رياض العلي… شيء عن السياب العراقي المدن – ثقافة|

img

رياض العلي… شيء عن السياب العراقي

المدن – ثقافة|

من حماقات القدر العراقي، أن يؤتى بنعش السياب قادماً من الكويت في يوم ماطر، ويمر في طرق ابي الخصيب الطينية، دون أن يدخل إلى بيته، لأن صاحب البيت أخرج العائلة ومقتنياتها من البيت بعد أن تلكأت في دفع الايجار… ويقال إن ملكية البيت تعود لمصلحة الموانئ العراقية.

ومن حماقات القدر العراقي، أن يفرح إعلامي -سياسي لاحقاً -بموت السياب مبكراً، كي لا يكرر ما فعله شاعر خصيبي آخر…

ومن حماقات القدر العراقي، أن يقف حزب سياسي عريق ضد السياب، لأنه تحدّث في نثر سيئ عنه…

ومن حماقات القدر العراقي، أن تُهدى مقتنيات السياب إلى مكتبة الكونغرس الاميركية(1).

لا أعتقد أنه يوجد عراقي لا يعرف ثلاثة (السياب، مظفر النواب وعريان السيد خلف) لعدة أسباب…

لأن السياب يشترك مع مظفر في أنهما جددا في الشعر، فالنواب استطاع ان يخلّص الشعر العراقي المكتوب باللغة المحكية والمسمى بـ”الشعبي”، من القولبة الشكلية والموضوعية القديمة، متجاوزاً حداثية عبود الكرخي، ومقدماً الصورة الشعرية بشكلها التواصلي. ونفس الشيء فعل السياب حينما استفاد من معرفته الجيدة باللغة الانكليزية، واطلاعه المهم على الشعر الانكليزي والشعر العالمي المترجم الى الانكليزية(2)، مستعيناً بمعرفة جبرا ابراهيم جبرا بهذا الشعر، وكذلك هضمه لكتاب “الغصن الذهبي” وأساطير الرافدين والشرق، ليقدّم للشعر العراقي بداية جديدة، أبهرت الوسط الثقافي العربي بهذا التجديد، ولأن السياب مثل عريان – أو العكس كي يستقيم السياق التاريخي- استخدم عراقيته الواضحة، سواء في المفردات أو في البيئة الشعرية.

لكن، السياب لم يتخلص من الموروث الشعري العربي، ولا أقصد هنا بداياته الشعرية التقليدية، فعلى سبيل المثال نأخذ قصيدته الأشهر “أنشودة المطر”، التي بدأها بمقدمة غزلية لا علاقة لها بموضوع القصيدة المهم جداً، وهذه المقدمة الغزلية تذكرنا بتلك القصائد التقليدية العربية، التي تبدآ بمقدمة هادئة تبعث الاطمئنان والراحة والقبول لدى المتلقي، قبل أن يفاجئ الشاعر هذا المتلقي -سواء كان انساناً عادياً او حاكماً- بموضوع القصيدة، مثلما حدث مع “القصيدة الرصافية” لعلي بن الجهم، التي تعدّ مقدمتها من أروع أبيات الغزل في تاريخ الشعر العربي -اذا استثنينا البهاء زهير- لكن، موضوع قصيدة ابن الجهم، من أسوأ مواضيع الشعر العربي – اذا استثنينا مديح المتنبي الرخيص- فهذا الجهمي، كان شاعر الكراهية بحق.

لكن – وما سيرد هو نابع من ذائقتي كقارئ، ولا علاقة له بالرأي النقدي – أهم نصوص السياب، التي تعدّ تحديثاً غير مسبوق في الشعر العربي، هي القصائد التي كتبها في بيروت ولندن في أواخر حياته، فهي القصائد التي تتحدّث عن داخل الشاعر، ولا علاقة لها بالدوافع الخارجية…

فالشعر الحقيقي هو الذي ينبع من تجربة الشاعر الداخلية، وليس من اندفاعات خارجية واملاءات مدفوعة الثمن أو وفق ايديولوجية مقيتة… الشعر صادق بينما الشعر التقليدي “أعذبه أكذبه”.

والشعر التفعيلي على الرغم من الثورة الشعرية الباذخة التي قدمها، إلا أنه في أحيان كثيرة مربوط بوتد في خيمة الشعر التقليدي، في غرضيته المزعجة، من مديح او هجاء او غزل. وهذا مقبول اذا فهمنا أن القفزة إلى الحداثة تحتاج الى مراحل.

فقصيدة “احتراق” التي كتبها السياب في بيروت في 1961/4/26، وقصيدة “الوصية” التي كتبها في بيروت أيضاً في 1962/4/19، والقصيدة الأهم في تاريخ السياب الشعري “سفر ايوب”، التي ألفها في لندن على مراحل، تعدّ التحديث الابرز في الشعرية العربية… وعلى الرغم من أن الأسطورة، لم تتخلص من شعر السياب في “سفر ايوب”ـ إلا ان هذه الاسطورة، وعلى عكس الاستخدامات السابقة، جاءت بما يتلاءم والوضع الشخصي، الذي عاشه السياب اثناء كتابتها.

ولكن، هذه القصائد، لم تنل الشهرة التي نالتها قصائد السياب الاولى مثل المطولات الثلاث.
ولا ننسى قصيدة “في المغرب العربي”، التي تعدّ درة من درر الشعر الحديث، على الرغم من لحظيتها وتاريخيتها، فاللحظية والتاريخية، تقتل الشعر كما تقتله الغرضية المقيتة، ولا أعرف لماذا تذكرني هذه القصيدة بقصيدة المتنبي “واحَرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِمُ..”، ربما لأن السياب جمع بين الشخصانية الشعرية الداخلية، وبين الغرضية التي تحمل راية ثورية… قصيدة “في المغرب العربي” نشرت في مجلة “الآداب” البيروتية لاول مرة في آذار سنة 1956 وقد أهداها (إلى المجاهد العربي الكبير مصالي الحاج)، والاهداء لم يظهر في القصيدة حينما نشرها في ديوانه “أنشودة المطر” الصادر عن دار مجلة “شعر” ببيروت سنة 1960… فهل لتوجه مجلة “شعر” أسباب في حذف هذا الاهداء؟ ويذكر أن هذا الديوان يعدّ البداية الحقيقية للشعر الحر في الثقافة الشعرية العربية، وكل ما كتب بعده – من كل الشعراء- يعد إضافة إليه وسير في خطاه حتى في فضاء قصيدة النثر.

ماذا نفعل للذائقة المدرسية، التي قدمت للجيل السياب في صورة “انشودة المطر”؟ وماذا نفعل للمغنين العرب الذين تجاهلوا الشعر السيابي، إلا في اربع محاولات فقيرة فنياً – اذا استثنينا اللحن الباذخ الذي قدمه محمد عبده لقصيدة “انشودة المطر”- ومن المعروف، أن الأغنية هي وسيلة انتشار رائعة للشعر، فلولا غناء كاظم الساهر لنزار قباني لما عرف جيل التسعينات هذا الشاعر الذي بدأت شهرته في الأربعينات، لكن لم يقدم شيئا يلفت الانتباه منذ منتصف الثمانينات، بل إن الأغلب الأعم من قصائده، غزل فاحش ورخيص يحطّ من قدر المرأة التي يدعي أنه يغازلها…

تبدو عراقية السياب الشعرية أو محليته واضحة في الكثير من قصائده، وهذا ما يميزه، فمنْ منَ الشعراء استطاع ان يحوّل نهيراً صغيراً (بويب) الى نهر عالمي؟… ومن استطاع منهم ان يحوّل قرية صغيرة (جيكور)، لا يعرفها حتى أهل البصرة، إلى مكان شعري يعرفه كل العالم، واسم يطلق على المنتديات الثقافية؟

السياب صنع من المكان(شيئاً) شعرياً، وهو ما لم ينتبه اليه إلشعراء، قبله ولا بعده، والمكان الشعري في نصوص السياب، لا يأتي عرضياً بل هو نفسه موضوع النص.

ينقل عارف الساعدي عن الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين اثناء زيارته إلى المربد سنة 1971 قوله “ذهبتُ إلى البصرة وفي رأسي شيئان فقط: أنْ أرى نهر بويب العظيم، وشبَّاك وفيقة. وبعد أنْ وصلنا البصرة، ذهبنا بعد أيام لقضاء أبي الخصيب، ومن ثم لجيكور، لرؤية النهر العظيم بويب، وحين وصلنا رأيت شبَّاك وفيقة عبارة عن ثقبٍ في جدار، أمَّا نهر بويب العظيم، فوجدتُه خيطاً ناشفاً من الماء بين النخيل؛ عندها أدركت أنَّ الأنهار يبتكرها الشعراء، وأنَّ المدن يصنعها الخيال”.

السياب شاعر محلي بامتياز، وحتى استخدامه للاساطير، كان في إطار عراقيته، وهو في هذا الصدد، تفوق على لوركا في تمثله للأغاني الشعبية المحلية.

فالمحلية هي الطريق الحقيقي للوصول إلى القارئ المحلي بالدرجة الاولى، وهو ما يطمح إليه اي شاعر، عكس البياتي الذي غازل كل مدن العالم بفجاجة وقلّة ذوق شعري، كي يكسب تعاطف البعض ممن ساعده على الشهرة التي لا يستحقها.

وتظهر محلية السياب كذلك في استخدامه لرموز الطبيعة في معظم نصوصه، كما اشرنا بسبب نشأته في بيئة مليئة بالكثير الملهم، ويمكن فهم هذه التأثير في مقدمة قصيدة “أنشودة المطر”، التي أشرنا إليها انفاً، بعيداً عن أي تأثير خارجي، فتلك الصورة الشعرية المرسومة بدقة، لا يفهمها إلا من شاهدها وهو يقف على ضفاف شط العرب.

ويبقى معطف السياب التفعيلي رداءً يرتديه أي شاعر، حتى هذا الشاعر الذي يكتب الشعر الحر، فإنه يبدأ يومه الشعري بقراءة السياب حتى لو خفية، كي لا يقال عنه أنه يبحث عن أب شعري.

ويكفي أن نعرف أن كل شعراء العراق الذين ظهروا بعده- وبعض شعراء العرب- قلدوه في طريقة القائه للقصيدة إلى حد الآن.
(1) يقول نجل السياب “بسبب الحرب العراقية – الإيرانية اضطر أهلي للهرب من مدينة البصرة إلى الموصل، وتركت الدار في عهدة من يفترض أن يحرسها، فسرقها وباع المقتنيات في السوق، في الفترة التي كان مؤتمنا بها على الدار، حيث سطا على مكتبة الوالد، وعلى هدية وهي لعبة من الوالد، كنت اعتز بها لدرجة أني لم ألعب بها حين كنت صغيراً خوفا عليها أن تتلف، لكن للأسف حتى هذه اللعبة سرقها هذا الحارس وباعها”. وأضاف، خلال إحدى زياراتي للبصرة، جمعت ما تبقى من مخطوطات والدي ونقلتها معي إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث أقيم، وأنوى تسليمها إلى مكتبة الكونغرس الأميركي للحفاظ عليها بعدما رأيت إهمال الجهات الحكومية في الحفاظ على منزل السياب وحفظ تراثه.

(2) قام السياب بترجمة عدد من القصائد العالمية واصدرها في كتاب سنة 1955.

(*) مدونة نشرها الكاتب العراقي رياض العلي في صفحته الفايسبوكية

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة