افتتاحية موقع السفينة ……
في عصر تتصارع فيه الأصوات وتعلو فيه النبرة، يبدو التمسك بالموضوعية السياسية وكأنه سباق ضد التيار. فمن يريد أن يحافظ على توازنه الفكري، ليس أمامه إلا خطة واحدة: أن ينصت إلى الجميع. ليس الانصات قبولاً بكل الآراء، بل هو محاولة لفهم كيف يفكر “الآخر”، وما الذي يشكل وعيه ويصوغ مخاوفه. فالموقف السياسي الذي يتشكل من زاوية واحدة، مهما بلغت قوة حجته وبلاغته، يبقى قاصراً وناقصاً.
وفي خضم هذا المعترك، تبرز الطائفية كأكبر عدو للموضوعية. إنها النظارة التي تشوه الرؤية وتُخفي الحقيقة. لا يمكن أن تكون هناك مقاربة طائفية “صحيحة”، فالانحياز القبلي أو المذهبي هو خطأ في المنهج بحد ذاته، خاصة في زمن كشف العلم (مثل اختبارات الـ DNA) عن تداخل الأصول وزيف ادعاءات النقاء العرقي.
إن التصفيق الحار الذي تمنحه إياك دائرتك المغلقة – سواء كانت طائفية أو قومية أو أيديولوجية – هو إغراء خطير. فهو لا يعني بالضرورة أن موقفك صحيح، بقدر ما يعني أنه مريح ومقبول لدى محازبيك. لكن التاريخ لا يذكر إلا المواقف الشجاعة التي تتخطى حواجز الانتماء الضيق. فمثلما أن الفن الهابط يُنسى سريعاً رغم ضجيج الإعجاب، فإن الموقف السياسي المتعصب والهابط سيُكشف مع الزمن، وسيبقى في الذاكرة أولئك الذين اختاروا أن يكونوا بشراً أولاً، ومنتمين إلى فكرة العدالة والإنسانية، قبل أي انتماء آخر.