البحث عن فلسطين خارج حي الشيخ جراح طارق اسماعيل – كاتب لبناني موقع درج

img
راي 0 editor Hossein

ولأن الوجدان العربي عموماً يسهل استلابه متى حضرت فلسطين، يصير مفهوماً أثر صواريخ “سكود” العراقية التي لم تعرف طريق فلسطين، إلا في اللحظة التي شعر فيها صدام حسين بالخطر على نظامه، إبان تحرير الكويت من الغزو العراقي…

لم يكن ينقص الفلسطينيين ونكبتهم المستمرة، والتي يرفع حي الشيخ جراح رايتها راهناً، إلا تعاطف جبران باسيل (رئيس التيار الوطني الحر) وسمير جعجع (رئيس حزب القوات اللبنانية)، وها هما قد فعلاها، لكن وقع هذا التعاطف من وجدانين لم تسكنهما القضية الفلسطينية من قبل، يمكِّن المرء من أن يراكم على الجرح الفلسطيني صرختين جديدتين فوق الصرخات التي استثمرت في فلسطين منذ نكبتها الكبرى عام 1948.

ومع مباشرة الصرختين، يحضرغالباً سوء الظن وهو يجر وراءه السياسة التي دفعت الشخصيتين المسيحيَتين، ومن موقعين مختلفين، إلى إطلاق الموقفين المتأخرين تعاطفاً مع فلسطين وشعبها، وفيما الجزم  بأن الأول فعلها مستثمراً في ضالة محور هو وسيلته لطموحه الرئاسي، يبدو الثاني على الأرجح كمن “يتشاطر” بمواجهة خطاب ممانع لا يزال يستحضر ماضياً مسيحياً مسكوناً بالعداء لكل ما نما على ضفاف القضية الفلسطينية، علماً أن جعجع خرج  منه، لكنه لم يخرج من خطاب الممانعين.

وعلى متن القضية ذاتها، بحثت أنظمة الاستبداد العربي عن شرعيتها المفقودة من باب فلسطين، وبدت الأخيرة مشاعاً خصباً لتلك الأنظمة التي شظَّتها في القرن الماضي إلى فلسطينات، آل مصير العبث فيها وبقضيتها إلى تناحر فلسطيني- فلسطيني حيناً، أو فلسطيني- عربي أحياناً. ولم يعد ترفاً أن يعثر المرء وهو يُعيد  تلك القضية إلى بداياتها وتعرُّج مساراتها لاحقاً، على فلسطين سورية، وأخرى عراقية أو ليبية وجزائرية ويمنية. وهي فلسطينات دفعت ثمن تشظيها وولاءاتها المتنافرة من حساب ذلك الوطن الذي اختارته الصهيونية أرضاً لميعادها، ووحده لبنان  تبدَّى في شطر من ذلك الماضي فلسطينياً، وهو الشطر الذي شهد مأساته حين تحول  مسرحاً للصراع اللبناني-  الفلسطيني، والذي حاز المسيحيون بغالبيتهم مشقته التي حفرت في وجدانهم كرهاً لفلسطين وقضيتها.

أغلب الظن إذاً أن العسر هو ما نعثر عليه ونحن نقتفي أثراً حميداً للأنظمة العربية في سبيل فلسطين وحرية شعبها، وأغلب الظن أيضاً أن حرية فلسطين شكلت هاجساً لتلك الأنظمة التي أدركت أن قمعها شعوبها لا يستره سوى ممارسة مبتذلة تكثف حضور فلسطين وشعبها المقموع إسرائيلياً في صراخ لغوي عربي لم (ولن) يحررها يوماً.

ولأن الوجدان العربي عموماً يسهل استلابه متى حضرت فلسطين، يصير مفهوماً أثر صواريخ “سكود” العراقية التي لم تعرف طريق فلسطين، إلا في اللحظة التي شعر فيها صدام حسين بالخطر على نظامه، إبان تحرير الكويت من الغزو العراقي، ومثله، بل سابق عليه، نظام البعث في سوريا الذي ورث “الناصرية” في محاكاة الجمهور العربي كما لو أن فلسطين وتحريرها قضيته الأولى، فيما لم يكن ذلك إلا سياقاً عميقاً في تجذير القمع والاستبداد على شعبه، وباسم فلسطين الذي وُسِم به أحد أكثر فروع مخابراته دمويةً. وليس بلا دلالات أيضاً  أن السلام الباهت والمتهافت الذي صنعه ياسر عرفات في أوسلو من خلال إقامة دولة على جزء من أرض فلسطين، جفف لاحقاً مصادر الاستثمار العربي  في القضية الفلسطينية إلى حدودها الدنيا.

عام 1979 شهد انتصار الثورة الإيرانية التي باشرت انتصارها  بإطلالتها على قضية العرب الأولى، وكانت سفارة فلسطين أولى بشائرها، ومن المكان الذي كانت تحتله السفارة الإسرائيلية في عهد الشاه، لكن الدخول الإيراني على فلسطين وقضيتها بعد الأفول العربي الذي صنعه اتفاق أوسلو، تكثف منذ تسعينات القرن الماضي من خلال الحركات الإسلامية التي تأثرت بإيران وثورتها. وفيما كان استثمار الأنظمة العربية الممانعة يجد ضالته بفدائيي الخارج، وغالباً كمحاولات لتدجين الدول التي استضافت الشتات الفلسطيني بشقيه العسكري والمدني، وفق رؤية الممانعة  للصراع مع إسرائيل، كانت إيران ترث العرب، بالبندقية الفلسطينية، وبالدم الفلسطيني، ولكن من  داخل الدولة الفلسطينية الصغيرة التي انتهت إليها ثورة ياسر عرفات.

كان أبو عمار في بداياته ثورياً صادقاً كحال بدايات كل الثوريين في العالم، لكنه انتهى مستثمراً بين مستثمرين كثر في القضية الفلسطينية، ولم تكن هزيمته اللبنانية التي أسست لها إسرائيل، وكتب خواتيمها النظام السوري، إلا المؤسِس الصلب لذهابه إلى أوسلو التي أنتج اتفاقها الشهير الدولة الصغيرة على أرض فلسطين كبديل أخير عن الوطن، الذي كان لأكثر من عقد من تاريخه الأرض التي تحكم عرفات بقرار شعبها، وببندقية “الثورة” التي حكم بها نصف لبنان، ووضع نصفه الآخر تحت تهديدها.

إقرأو

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة