علي حسين.. جريدة المدى
لا بيتَ في هذه البلاد يخلو من حديثٍ ساخنٍ حول صور الأموال التي وُجدت تحت الأرض وفي المجاري وخلف واجهات السيراميك، وفي السيارات التي تتنقل داخل المنطقة الخضراء، وربما لم يصدق المواطن الفقير الذي ينتظر أن تتصدق عليه الحكومة وتضع اسمه ضمن قوائم الرعاية الاجتماعية، أن أشخاصاً ينتمون إلى الطبقة السياسية ويجلسون تحت قبة البرلمان يمكن أن يسرقوا كل هذه الأموال، مثلما لم يصدق المواطن العراقي أن شاباً من عينة نور زهير يمكن أن يستيقظ ضميره فجأةً وقرر أن يعيد بعض الأموال، بعد أن أخبرنا قاضي النزاهة في شهر تشرين الثاني من عام 2022 أن “المحروس” نور زهير رجل ثري وأن المبلغ الذي “لفلفه” مجرد “خردة” أمام ما يملكه، وأتمنى عليك عزيزي القارئ أن لا تسخر مني، فأنا أنقل إليك بعض ما جاء في البيان وبالحرف الواحد: “المتهم نور زهير لديه عقارات واستثمارات تفوق المبلغ الإجمالي للأموال المسروقة، ومن المستبعد هروبه خارج البلد بعد خروجه بكفالة مالية قياساً بحجم استثماراته وعقاراته”، بعدها خرج علينا رئيس الوزراء آنذاك السيد محمد شياع السوداني ليخبرنا أن نور زهير سيعيد كامل المبلغ المسروق خلال مدة أسبوعين. ومضى الأسبوعان وبعدهما شهران ثم سنتان، لنقرأ هذا الخبر: “مجلس القضاء يخاطب الإنتربول لاسترداد المتهم نور زهير”.
قبل أربعة أعوام زعموا أنهم أخرجوا نور زهير لكي يعيد الأموال، وأنه ممنوع من السفر، ثم شاهدنا نور زهير يتجول في إحدى عواصم العالم، لنقرأ اليوم في الأخبار أن المحكمة حكمت على نور زهير بالسجن غيابياً عشر سنوات، لكنهم لم يخبرونا أين الأموال؟ ومن سهل له السرقة والهروب خارج العراق.
أفهم أن تسعى الحكومة إلى استرجاع المبالغ التي سرقت، لكني لا أستطيع أن أفهم ما معنى الصمت على الجهات التي سهلت لنور زهير أن يسرق كل هذه الأموال، كنت مثلكم قد قرأت التقرير الذي نشرته صحيفة الغارديان، حيث أخبرتنا الصحيفة أن السرقة كانت مدبرة من قبل شبكة واسعة من المسؤولين وموظفي الخدمة المدنية ورجال الأعمال، وأن هؤلاء الأفراد يرتبطون بصلات سياسية نافذة.
في بلاد الرافدين بعض الأشياء لا نهاية لها، خصوصاً النهب المنظم، ولذلك كانت حكاية نور زهير واحدة من حكايات ألف سرقة وسرقة، بعض أبطالها يخرجون علينا كل يوم من على شاشات الفضائيات ليطالبوننا بالنزاهة والحفاظ على المال العام، ويذرفون الدموع على الأموال التي نهبت، فيما آخرون ينامون في سجون خمس نجوم ينتظرون أن تعتذر منهم الدولة لأنها أساءت الظن بهم.
ياعزيزي المواطن لا تتستغرب اذا ما قرأت يوما ان عالية نصيف اصدرت كتابا عن تجربتها في السجن وكيف قاوت الاستبداد والظلم وخرجت ترفع راية النصر .