في ربيع عام 1929 أطلق إدوارد بيرنيز واحدة من أكثر الحملات الدعائية تأثيرًا في القرن العشرين. اتصل بمجموعة من النساء، وأقنعهن بالخروج في موكب عيد الفصح بشوارع نيويورك، ليشعلن السجائر أمام عدسات الكاميرات تحت شعار “مشاعل الحرية”. في تلك اللحظة، تحوّلت السيجارة إلى رمز نسوي، والنيكوتين إلى بيان سياسي واجتماعي يدعو إلى التحرر والمساواة.
كان بيرنيز يدرك حقيقة بسيطة: الناس لا يشترون منتجات، بل يشترون صورة محسّنة عن أنفسهم. وقد كان صريحًا بما يكفي ليكتب ذلك في كتابه “الدعاية”. من عمّه سيغموند فرويد تعلّم أن السوق الحقيقية تكمن في اللاوعي، وأن من يملك مفاتيح الدوافع المدفونة يملك القرارات الظاهرة. أخذ بيرنيز هذه الفكرة وحوّلها إلى مهنة، ثم إلى صناعة كاملة، جعلت من التلاعب بالرموز والرغبات أداة لتوجيه الجماهير وصياغة خياراتها.
لكن بيرنيز كان يحتاج إلى جيوش من الصحافيين والعلاقات العامة وأعمدة الصحف والمشاهير لينجز مهمته. وكان يحتاج أيضا إلى وقت ومال وحظ. أما اليوم، فالمهمة تؤديها خوارزمية لا تنام ولا تنسى ولا تُصيبها نزلة برد في الشتاء.
تخيّل لو أن بيرنيز امتلك ملفًا نفسيًا كاملًا عن كل امرأة قبل أن يتواصل معها؛ ليس مجرد اسم أو عنوان، بل تفاصيل دقيقة عن نومها، قلقها، وما تتصفحه عند الثالثة صباحًا. تخيّل لو عرف أنها تشعر بالنقص أمام زميلاتها المتعلمات، وأن كلمة “تحرر” ترفع مستويات الدوبامين في دماغها. هل كان سيحتاج إلى الكاميرات في شارع “فيفث أفينيو” أصلًا؟
هذا بالضبط ما تفعله منصات التواصل الاجتماعي اليوم، بفارق واحد جوهري: بيرنيز كان يعرف ماذا يفعل، وكان يخجل بعض الشيء من الاعتراف به علنا. أما الخوارزميات، فهي تفعل ذلك بكل ثقة.
تيك توك يعرف أنك مررت بفيديو عن العزلة مرتين قبل أن تتوقف عند الثالث. فيسبوك يدرك أن إعلانات الرجيم تؤثر فيك أكثر خلال منتصف الشهر لا في بدايته. أما إنستغرام فيرصد أن صورة المطبخ الريفي ترفع معدل ضغطك على الروابط بشكل لافت. كل ذلك يحدث في الخلفية، بصمت خوارزمي كامل، بينما تظن أنك “تتصفح بحرية”، فيما الحقيقة أن خطواتك الرقمية مرسومة مسبقًا.
الفارق بين بيرنيز والخوارزمية يشبه الفرق بين طباخ يجرّب تخمين ذوق ضيوفه، وآخر يملك بيانات دقيقة عن كل واحد منهم قبل أن يقرر ما يضع في طبقه. كلاهما يقدّم ما تظن أنك تريده، لكن الثاني يعرف رغباتك قبل أن تدركها أنت.
الإبداع الحقيقي في هذا النظام أنه لا يُكرهك على شيء. فالإكراه يولّد مقاومة، والمقاومة تُنتج احتجاجات، والاحتجاجات تُفضي إلى قوانين. لكن حين تحبّ ما تراه، وتشاركه برغبة، وتعود إليه بإرادتك، يصبح القفص غير مرئي لا تشعر بوجوده، لأنه مريح ومضيء.
بيرنيز كان يبني قفصًا واحدًا لجمهور واحد. أما اليوم، فلكل مستخدم قفصه الخاص، مصمّما بأبعاد لاوعيه، وألوان مخاوفه، وموسيقى رغباته. قفص لا يُرى لأنه محاط بمرايا تعكس أعماقه.
مشاعل الحرية عام 1929 أضاءت شارعًا في نيويورك. أما اليوم فمشاعل الحرية تضيء شاشة في جيبك، وتحرق ببطء شيئًا لم يُصغ له اسم دقيق بعد.