زياد الصائغ…كاتب
زياد الصائغ.
انعِدامُ الوَزْن يتحكَّم بلُبنان. اللَّادَوْلَة مُصمِّمَة بسرديَّّتِها عُنفيَّة اللَّفظ على الاستِمرار بمُحاولة تقويض مسار قِيام دولة القانون والسِّيادة. الإصرارُ على تعميم مفاهيم ملتبِسة فرضتها أعرافُ ميزانِ قِوىً من مثل “استراتيجيَّة دفاعيَّة”، و “حِوارٍ وطنيّ” رديفٍ للمؤسَّسات الدُّستوريَّة، هذا الإصرارُ لن يَنجَح في تبديلِ بُوْصْلَةِ العَوْدَة إلى الدُّستور.
مُنذُ أكثَر من نُصف قَرن، يعيشُ لُبنَان بلا استراتيجيَّة أمن وطنيّ/ قوميّ واضِحَة. خَمسَة عُقود من الارتِجال والتَّسويات الظرفيَّة، من إخفاء الحقيقة وراء شِعارات “الحوار الوطنيّ” أو “الاستراتيجيّة الدفاعيَّة” التي لم تُترجم يومًا إلى سِياسات دَولَة. النتيجة كانَت واضِحَة: حُروب أهليَّة، احتِلالات خارِجيَّة، انهيار مُتكرِّر للمؤسَّسات، ووِلادَة “لادَوْلَة” تفرُض سردِيَّتِها العنيفَة على ما تبقَّى من دَولَة القانون. اليوم، أكثَر من أيّ وَقت مضى، باتَت الحاجَة ماسَّة إلى مبادرةٍ شُجاعَة تَضع استراتيجيَّة أمن وطنيّ/ قوميّ دستوريَّة تُعيد الأُمور إلى نصابِها. فالسؤالُ الذي يفرِضُ نفسهُ، ما مقوّمات هذه المُبادَرة بعد خمسين عامًا من التخلّي الطوعيّ عن صِياغَة مُماثِلة؟
أوَّل ما يجِب أنْ ترتكِز عليه أيّة استراتيجيَّة هو الدُّستور. لا أعراف ولا صَفَقَات ولا ميزان قِوَى يَعلو عَليه. وحدَهُ الدُّستور يَضمَن أنَّ احتِكار السِّلاح وظيفَة حصريَّة للدَّولة، وأنَّ هذا السِّلاح يَجِب أنْ يكون بِيَدِ الجيش اللُّبنانيّ والمؤسّّسات الشرعيَّة، لا بِيَدِ الميليشيات أو القوى المتفلِّتة. الأمن الوطنيّ ليسَ فَقَط جنديًا يحمِل بندقيَّة. الأمن الوطنيّ هو لُقمَة الخُبز، الدَّواء، الكَهرباء، العَمل، التربية، البيئة، والاتِّصالات… حينَ يطمئِنّ اللُّبناني إلى غدِه، يثِقُ بدَولَتِه، ويَشعُر أنَّ حقوقَهُ مُصانَة. عندَها فقط تُصبِح المؤسَّسات العسكريَّة والأمنيَّة قويَّة وشرعيَّة.
لا يُمكِن بِناء أمن وطنيّ/ قوميّ على مؤسَّسات مشلولة أو مُختَرَقَة. نحتاجُ قضاءً مُستقِلاً يَردَع. إدارَة عامَّة شفَّافَة تَخدُم. أجهِزَة أمنيَّة مُنضَبِطَة بعقيدَة وطنيَّة مُتكامِلَة، وبرلمان وحكومة يقرِّران داخِل المؤسَّسات، لا في “جلسات حوار” تعطِّل الدُّستور. لُبنان ليسَ جَزيرَة. موقَعُه يَجعَلُه عُرضةً لرياح المَنطَقَة. لذلك، يجب أنْ تَقوُم أيّة استراتيجيّة على تحييد لُبنان عن صراعاتِ المَحاوِر، وفي الوَقت نَفسه تَعزيز انفِتاحه على العالم العربي والدولي. الدّيبلوماسيّة النّشطة الرسميَّة والعامَّة، هي جزء من الأمن مثلها مثل القوى العسكريَّة والأمنيَّة.
المجتمع المدنيّ، الجامِعات، النقابات، الأنتلجنسيا، كلّهم يجب أنْ يكونوا شركاء في صياغة هذه الاستراتيجيّة تحتَ سقف مجلِس الوزراء حتمًا، وبرؤيَةٍ شامِلَة يرعاها رئيسُ الجمهوريَّة. إذْ حين يشعرُ المواطِن أنَّه شريكٌ في القرار، تتحوّل الاستراتيجيّة من ورق رسميّ إلى عقدٍ اجتماعيّ جامِع. لا استراتيجيّة أمن وطنيّ/ قومي من دون مواجَهة جِراح الماضي. اللُّبنانيَّات واللُّبنانيُّون ما زالوا أسرى ذاكِرة الحَرب والانقِسام. المطلوب مُصالَحة وطنيَّة صادِقة تُعيد بِناء الثّقة بينَ النّاس، وتُربّي الأجيال الجديدة على المواطَنة بدلاً من الطائفيَّة. هذه ليست ترفًا؛ بلْ شرطًا للأمن والاستِقرار. كمْ من خُطط أُعلِنت وبقيت حبرًا على ورق؟ المطلوب هذه المرَّة آليّة تنفيذ واضِحة. أهداف، جَدوَل زمني، ومجلِس للأمن الوطنيّ/ القوميّ يُتابِع ويُقيّم ويُصحّح. من دونَ ذلك، ستبقى الكلِمات مُجرَّد خِطابات رنَّانة.
خمسُون عامًا من الغِياب كانَت كافِية لتَغرَق السَّفينة. اليوْم الفُرصة قائِمة، لكنَّها تحتاجُ إلى قرارٍ سياسي شُجاع يَضَع المَصلَحة الوطنيَّة فَوقَ الحِسابات الضَيِّقة. إنَّ صِياغَة استراتيجيَّة أمن وطنيّ/ قوميّ دُستوريَّة لَيسَت هَدَفًا فِكريًا؛ بلْ مسألة حيَاة أو مَوْت. إمّا أنْ نكتُب هذِه الصَّفحَة بجرأَة، أو نستمِرّ أسرى دوّامة الوَيلات.