ليس أمراً عادياً أن تقول الروائية التشيلية إيزابيل ألليندي، التي تُرجمت أعمالها إلى أكثر من 40 لغة، إنّها لا تعرف كيف استقبلَ القرّاء العرب كُتبها، ولا ما إذا كانت روايتها الأشهر “بيت الأرواح” قد لاقت صدى حقيقياً لديهم. لا يمكن أن يمرّ هذا التصريح الذي ورد في حوارها مع “العربي الجديد” مرور الكرام، لأنّه، أولاً، يفتح فجوةً واسعةً في جدار صناعة الترجمة العربية، وثانياً، يطرح أسئلة قديمة متجدّدة حول العلاقة بين الكاتب العالمي والقارئ العربي، ودور الناشر، والمترجم، والمؤسّسات الثقافية في سدّ هذه الفجوة.
في الظاهر، تبدو المسألة تقنيةً: كتبٌ تُترجم وتُنشر وتُباع. لكن في العمق، نحن أمام خلل بنيوي في منظومة كاملة. كيف يمكن لكاتبة بهذا الحضور العالمي أن تظلّ “منفصلة” عن قرّائها في لغة تُقرأ بها أعمالها منذ عقود؟ وكيف يمكن أن تصل روايات إلى رفوف المكتبات العربية من دون أن تعود بأيّ صدى إلى صاحبها؟
يكمن جزء من الإجابة في طبيعة الترجمة نفسها في العالم العربي. فهي، في حالاتٍ كثيرة، لا تُبنى على استراتيجية ثقافية واضحة، إنّما على مبادرات متفرّقة، أو رهانات تجارية محدودة، أو حتى اجتهادات فردية. والنتيجة أنّ العلاقة بين النصّ المُترجَم وسياقه الأصلي تنقطع عند لحظة النشر. ليس ثمّة نظام مستقرّ يعيد ربط المؤلف بجمهوره الجديد، سواء عبر فعّاليات أو تواصل مباشر أو حتى تقارير تغذية راجعة من الناشرين.
يضع تصريح ألليندي المترجم أيضاً في قلب النقاش. فالمترجم، نظرياً، ليس مجرّد ناقل لغوي. فهو قبل أيّ شيء وسيط ثقافي. ومع ذلك، تشير الكاتبة إلى أنّ علاقتها بمترجميها العرب “محدودةٌ جدّاً”. وليست هذه المحدودية تفصيلاً، وهي مؤشّر على غياب تقليد مهني راسخ يُعلي من دور المترجم شريكاً في صناعة المعنى، لا مجرّد منفّذ لعملية نقل نصّي. ثمّ يأتي دور النشر، التي تبدو في هذه المعادلة الأكثر إشكالية. فبينما تتحدّث ألليندي عن ضرورة أن يُبقيها ناشروها على اطلاع أفضل بما يجري في العالم العربي، تكشف عبارتها خللاً في أبسط قواعد النشر الاحترافي: التواصل. في أسواق النشر المتقدّمة، يُنظر إلى الكاتب بوصفه جزءاً من دورة حياة الكتاب حتى بعد صدوره، عبر الجولات، والحوارات، وبيانات المبيعات، وردّات الفعل. أمّا في كثير من السياقات العربية، فينتهي دور الكاتب عملياً عند توقيع عقد الترجمة، هذا إن وُقّع في كثير من الحالات.
لا تقف المشكلة عند حدود الصناعة، بل تمتدّ إلى سؤال أعمق: ماذا نترجم، ولماذا؟ اختيار ترجمة روايات ألليندي إلى العربية يبدو بديهياً، بالنظر إلى مكانتها العالمية وموضوعاتها الإنسانية، ومن باب الاطلاع على عوالم سردية جديدة، خصوصاً في أميركا اللاتينية. غير أنّ غياب التفاعل مع هذه الأعمال يطرح احتمالاً مقلقاً: هل نترجم أحياناً لأجل الترجمة نفسها، من دون التفكير في القارئ، أو في كيفية إدماج هذه النصوص في النقاش الثقافي المحلّي؟
المفارقة أنّ ألليندي، في الحوار نفسه، تتحدّث عن اهتمامها بالأصوات المُكمّمة والمهمّشين، وعن رغبتها في منحهم مساحة في السرد. وهذا بالضبط ما يجعل غياب صداها في العالم العربي أكثر إرباكاً. فالقارئ العربي، الذي يعيش في سياقات سياسية واجتماعية معقّدة، “مكمّمَ الفم” و”مُهمّشاً” و”منهزماً”، يُفترض أن يجد في كتابتها تقاطعات عميقة مع تجربته. لكنّ هذا اللقاء لا يكتمل دائماً، أو لا يُوثّق، أو لا يصل إلى الكاتبة نفسها.
هنا تحديداً، يتحوّل تصريحها من ملاحظة شخصية إلى مدخل لنقد أوسع. نحن لا نفتقر إلى الترجمة من حيث الكمّ. فالكتب تُنقل، لكنّ الحوار الثقافي لا يُستكمل. هناك فجوة بين الإنتاج والتلقي، بين النشر والتفاعل، بين الكاتب والقارئ. قد يكون من السهل إلقاء اللوم على الناشرين أو المترجمين، لكنّ الواقع أكثر تعقيداً. فالمسألة ترتبط أيضاً بضعف البنية الثقافية والمؤسّسات الثقافية التي تحتضن الكتاب المترجم: غياب المنصّات النقدية المتخصّصة، ومحدودية التغطية الإعلامية الجادّة للأدب المترجم، وندرة الفعاليات التي تجمع بين الكتّاب العالميين والجمهور العربي.
يذكّرنا تصريح ألليندي، بكلّ بساطته، بأنّ الترجمة ليست مجرّد جسر من لغة إلى أخرى، وأنّ الكتاب، حين يُترجم، لا ينبغي أن يفقد صوته في الطريق. قد لا تحتاج ألليندي إلى معرفة كيف استقبلها القراء العرب لتواصل الكتابة. لكنّها، من حيث لا تدري، تضعنا أمام سؤال: ماذا نفعل بهذا الأدب كلّه الذي نترجمه وكيف؟