جبرا إبراهيم جبرا وقع في فخ ترجمة “خرافات” لافونتين عرب القصائد الفرنسية عن الإنجليزية وألحق بها “كالمستجير من الرمضاء بالنار” عبده وازن  اندبندنت عربية

img

الشاعر الفرنسي جان لا فونتين (متحف لا فونتين)

لم أكن أتصور أن الروائي والشاعر جبرا إبراهيم جبرا، صاحب الترجمات المهمة التي جذبت قراء كثراً، ومنها “مآسي” شكسبير، ورواية وليم فوكنر “الصخب والعنف”، وفصل من موسوعة “الغصن الذهبي” وسواها، قد يقبل على ترجمة “حكايات” أو “الحكايات الخرافية” للشاعر الفرنسي جان دو لافونتين (1621- 1695) وعن الإنجليزية وليس عن اللغة الأصل. كنت أبحث عن ترجمات عربية للشاعر لافونتين، في سياق احتفال فرنسا هذه السنة بالذكرى الأربعمئة لولادة الشاعر الذي يعد من ركائز التراث الفرنسي الأدبي، عندما وقعت بالصدفة على المختارات التي انتقاها وترجمها جبرا في كتاب عنوانه “حكايات من لافونتين” صدر في عام 1987 عن دار ثقافة الأطفال التابعة لوزارة الثقافة والإعلام في العراق. استوقفتني فعلاً هذه الترجمة وفاجأتني، وقد أشار جبرا إلى أنه اعتمد ترجمة إنجليزية أنجزها إدوارد مارش صدرت في 1933، مع ملاحظة صغيرة تفيد بأنه عاد إلى أحد الأصول الفرنسية خلال العمل على الترجمة.

اغتراب شعري

لكنّ قارئ لافونتين بالفرنسية، ولا سيما قصائده الشهيرة التي حفظها الطلاب الفرنسيون والفرنكوفونيون (وحفظناها نحن الطلاب اللبنانيين أيضاً في الصفوف الابتدائية)، يجد في ترجمة جبرا حالاً من الاغتراب الشديد عن الأصل. هذا الانطباع يتملك هذا القارئ فوراً، وقد يزداد أكثر فأكثر عندما يكتشف أن الترجمة لم تُبقِ من فن لافونتين سوى عناصر القصة، بينما تبخر سحر الشعر وفن التصوير والوصف والمراس اللغوي القائم على البلاغة الميسرة، التي تفرد بها لافونتين، في عصر بلاغة القرن السابع عشر، قرن الكاتب المسرحي الكبير موليير والشاعر الكلاسيكي راسين. وواضح أن جبرا سعى في ترجمة القصائد، إلى التعريب القشيب، معتمداً الصنعة المتينة والفصاحة، وفي ظنه أنه يجاري هكذا، بلاغة لافونتين.

جميل أن نستعيد الشاعر لافونتين في الذكرى الأربعمئة لولادته من خلال ترجمة جبرا، مع أن آخرين ترجموا أيضاً هذه “الحكايات” وفي طليعتهم الكاتب المصري محمد جلال عثمان، وحملت مختاراته عنواناً كلاسيكياً هو “العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ” وصدرت عام 1885 ولم تلق ترحاباً في النقد والصحافة، بل إن بعضهم استهجن هذه الترجمة والغاية التي تسعى إليها. وما تجدر الإشارة إليه هنا أن “أمير الشعراء” أحمد شوقي كان اقتبس أو استوحى بعض قصائد لافونتين ولكن بحرية تامة، ويقال إنه اطلع عليها من خلال ترجمات عثمان، علماً بأنه أقام في باريس خلال منفاه المرفه واطلع قليلاً على الشعر الفرنسي القديم، وأهمل الجديد كل الإهمال. وتعود إلى الذاكرة هنا قصيدة “الديك والثعلب” التي استقاها من لافونتين وحفظها تلامذة المدارس في مصر وبعض الدول العربية، ويقول مطلعها الطريف جداً: “برز الثعلب يوماً/ في ثياب الواعظينا”… وردت هذه القصيدة في المجموعة التي خص شوقي الأطفال بها وباتت قراءتها نادرة اليوم. لكن شوقي ما لبث أن كف عن اقتباس لافونتين وراح يكتب على سجيته قصائد تحضر فيها الحيوانات. ومن مترجمي مختارات من “حكايات” لافونتين سامي قباوة (دار المؤلف) وجورج أبي صالح في ترجمة منظومة، وزناً وقافية، مع النص الفرنسي (دار أف.أم.أ).

ملحمة فرنسا الخرافية

كتب كثيرون عن لافونتين في لغات شتى وحتى في اللغة العربية، وترجمت خرافاته إلى لغات جمة، فهو يمثل أجمل تجليات الشعر الفرنسي في ميدان الحكايات الخرافية التي تجري بخاصة على ألسنة الحيوانات. ويقال عنه إنه صنع ملحمة فرنسا الخرافية. وقد ذهبت بعض أبياته مضرب مثل أو تعبيراً شائعاً يستخدمه الفرنسيون في حياتهم اليومية. كان لافونتين جريئاً في نقد السلطات الدينية المسيحية في عصره، عصر لويس الرابع عشر، الذي سمي “ملك الشمس”، واعترض على سيطرة الكنيسة وهاجم الكهنة وعظاتهم ورفض فكرة الخطيئة وفرض الاعتراف على مسمع الكاهن في كرسي الاعتراف الشهيرة كاثوليكياً. وانتهز لعبة القناع الحيواني ليهاجم الزعماء والأثرياء ورجال الدين وحتى العلماء، ولم يوفر الفلاحين والعمال اليدويين… عُرف شعره بدقة الملاحظة والوصف البارع والتخييل والترميز الذكي والحكمة واستخلاص العبرة أو الأمثولة التي تمثل غاية القصيدة عطفاً على جماليتها وطرافتها الحكائية. وعمد إلى التلاعب بالأوزان الفرنسية مخضعاً إياها لمزاجه الإيقاعي والحكائي.

واختلف الشعراء والنقاد حوله، فهاجمه روسو آخذاً عليه أن العبرة لا يمكن استخلاصها من غير تجربة، وفي رأيه أيضاً أن هذه القصائد تروج للأحكام الجاهزة و”تشجع منطق المداهنة والنفاق”، فيعدها القارئ لا سيما الصغير، “ذكاء ونباهة”. فيكتور هيغو مدحه قائلاً عنه: “شاعر ملهم، أوحت إليه الآلهة، واستطاع أن يفهم لغة الحيوان ويدخل في حوار مع الطبيعة”. أما الشاعر لامارتين والمفكر فولتير فانتقدا الحكايات الخرافية هذه.

ومعروف أن لافونتين استوحى كثيراً من قصصه من “خرافات” الكاتب الإغريقي إيسوب، التي نالت رضا سقراط وأفلاطون، وأولاها أفلاطون مكانة رفيعة في جمهوريته، متمنياً على الأطفال أن يقرؤوها. ويقال إن سقراط نفسه نظم في السجن بعضاً من “خرافات” إيسوب حباً في ما تحمل من حكمة. وكان إيسوب الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد نسج حكايات حكمية على ألسنة الحيوانات، لقيت رواجاً شعبياً وتناقلتها الجماعات. قرأ لافونتين أيضاً الشعراء القدامى اليونانيين واللاتينيين، من أمثال هوميروس وفيرجيل وتيراسن وأوفيد وسينيك وبلوتارك… واللافت أن لافونتين اطلع على حكايات “كليلة ودمنة” وأعجب بها وقال عنها إنها أصيلة ولا علاقة لها بـ”خرافات” إيسوب، ومملوءة حكمة وأسلوبها مشوق.

“كليلة ودمنة”

ومن الشائع أن كل بقعة من بقاع العالم تملك تراثها الخاص في حقل الحكايات الخرافية والقصص الشعبية التي تدخل فيها الحيوانات بصفتها شخصيات تتكلم وتتصرف وتعظ كالبشر. وقد عرفت الحضارات القديمة هذا النوع من الأدب الحكمي الخرافي. ويملك العرب في هذا القبيل كتاب “ِكليلَة ودِمْنَة” الذي عربه وصاغه الكاتب الكبير عبد الله بن المقفع في العصر العباسي، وأضحى في ديباجته الرفيعة وفنه السهل الممتنع وبلاغته الراقية، ضرباً من النثر العربي الصرف، وبات من أبهى عيون التراث الأدبي عند العرب.

ومعلوم أن “كليلة ودمنة” يرجع إلى أصول هندية، وكتب باللغة السنسكريتية في القرن الرابع ميلادي، ثم ترجم إلى اللغة الفهلوية أو الفارسية في مطلع القرن السادس ميلادي بأمر من كسرى الأول، وعن هذه اللغة عرّبه ابن المقفع. وفي مقدمة الكتاب أن الحكيم الهندي “بيدبا” قد ألّفه لملك الهند “دبشليم”، وفيه أدرج المؤلف الحكايات بل الخرافات الحكمية والقصص على ألسنة الحيوانات والطيور، جاعلاً منها شخصيات رئيسة، ترمز إلى أشخاص بشريين، وتدور حكايات عدة حول مواضيع من أبرزها العلاقة بين الحاكم والمحكوم، علاوة على الحِكم والمواعظ.

وعودة إلى ترجمة جبرا إبراهيم جبرا لمختارات من خرافات لافونتين، لا بد من التوقف عند ما كتبه في المقدمة عن عمله هذا، موضحاً أنه حاول أن يجمع بين سلاسة السرد ووضوح اللغة ودقة الصورة التي “يبدع لافونتين في رسمها”. وأشار إلى أن الأسلوب الذي اعتمده يقارب الشعر الحر، في تقطيع الجمل طبعاً، وليس في استخدام النظام التفعيلي. فهو ترجم الخرافات نثراً لا نظماً، وهذا ما سمح له أن يضيف ويطنب ويفسر ويتصرف بحرية أحياناً في الترجمة، مبرراً الأمر في قوله إن ما من مترجم يمكنه أن يزعم أنه استطاع أن يضاهي الإيجاز والإيقاع في الأصل. لكن ترجمة جبرا لا تبدو سهلة وسلسة تماماً، فهو سبكها في نثر عربي فصيح وعرّب الأسماء وبعض الأدوات والملابس. مثلاً شخص يدعى ((guillot سماه “حسونة”، والعاصفة (la bise) “الشتاء”، والمرأة العجوز ((la vieille جعلها “الشمطاء”، ودودة الأرض الصغيرة ((le vermisseau جعلها “شعيرة”…. والأمثلة كثيرة.

عرّب جبرا إذاً الخرافات وفصّحها مع أنها مبدئياً موجهة إلى التلامذة الصغار، كما تشير طبعة الكتاب، بل لم يتوان عن استخدام عجز بيت شعري شهير في إحدى الجمل: “فمستبدل الديك بأم نزار/ كالمستجير من الرمضاء بالنار”، وأصل البيت هو: “المستجير بعمرو عند كربته/ كالمستجير من الرمضاء بالنار”. ومن جمل جبرا الثقيلة في فصاحتها: “لكن النملة من دأبها/ ألا تسرع في مد أحد بالقروض”، و”الكلب المربرب”، و”ظهره انحنى بوقر من الأحطاب والسنين”، و”يغضن أمواه الغدير”، و”أما أنا فكالطود أرفع رأسي”، و”أهول ما تطلقه أصقاع الشمال/ من رجمها من عصف وزمهرير”، و”ولم تتمهل لحظة وصوّتت نفيرها”، و”وراح يقرض حبال الشبكة/ على رسله”، و”صه أيها الطير الحسود”، و”أنسالم أعداء شيمتهم الغدر”… هذا كما يقول المثل غيض من فيض جبرا في التعريب الفصيح والمصطنع، كأنما شاء الشاعر والروائي والمترجم الكبير أن يجري في خرافات لافونتين تمارين في الإنشاء والرصف والصقل، بعيداً عن طرافة الخرافات وألفتها وجوها الأليف. ولعل السؤال الذي لا جواب له: لماذا ارتكب مبدع في حجم جبرا مثل هذه الهفوة؟

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة