حسن خضر كاتب فلسطيني
حسن خضر
يرغمنا الحدث القطري على تكريس معالجة، أو أكثر، للتفكير في دلالاته وتداعياته. لذا، نتوقف، مؤقتاً، عن تحليل «الرواية» الإسرائيلية. نعني بالحدث القطري الغارة الإسرائيلية على الدوحة، في مثل هذا اليوم، قبل أسبوع مضى. وإذا شئنا وصفه واختزاله في عبارة واحدة فهو Game changer كما يُقال بالإنكليزية، بمعنى أنه غيّر قواعد «لعبة» كانت حتى لحظة وقوعه معروفة ومألوفة، وعلى هديها تصرّف «اللاعبون».
ما طرأ من تغيير على قواعد اللعبة هائل، لا يقتصر على قطر، ويمس موازين القوى في الشرق الأوسط أيضاً. وفي هذا ما يستدعي التفكير والتدبير. فقبل ثانية واحدة من الغارة الإسرائيلية على الدوحة، كانت القناعة السائدة في الحواضر العربية، والشرق الأوسط، أن إبراهيميات الخليج، على نحو خاص، تحظى بحصانة حقيقية نتيجة تحالفها مع الولايات المتحدة، وعلاقاتها الودية (والحميمة في حالات بعينها) مع إسرائيل، سواء فوق الطاولة، كما في سلام إبراهيم، أو تحتها.
وقد تبدد هذا كله بعد وقوع الغارة بثانية واحدة، وثبت أن التحالف مع الأميركيين، والعلاقات الودية مع الإسرائيليين، لا تمنح حصانة لأحد. ومن سوء حظ الإبراهيميين، فعلاً، أنهم استثمروا الكثير من الجهود الدعائية والمال لتكريس صورة إيران كمصدر تهديد دائم لأمن وسيادة بلدانهم، وأنفقوا أكثر منها في تكريس صورة الولايات المتحدة، وإسرائيل، كدرعين واقيين، وحارسين لأمن وسيادة بلدانهم، بل وشطح بعض هؤلاء إلى حد الكلام عن «القيم» المشتركة، في مجابهة التطرف والكراهية، وتعميم ثقافة «السلام».
والأسوأ من هذا كله، والأكثر سميّة، أن تقع الغارة على مكان لا يبعد كثيراً عن مقر القيادة العسكرية الأميركية للشرق الأوسط في الدوحة، في عهد دونالد ترامب. الرئيس الوحيد، في تاريخ الشرق الأوسط (والعالم على الأرجح) الذي لا يتكلم سوى لغة المال، ولا يتعفف عن قبول الرشوة، ويخلط بين المصلحة الشخصية ومصلحة بلاده. ولنذكر، هنا، أن المعلّق الأميركي سيث أبرامسون كرّس كتاباً بعنوان «دليل المؤامرة» (2019) لإثبات كيف دعم بعض العرب والإبراهيميين، بالاشتراك مع الإسرائيليين، حملة ترامب الرئاسية الأولى.
ومع ذلك، لا يحتاج الباحث عن علاقة عجيبة، بكل مقاييس العلاقات الدولية، لأكثر من مشاهد، وشواهد، وعقود وعهود، تخللت زيارة ترامب إلى السعودية والإمارات وقطر قبل الغارة بأربعة أشهر فقط. ومع هذا كله في البال، وبقدر ما يتعلّق الأمر بحلفاء ترامب في الحواضر العربية والخليج، تكتسب الصدمة أبعاداً مروّعة، فعلاً، في حال استدعاء أسئلة من نوع:
هل علم ترامب بالغارة على الدوحة، ولماذا لم يوقفها، وإذا علم بها ولم يوقفها فلماذا وافق عليها؟ والمفارقة، هنا، أن لكل إجابة محتملة، سواء جاءت بالسلب أم الإيجاب، تداعيات بالغة السوء. فعدم العلم بالغارة يعني أنه حليف لا يُعوّل عليه، بصرف النظر عمّا يسم سلوكه من تهريج، بينما يعني علمه بها أنه غير مؤتمن على التحالف، وغير جدير بالثقة.
على أي حال، أعتقد أن ترامب نفسه سبق وقدّم تفسيراً لعلاقته بالإسرائيليين بالقول إنهم أدرى بمصالحهم، ولهم حق التصرّف بما يرونه مناسباً. وفي سياق كهذا، وبقدر ما أرى، أعتقد أن حروب إسرائيل كقوّة إقليمية صاعدة تتم بشراكة كاملة مع الأميركيين، ناهيك عن حقيقة أن إغضاب الإسرائيليين أكثر كلفة في نظر ترامب، ومجلبة للأذى، من اغضاب عرب وإبراهيميين، يمكن استرضاؤهم في كل حين، ولا خيارات حقيقية لديهم سوى الإذعان والقبول.
خلاصة هذا الكلام أن الغارة لا تغيّر حسابات ورهانات سبقتها وحسب، بل وتفتح أفقاً غامضاً، ينطوي على مخاطر لم تكن في الحسبان، ولن تنجلي ملامحها قبل مرور وقت طويل، أيضاً. لن تكون هذه الدلالة، بالتحديد، مفهومة إلا في السياق العام لعودة أميركا الترامبية إلى سياسات التوسع الكولونيالية الغربية في القرن التاسع عشر. وفي سياق كهذا يندرج الكلام عن ضم كندا، والاستيلاء على قناة بنما، وغرينلاند، وغزة، التي تتقدّم محاولة الاستيلاء عليها بخطى وئيدة، وبأثمان إنسانية غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، يدفعها الفلسطينيون.
تكلمتُ في معالجات سبقت، بعد سقوط نظام آل الأسد، عن تأمين بلاد الشام بوصفها الميدان الرئيس للقوّة الإسرائيلية الصاعدة، وما يستدعي أمر تأمينها، في نظر الإسرائيليين، من ضرورات تأمين الحدين المصري والعراقي. التأمين يعني الإخضاع وترتيبات أمنية تتفاوت من مكان إلى آخر. ويبدو أن الحدث القطري يستدعي إضافة الحد الخليجي، أيضاً، لتأمين بلاد الشام من ناحية، وإحكام الطوق على إيران من ناحية ثانية. لم يفهم عرب الحواضر، والإبراهيميون، معنى الحروب في بلاد الشام وعليها، ولا معنى غزة الشاهدة والشهيدة.
لا نعرف كيف، وإن كنّا نشهد بعض فصولها، كيف ستتم عملية التأمين، ومداها الزمني، وما يعترض سبيلها (أعتقد أن مصيرها الفشل) كل ما في الأمر: أن لا شيء، منطقياً، يمكن أن يمنع ترامب، أو أحد ورثته، بالتعاون مع الإسرائيليين، ولاعبين محليين، من الإعلان عن الاستيلاء على هذه الإبراهيمية أو تلك لصالح الولايات المتحدة، أو ضمها إلى دولة مجاورة.
وكل ما في الأمر: أن لا شيء، منطقياً، يمكن أن يحد من هذا الجنون دون تدخل الصينيين والهنود والروس والأتراك والإيرانيين. ثمة ما ينفتح على أكثر من أم للمعارك في حروب العشرية الثالثة، وقمة الدوحة في واد آخر، بطبيعة الحال. فاصل ونواصل…
المصدر: جربدة الايام