يوسف بزي..كاتب لبناني
يوسف بزي
.غداة الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2022، سيَّر حزب الله وحركة “أمل” جحافلهما من الدراجات النارية الفالتة والسيارات المجنونة في أنحاء العاصمة، ناشرين صخباً وصراخاً وزمجرة وهتافاً واحداً بوجه السكان وعلى مرأى من جميع اللبنانيين: “بيروت صارت شيعية”. وراحوا يرددون هتافهم هذا، استكمالاً لما كانوا يصرخونه على امتداد ثلاث سنوات سابقة بوجه جموع اللبنانيين إبان اعتصاماتهم السلمية وانتفاضتهم المدنية المبتدئة في تشرين الأول 2019: شيعة.. شيعة.. شيعة.
وكان الراحل حسن نصرالله، قد أوكل مهمة قمع أهل بيروت ووأد احتجاجاتهم وتفريق تظاهراتهم، وفك اعتصاماتهم، إلى تلك “النخبة الراقية” من أنصاره، الذين آمنوا أن ما يفعله اللبنانيون من مطالبة بالإصلاح وإسقاط الفاسدين، إنما هو “تهديد وجودي للشيعة”!
وعلى هذا النحو، واظبت تلك الجحافل المزودة بالعصي وقضبان الحديد (والأسلحة المخبأة بالتأكيد) على مهاجمة من يتجرأ على التظاهر أو الاعتصام من طلاب وطالبات جامعيين ونشطاء مدنيين وعائلات بأطفالها ومواطنين من كل صنف وطبقة، وأحرقوا خيم المعتصمين في وسط العاصمة مرات ومرات، واعتدوا خصوصاً على الفتيات، وتعمّدوا “اقتحام” و”غزو” أحياء بعينها، إيحاءً باستعدادهم لإشعال حرب أهلية إن لزم الأمر.
وهذا التلويح بالحرب الأهلية الذي عاد إليه مؤخراً خليفة نصرالله، نعيم قاسم، كان قابلاً للتصديق دوماً، ليس فقط لأن العنف المادي واللفظي سمتان لصيقتان بسياسة الحزب في الداخل والخارج، ولا لتمتعه وحسب بترسانة عسكرية هائلة (آنذاك)، بل لأن أهل بيروت تحديداً أختبروا منذ العام 2005، موجات من أعمال التفجير والاغتيالات والاستعراضات الترهيبية (على شاكلة عراضة القمصان السود)، ثم ذاك الاستيلاء بالقوة على وسط العاصمة لنحو سنتين، تُوّج بما سمي “غزوة 7 أيار 2008”. كما أن ذاكرة اللبنانيين لم تكن قد ضعفت بعد إزاء انخراط جحافل الحزب في حرب بشار الأسد على الشعب السوري، تحت شعار “لن تُسبى زينب مرتين”، وكأن انتفاضة الشعب السوري ضد الطاغية “تهديد وجودي للشيعة”!
وعلى المنوال نفسه، عادت تلك الجحافل عام 2021، هاتفة “شيعة.. شيعة” في مسيرات محقونة غضباً وعنفاً نحو أحياء عين الرمانة وفرن الشباك ونحو قصر العدل، فقط لأن قاضياً تجرأ على التحقيق الجدّي بانفجار المرفأ الذي دمر شطراً من العاصمة، وكشف عن فداحة فشل وفساد وخراب النظام السياسي والأمني والإداري والاقتصادي الذي يراعاه ويحميه حزب الله. إذ آمن حينها أنصار الحزب أن كشف الحقيقة في الجريمة المقترفة بحق بيروت وأهلها، هو مؤامرة تهدد الشيعة وجودياً!
وكادت تلك الواقعة الدموية التي عرفت بـ”أحداث الطيونة” أن تشعل أيضاً حرباً أهلية، وهدد حينها الراحل نصرالله خصومه بمئة ألف مقاتل.
وقبل أسابيع، ولمرات عدة، عاد الحزب بـ”طلائعه” من فتيان الدراجات إلى العراضات إياها مشحونة بخطب السلاح الإلهي وبشعارات “نواف سلام صهيوني”، وهو البيروتي، الفلسطيني الهوى، اليساري الضمير، الليبرالي الحقوق والقضاء، رئيس حكومة لبنان. وكأن هناك إصراراً تاريخياً من هذا الحزب لتربية العداوة مع رؤساء الحكومة (رفيق الحريري، سعد الحريري، فؤاد السنيورة، تمام سلام.. واليوم، نواف سلام)، وهم من هم في وجدان بيروت.
وعلى امتداد عشرين عاماً وأكثر (إن لم نحسب ما حدث منذ 6 شباط 1984)، كانت “علاقة” حزب الله ببيروت على شاكلة تسمية الشارع الذي يقع فيه مستشفى رفيق الحريري، باسم المدان باغتيال الحريري نفسه. أي أنها علاقة يشوبها أي شيء إلا المودة.
واليوم، قرر حزب الله أن “يحتفل” بذكرى مجزرة البايجرز واغتيال نصرالله، على نحو سلمي مرتب وفني (!) في بيروت وعلى كورنيشها البحري وصخرة الروشة السياحية!
هكذا، بكل براءة، رغب حزب الله أن يخرج من معقله في الضاحية الجنوبية إلى واجهة بيروت وقلبها، ويمنح لنفسه ولأنصاره ولاحتفاليته طابعاً وطنياً، أو بالأحرى ليفرض عنوة على بيروت وأهلها، وعلى اللبنانيين جميعهم في عاصمتهم، مناسبته الحزبية والفئوية. فلا أهل بيروت ولا اللبنانيين بطوائفهم وتياراتهم وأحزابهم وتجمعاتهم ولا الدولة اللبنانية ارتضوا أو وافقوا أو منحوا الحزب تأييدهم لا في حرب الإسناد ولا في الحرب السورية ولا في أي فعل أو قرار أقدم عليه حزب الله منذ عشرين عاماً.
بمعنى آخر، ما من براءة في رغبة حزب الله “السياحية”. فالحرب بكوارثها وضحاياها وهزيمتها لم يكن اللبنانيون شركاء فيها، ولا يتحمل مسؤوليتها سوى الحزب نفسه الذي خوّن ثلاثة أرباع اللبنانيين وهم يعلنون بأعلى أصواتهم وبكل الوسائل وعلى مدى أشهر رفضهم الانجرار إلى الحرب وتحذيرهم من وقوعها، فظهر عليهم الراحل نصرالله، مستهزئاً ومتوعداً.. معلناً أنه لا يطلب إذناً من أحد.
ما من براءة في إصرار الحزب على احتفاليته البيروتية، فهي حتماً تندرج في سياق طموحه لتصدير هزيمته وإسقاطها على الدولة والحكومة واللبنانيين، ورغبته بإعادة الاعتبار للمقولة الإيرانية في “احتلال” أربع عواصم عربية.
وما من براءة في إضاءة صخرة الروشة بصورة حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، فالحزب الذي يواجه عزلة وطنية شاملة، مفضلاً بقاء سلاحه على بقاء لبنان نفسه، يدرك سلفاً أن هذا الفعل هو استفزاز مباشر ومتعمد ومقصود لسكان بيروت. أي أنه يطلب الاستفزاز أكثر بكثير من الاحتفال. تماماً كمن يقوم بجولة سياحية مدججاً بالقنابل والرشاشات ويستغرب اندلاع الذعر والرعب.
الأكثر قراءة
GettyImages-1326632730.jpg
لم نواجه حزب الله ليحل محله أمثال أنطون الصحناوي
E-L_jkOWYAQeXyd.jpg
كلام سعد عن تطييف المقاومة أخرج حزب الله من مهرجان “الناصري”
بنيامين نتنياهو(getty).jpg
نتنياهو يقابل القمة بالنار: عودة أورتاغوس ومساع لإقناع الحزب
1.jpg
اتفاق لإطلاق سراح مختطفي السويداء بمسعىً من جنبلاط
اعلان
تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي
image
image
image
image
image
subscribe
إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد
اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث
أدخل بريدك الإلكتروني
اشترك الآن