ألمانيا… المسألة أبعد من دبابة  المصدر: النهار العربي سميح صعب

 المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
الاهتمام الأميركي بأوكرانيا ينصب على هدف واحد هو تقصير أمد الحرب. هذه الاستراتيجية التي تعتمدها إدارة الرئيس جو بايدن. استمرار القتال واستطالته يستنزفان كييف ومن خلفها التحالف الغربي، سلاحاً ومالاً.
البحث عن أسلحة في كل ناحية لإرسالها إلى أوكرانيا كي تتمكن من شن هجوم الربيع، يخدم ولا شك الاستراتيجية الأميركية. أمضى وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن ثلاثة أيام في برلين علّه يقنع وزير الدفاع الألماني الجديد بوريس بيستوريوس باتخاذ قرار بإرسال دبابات ألمانية من طراز “ليوبارد 2” إلى كييف أو على الأقل السماح لدول أطلسية تملك هذا النوع من الدبابات بإعادة إرسالها إلى أوكرانيا.
برلين لديها مخاوفها. ولا تريد أن تكون طرفاً في الحرب. ورغم ذلك، هي لم تعطِ جواباً قاطعاً بنعم أو بلا. ويدرس المستشار أولاف شولتس خياراته بعناية. إرسال الدبابات له حسابات مغايرة لتلك التي تتعلق بأنظمة الدفاع الجوي من طراز “ايريس-تي” أو بصواريخ مضادة للدروع ومدافع الهاوتزر. الماضي الألماني، لا شك يقف عثرة أمام كل قرار بإرسال أسلحة إلى مواجهة الجيش الروسي.
بريطانيا وبولندا وسائر دول حلف شمال الأطلسي الأخرى متحررة من ثقل الماضي. وهذا ما يجعل قرارات التسليح أسهل بالنسبة اليها. برلين مختلفة، وتالياً يتعين عليها أن تزن السلبيات والإيجابيات وإلى أين يمكن تقود هذه الخطوة. ألمانيا لا تريد تصعيد الحرب وتريد وضع حد لها البارحة قبل اليوم. مستشارها لم يقطع اتصالاته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وزاره قبل أسابيع من الحرب علّه يقنع سيد الكرملين بعدم اللجوء إلى القوة.
صحيح أن ألمانيا بعد الحرب انسلخت عن موارد الطاقة الروسية وتشارك بحزم في العقوبات الغربية على روسيا، ولا تفوت فرصة إلا وتندد بالهجوم الروسي. لكن هذا شيء ومساهمة ألمانيا في تصعيد الحرب آخر ما تريده برلين، بصرف النظر عمن يجلس في كرسي المستشارية. لم يعرف عن شولتس، أنه كان في يوم من الأيام، مع توثيق العلاقة التجارية مع موسكو إلى المستويات التي ذهب إليها غيرهارد شرودر ومن بعده أنغيلا ميركل. لكنه كان يفضل التجارة مع روسيا على فرض العقوبات عليها.
ألمانيا بعد سقوط برلين لم تكن تفكر ربما للحظة بأن الحرب ستعود إلى القارة الأوروبية مجدداً. ولذلك، أهملت بناء جيش قوي أو إنتاج أسلحة متطورة. وتخلت عن الخدمة الإلزامية. لقد حل التنافس الاقتصادي والازدهار محل الحروب. الاقتصاد بنى أوروبا بعدما دمرتها الحروب. فمن كان يظن أن التاريخ سينهض وسيقف على رجليه مرة أخرى بعدما دفن تحت أنقاض جدار برلين قبل ما ينوف على ثلاثة عقود، وتوحدت ألمانيا وباتت ثالث اقتصاد في العالم بعد أميركا واليابان وعندما لم تكن الصين قد دخلت المنافسة بعد.
الحرب الروسية – الأوكرانية تعود بالعالم إلى الوراء 80 عاماً. وتذكر بأنه بعد سقوط الجدار، ثمة شيء بقي منقوصاً، ألا وهو بناء هيكل أمني – سياسي يحمي أوروبا من الحروب. لكن ما حدث كان العكس. سقوط الجدار انتهزته الولايات المتحدة كي تتمدد بحلف شمال الأطلسي شرقاً نحو الحدود الروسية.
قدمت أميركا الحلف العسكري على أنه ضمانة الأمن في أوروبا والعالم، وإذا بهذه الضمانة تكون سبباً في تفجر أخطر حرب على الأراضي الأوروبية منذ 80 عاماً.
كل ما أراده بوتين ضمانات بحياد أوكرانيا. لكنه لم يفز بذلك، فنشبت الحرب التي تعيد الدول الأوروبية كلها، إلى حقب اعتقدت أنها باتت من التاريخ.
من هنا يمكن فهم التردد الألماني حيال المطالبات المتزايدة من أوكرانيا والولايات المتحدة وبريطانيا كي تدفع بدباباتها إلى سهوب أوكرانيا بدلاً من قوافل التجارة.