تصدير شحنة من النفط السوري، ميناء طرطوس في 1 سبتمبر 2025 )
عدنان عبد الرزاق
ليس من ضربة موجعة للاقتصاد السوري، كما تحوله من مصدر للنفط إلى مستورد، هذا إن لم نتوقف عند الخسائر الهائلة التي مني بها هذا القطاع، خلال ثورة السوريين والمقدرة بنحو 115 مليار دولار، وتهديم حرب الأسد، أهم قطاعاتهم الاقتصادية وسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على عصب الاقتصاد وأهم الموارد النفطية والغذائية والمائية. فأن تتحول سورية من منتج لأكثر من 380 ألف برميل نفط يومياً، تصدر نصفها خاماً، إلى بلد زاد استيراده عن 200 ألف برميل يومياً، هذا ما بدد الاحتياطي النقدي الأجنبي وأخلّ بالميزان التجاري وعرّى موارد الخزانة العامة، بعد أن شوّه الميزان التجاري.
فسورية وقبل الثورة عام 2011، وصلت مساهمة النفط بنحو 40% من عائدات صادراتها ونحو 24% من الناتج الإجمالي وأكثر من 25% من موارد الموازنة العامة، في حين أنها، ومنذ سنوات، تستورد احتياجاتها النفطية بعقود دين أو مقايضة النفط بغذاء السوريين… أو ترهن، كرمى استيراد المحروقات، مقدرات السوريين وثرواتهم، لتؤمن الحد الأدنى من الاحتياج المحلي للنقل وتوليد الكهرباء ويعيش السوريون في عوز وحرمان، بعد أن التصقت بهم صفة “شعب الطوابير”.
قصارى القول: عادت سورية أخيراً، وبعد توقف لنحو 14 عاماً، إلى خريطة مصدري النفط عبر تصدير 600 ألف برميل نفط خام ثقيل، انطلقت من ميناء طرطوس غربي سورية على متن ناقلة بونانية “نيسوس كريستيانا” تاركة أسئلة ثلاثة. الأول هو شركة بي سيرف إنرجي المجهولة التي اشترت أول شحنة صادرات رسمية معلنة، إذ لم يعرف عن الشركة من ذي قبل أي نشاط تجاري، سوى ارتباطها الحديث والمفاجئ بشركة بي بي إنرجي النفطية (BB Energy) المعروفة بنشاطها الدولي والقديم، منذ ستينيات القرن الماضي، بهذا القطاع وعبر مكاتب ومراكز تجارية موزعة على دبي ولندن وسنغافورة وهيوستن بولاية تكساس الأميركية.
والسؤال الثاني هو وجهة شحنة صادرات سورية النفطية، إذ لم تشر جميع الأخبار أو تصريحات المسؤولين السوريين إلى البلد المستورد، ما زاد التكهنات وصعّد من التخمينات، والتي ذهب بعضها إلى أن الشركة المحدثة تأسست خصيصاً لاستيراد النفط السوري، ويكون مكتب “بي بي إنرجي” في دبي DMCC (Gulf) هو من اشترى الشحنة، لطالما هو الوحيد في المنطقة ويدير أعمال الشركة الأم بالمنطقة. وهنا، قد لا يكون التخمين سلبياً أو تشكيكاً، وربما العكس، فتأسيس شركة جديدة أو وليدة عن شركة بي بي إنرجي، من شأنه التعهّد باستيراد النفط السوري، الواعد مستقبلاً، من دون مخاطر ائتمانية أو قانونية أو متطلبات التأمين والشحن. أو ربما تأسست لهذه الغاية فقط، ولم نسمع عنها، بعد شراء الشحنة السورية. ولكن، يبقى السؤال قائماً وربما محيّراً، عن هذا التكتم وعدم الإفصاح، سواء حول الشركة المحدثة أو جهة صادرات النفط السوري أو حتى سعر التصدير.
النفط السوري/ جندي أميركي، الحسكة في 14 يونيو 2023 (فرانس برس)
طاقة
بدء توريد النفط السوري من مناطق سيطرة “قسد” إلى الحكومة في دمشق
وتبقى الإجابة عن السؤال الثالث هي الأهم، فمن أين جاءت سورية بـ600 ألف برميل نفط خام لتصدرها، وهي، أي الدولة، لا تسيطر سوى على مناطق سقف إنتاجها اليومي 20 ألف برميل. وجلّ مناطق الإنتاج المقدر بنحو 80 ألف برميل، شمال شرقي سورية، لم تزل تسيطر عليها “قسد”. ويتولد عن هذا الجانب سرب من الأسئلة، سواء ما يتعلق بتصدير النفط السوري الخام بوقت، تتحايل فيه الدولة لتستورد وتؤمن احتياجات الداخل المقدرة بنحو 200 ألف برميل يومياً. أو لماذا لم تكرر سورية النفط الخام في مصفاتي حمص وبانياس اللتين عادتا إلى العمل، فتختصر عناء التصدير وتكاليفه وتعيد الأمل والعمل إلى المصفاة والعاملين فيها.
نهاية القول: بالتوازي مع تصدير شحنة النفط السوري، أو قبلها بأيام، دخلت سورية طوراً جديداً بالعلاقات التجارية والمالية الدولية، جراء قرار وزارة الخزانة الأميركية في 25 أغسطس/ آب الماضي، برفع العقوبات رسمياً عن سورية ودخول القرار “الأمر التنفيذي” الذي وقّعه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حيز التنفيذ. ما يعني، فيما يعني، الخروج، رسمياً وقانونياً، من الحصار والعقوبات والعزلة الدولية، وحق سورية في أي نشاط تجاري ومالي، ومنها صادرات النفط، بالإعلان والتحصيل للمساهمة بتحسين واقع السوريين البائس وتمويل عملية إعادة الإعمار.
إذاً، الإفصاح ومكاشفة السوريين بواقع ثرواتهم وعائدات تصديرها، أولوية قصوى لبناء الثقة قبل بناء البلد وإعماره، والاقتصار على أخبار المسؤولين، المنقوصة والغائمة، يحيل السوريين على زمن بائد، وقت كان النفط، إنتاجاً وتصديراً، من أسرار دولة الأسدين وممنوع على الشعب معرفة مصادر دخل وطنه وموطن إنفاقها. فإن لفّت السرية والأسئلة المعلقة أول شحنة تصدير نفط، بعد تحرير سورية، فما هو المتوقع حول قطاع يوصف بأنه كلمة سر الاقتصاد السوري وقوّته؟ إذ تقدر احتياطيات النفط المؤكدة في آخر إحصائية لمجلة الطاقة الأميركية المتخصصة، لعام 2015 بنحو 2.5 مليار برميل، وكمية الاحتياطيات المؤكدة للغاز بنحو 8.5 تريليونات متر مكعب. وهذا عدا الذي يقال عن احتياطيات، نفطية وغازية بالبحر المتوسط أو بمناطق ريف دمشق، والتي سمع عنها السوريون من مصادر خارجية، بزمن التكتم الأسدي وإدراج النفط ضمن حقوق الرئيس الحصرية وأسرار الدولة.
ملف الطاقة في سورية مفتوح ومرشّح إلى احتمالات كثيرة، إن بدأت من استعادة مناطق الإنتاج من “قوات سوريا الديمقراطية” نهاية العام الجاري وفق اتفاق مارس/آذار الماضي، وعودة سورية، بعد تأهيل الآبار، إلى إنتاج أكثر من حاجتها كما في تسعينيات القرن الماضي وعودة التصدير. لا ينتهي الملف عند عقود التنقيب والاستخراج للشركات الأجنبية، على البر والبحر، أو حتى استثمار الجغرافيا السورية لنقل الطاقة وامتلاكها ورقة تزيد من قوتها السياسية قبل الاقتصادية، ما يعني أنه من حق السوريين أن يعرفوا، على الأقل، وألا يعيشوا حيرة التخمين ومخاوف الحديث وفضول البحث عن شركة محدثة استوردت أولى شحنات تصديرهم، وإلا فإن التاريخ سيعيد نفسه، ويكتفي بالإجابة عن جميع الأسئلة بالقول: ميزاننا التجاري النفطي خاسر لأننا نستورد مشتقات بما يزيد عن تصديرنا خاماً، والنفط قضية سيادية وسر من أسرار الدولة.