قصّة تصنيع الكبتاغون في سوريا… ما تأثير القانون الأميركي على الجنوب؟ المصدر: دمشق – النهار العربي

مناطق تهريب الكبتاغون في الجنوب السوري
بعد مرور أسبوعين على إقرار الإدارة الأميركية، قانون مكافحة الكبتاغون في سوريا، حطّ المبعوث الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف الأربعاء في الأردن، أهم إحدى دول الجوار التي يمنحها القانون الأميركي موقعاً مميزاً لتطبيق بنوده. ولا يزال من المبكر التكهّن بالكيفية التي سوف ينعكس فيها  قانون مكافحة الكبتاغون على منطقة الجنوب السوري التي أصبحت تعتبر بؤرة أساسية لتهريب المخدرات، وما إذا كان هذا الانعكاس سيقتصر على الجانب القانوني التنفيذي أم سيشكل نواةً لإعادة تأسيس دور أميركي في المنطقة بعنوان محاربة المخدرات يوازي الدور الذي تقوم به قاعدة التنف بذريعة محاربة الإرهاب.
زيارة لافرنتييف إلى الأردن
قالت قناة “المملكة” الأردنية إن وزير الخارجية أيمن الصفدي التقى الوفد الروسي، الذي ضمّ ممثلين عن وزارتي الدفاع والخارجية، وناقش الطرفان “تثبيت الأمن والاستقرار في الجانب السوري ومواجهة تحدي تهريب المخدرات منه إلى المملكة الأردنية”.
وأكّد الصفدي ضرورة “تثبيت الاستقرار في الجنوب السوري ومواجهة تهديد تهريب المخدرات”، معتبراً أن وجود الميليشيات الإيرانية في الجنوب السوري يشكّل خطراً على أمن المملكة، وأن الأخيرة تتخذ كل ما يلزم من إجراءات لمواجهته ويسعى للتعاون مع روسيا على إنهائه.
ودعا وزير الخارجية الأردني إلى ضرورة التوصل إلى حل سياسي ينهي “الأزمة السورية” ويحقق طموحات شعبها ويهيئ الظروف اللازمة للعودة الطوعية للاجئين وفق القرار الأممي 2254.
كذلك رحّب باعتماد مجلس الأمن الدولي للقرار 2672 الخاص بتمديد آلية إدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا.
من جانبه، قال المبعوث الروسي إن بلاده ستتعاون مع المملكة في مواجهة ما سمّاه “التحديات في الجنوب السوري”، خصوصاً في ما يتعلق بتهريب المخدرات.
وجاءت زيارة لافرنتييف إلى الأردن بعد حوالى شهرين من زيارة قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى عمّان شهدت مطالبة أردنية بضرورة التنسيق بين الدولتين لضمان الاستقرار في الجنوب السوري.
معلومات جديدة عن المخدرات
تزامن اللقاء الأردني – الروسي مع تأكيد الخارجية البريطانية أن “الكبتاغون” بات يعتبر من أكبر صادرات النظام، واصفة سوريا بـ”أكبر دولة مخدرات في العالم”.
وقالت السفارة البريطانية في تغريدة الأربعاء، إن نظام الأسد يجني ويثري نفسه بعشرات مليارات الدولارات من بيع حبوب “الكبتاغون” في الوقت الذي يعاني فيه السوريون من أوضاع معيشية مروّعة، مؤكدة أنها باتت تعتبر أبرز صادرات النظام.
وأكدت أن سوريا “تبرز كأكبر دولة مخدرات في العالم”، مضيفة أن البلاد “لا تزال في حالة خراب واقتصادها مشلول بسبب أكثر من عقد من الحرب”.
وكشف تحقيق استقصائي أجراه موقع سوري معارض عن معلومات جديدة حول زراعة وتصنيع وتهريب المخدرات من مناطق سورية مختلفة ليست بالضرورة تحت سيطرة الحكومة السورية.
وأشار التحقيق إلى منطقة القصير بريف حمص الجنوبي، باعتبارها المنطقة الأكثر احتضاناً لمزارع الحشيش، حيث بدأت هذه الزراعة فيها عقب سيطرة النظام السوري و”حزب الله” اللبناني عليها في حزيران (يونيو) عام 2011، وبحسب مصادر فإن معظم المزارع تتركز في القرى الواقعة على ضفاف نهر العاصي والمحاذية للحدود اللبنانية مثل، حاويك وزيتة والقصر والعقربية والديابية والبرهانية وأبو حوري.
وتقول المصادر، إن عملية الزراعة يشرف عليها خبراء من منطقة البقاع اللبناني وعناصر من “حزب الله”، وبعد الانتهاء من جمع المحصول يتم تحويله إلى معمل في بلدة العبودية، ومن ثم تتولى شبكة تابعة للفرقة الرابعة نقله وتوزيعه داخل الأراضي السورية.
وتنتشر أيضاً في محافظة طرطوس مزارع حشيش عدة، تقع أبرزها في القرى الحدودية مع لبنان مثل الخرابة، وبني نعيم، والشيخ جابر، والرنسية، وخربة الأكراد، والجواميسية، وفي منطقة الشيخ بدر، ويتم تصريف معظم إنتاجها محلياً كون المحافظة الساحلية تشهد إقبالاً من باقي المناطق خصوصاً في فصل الصيف.
وفي دمشق، تحتكر الفرقة الرابعة زراعة الحشيش، وتنتشر مزارعها في بلدات دير خبية والزبداني ومضايا وكناكر والهيجانة وزبدين، وفي منطقة القلمون الغربي.
شرقاً أيضاً، تنتشر مزارع الحشيش في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام و”قسد” على حد سواء، وتتركز في أرياف دير الزور والرقة والحسكة ومنبج وعين العرب بريف حلب.
أما على صعيد الصناعة، فقد أشار التحقيق إلى أن معامل ومكابس الكبتاغون تتركز في المنطقة الجنوبية القريبة من الحدود مع الأردن، وفي ريف دمشق على الحدود اللبنانية، وكذلك في محافظتي اللاذقية وطرطوس حيث المنافذ البحرية.
واضافت أن محافظة درعا تضم تسعة مراكز لتصنيع المخدرات، أكبرها في محطة تحلية المياه بالقرب من بلدة خراب الشحم، وفي حي الضاحية، ونوى، واللجاة. ويضاف إليها مصنعان في محافظة السويداء، كتلك التي تم ضبطها داخل منزل راجي فلحوط في بلدة عتيل.
وأغلب تلك المصانع هي مكابس نصف آلية، في حين يوجد 3 أو 4 مصانع في المنطقة، آلية، وتبلغ طاقتها الانتاجية نحو 400 حبة كبتاغون يومياً.
أما عن آلية التصنيع، فتوضح المصادر التي استند إليها التحقيق أن كل نقطة تضم خبيراً كيميائياً ومساعده، إضافة إلى 5 عمال، يعملون بإشراف من ميليشيات محلية مرتبطة بإيران، وكذلك من قيادات في “حزب الله”.
ويُعتبر القيادي السابق في الفصائل المعارضة والذي التحق بعد “التسوية” بشعبة الأمن العسكري، عماد أبو زريق، وابن عمه غسان أبو زريق من كبار تجار المخدرات في محافظة درعا، إذ تربطهما علاقة قوية مع قادة من “حزب الله”، وضباط من النظام السوري الذين يقدّمون التسهيلات لشحنات المخدرات أثناء مرورها على الحواجز، خصوصاً حاجز منكت الحطب التابع لفرع الأمن العسكري.
كذلك يُعد القيادي السابق في الفصائل المعارضة مصطفى المسالمة الملقب بـ”الكسم” المسؤول عن مقر محطة التنقية في خراب الشحم والمهرّبين العاملين في هذا الموقع والذي غالباً ما يكون منطلقاً للطائرات المسيّرة المحملة بالمواد المخدرة والتي يتم إرسالها إلى الأردن.
انعكاس القانون الأميركي على الجنوب السوري
مما لا شك فيه أن القانون الأميركي بصياغته المتشددة وحرصه على إدخال دول الجوار السوري في الحملة الأميركية ضد تهريب المخدرات، ينطوي على غايات سياسية تتعلق بشكل مباشر بالرؤية الأميركية لتطورات المشهد السوري وانعكاساتها المحتملة على الدور الأميركي ووظيفته. وجاء إقرار القانون بالتزامن مع خطوات تطبيعية بدأت بعض الدول باتخاذها إزاء دمشق لا سيما تركيا، ما فهم منه بعض المراقبين أن أحد أهم مفاعيل القانون سيكون كبح محاولات التطبيع مع سوريا تمهيداً لتشديد سياسة العزل ضد دمشق.
وقد اختلفت قراءة المعارضة السورية لتأثيرات قانون مكافحة الكبتاغون الأميركي بين من ذهب بعيداً في اعتقاده أن القانون سيكون مقدمة لإعادة تفعيل غرفة عمليات الموك من بوابة محاربة المخدرات. وغرفة الموك هي غرفة عسكرية دولية – إقليمية كانت تتخذ من العاصمة الأردنية مقراً لها ومهمتها الإشراف على نشاط الفصائل المسلحة المناهضة للحكومة السورية ولكنها تفككت منذ سنوات. ويعتقد هؤلاء أن إعادة الموك هو هدف أميركي يتحين الفرصة المناسبة لوضعه موضع التنفيذ. وقد ظهرت خلال العام المنصرم الكثير من التسريبات والسيناريوات التي تحدثت عن عودة الموك، ولم يمنع النفي الأردني الرسمي لهذه السيناريوات من استمرار أطراف في المعارضة السورية في الترويج لها.
ويرى آخرون أن قانون الكبتاغون سيقتصر على استهداف البنية التحتية الخاصة بزراعة وتصنيع وتهريب المخدرات في أنحاء سوريا كافة ولن يكون مقتصراً على الجنوب السوري فقط. ويستبعد هؤلاء أن يكون للقانون أي أهداف سياسية مباشرة من قبيل تغيير شكل الجنوب السوري أو فرض تغييرات على معادلة التوازن القائمة فيه منذ 2018 عام توقيع التسوية بين النظام السوري والفصائل المسلحة بإشراف دولي تولته أميركا وروسيا بالتنسيق والتشاور مع دول الجوار وفي مقدمها الأردن وإسرائيل. ولكن هذا لا يمنع وفق وجهة هؤلاء أن تترتب على تنفيذ القانون آثار سياسية غير مباشرة لا سيما إذا ما تبين أن اعتماد السلطات السورية على إيرادات المخدرات يفوق المتوقع، ويعرضّها حرمانها من هذه الايرادات إلى خطر وجودي يؤثر على قدرتها في تشديد قبضتها على مناطق سيطرتها.