، فهي كانت تقوم بالقتل والنهب في مناطق الصراعات في أطراف السودان، وحينما جاءت اتفاقية السلام سعت الحركات المسلحة إلى نقل أعداد كبيرة من مقاتليها إلى داخل العاصمة، ما أسهم في وجود قوات مسلحة وغير خاضعة للقانون ولم تتلق التدريب والتعليم الكافيين لتشكيل عقيدتها القتالية، بل تم تجنيد معظمها وفق أسس إثنية وقبلية ولا يعرف عناصرها من العسكرية سوى كيفية استخدام الأسلحة، لذا فإن هناك حوادث كثيرة مقيدة في دفاتر الشرطة بتعديهم وإرهابهم للمواطنين، ويتم إخراجهم من الحبس من دون محاكمات بسبب تدخل قادتهم، ما يغري بعضهم بالقيام بالتجاوزات والجرائم مرة أخرى في ظل هذه الفوضى الأمنية”.
ويؤكد الأمين أن لا سبيل لوقف مثل هذه الجرائم سوى “بفرض هيبة الدولة وعمل الدوريات المسائية ليشعر الناس بوجود الشرطة، كذلك المحاكمات الفورية لمرتبكي مثل هذه الجرائم ونشر هذه المحاكمات حتى تشكل رادعاً لكل من تسوله نفسه القيام بمثل هذه الجرائم”.
تقاعس أمني
ورغم الأسباب التي ذكرها الأمين، إلا أن كثيراً من المراقبين يرون أن تقاعس الأجهزة النظامية عن حسم هذه التفلتات يعود إلى أسباب سياسية تتعلق برفض الاتفاق الإطاري الذي يعتزم المجلس العسكري توقيعه بعد ضغوط خارجية وداخلية، مع “قوى الحرية والتغيير”، وهو الاتفاق المناط به إنهاء الانقلاب والانتقال إلى الحكم المدني. ويلفت مراقبون إلى أن هذه التفلتات الأمنية تظهر دوماً عندما يتم الاتفاق مع المدنيين، أو عند توليهم الحكم، حتى يرتبط وجود المدنيين في السلطة بالسيولة الأمنية، ما يجعل المواطنين يبحثون عن الأمن تحت ظل الأنظمة العسكرية.
 ويؤكد الناشط الحقوقي ياسين المبارك أن الأجهزة تتعمد أن ترخي قبضتها تجاه هذه الجرائم لأسباب سياسية، وقال لـ”النهار العربي” إن “السودان عُرف على مر السنوات بأن لديه أجهزة أمنية قوية، وأن الشرطة نادراً ما قيدت بلاغاً ضد مجهول، فهي تحمل خبرات علمية وعملية حتى أن شهرتها وصلت الى مختلف دول الإقليم، ما جعل بعض البلدان تبعث بممثلين لأجهزتها الشرطية لتلقي التدريب على أيدي الشرطة السودانية والتي تأسست حتى قبل استقلال السودان، لذا نستغرب جداً عدم وجود التأمين المطلوب في الشوارع، حتى أن المواطنين باتوا لا يأمنون على أنفسهم ليلاً، بل حتى داخل منازلهم، وهو أمر عصي على الفهم، خصوصاً أن الشرطة التي نراها بكامل عدتها وعتادها وتجهيزاتها المتطورة وهي تقوم بقمع المحتجين السلميين في التظاهرات، هي ذاتها التي تقف عاجزة أمام سيل الجرائم المروعة التي باتت أخبارها تنتشر كل يوم، ويتم تقييد معظمها ضد مجهول”.
وأضاف: “جرائم القتل التي حدثت في الأسبوعين الماضيين، كأنما قصد منهما نشر الهلع وسط المواطنين، فالضحايا ليس لهم مال أو كانت حوادث قتلهم في شجارات، بل تم الغدر بهم وتهشيم رؤوسهم لإرسال رسائل تخويف بانعدام الأمن وأن أي شخص يمكن قتله ببساطة”.
وختم: “على القادة العسكريين المسيطرين على الحكم الآن عدم التدخل في عمل الشرطة والزج بها لتحقيق مكاسب سياسية يكون ضحيتها المواطن، ما يفقده الثقة بالشرطة”.